اطبع هذه الصفحة


أضواء باهرة على بعض الأحكام المتعلقة بأسرى الأعداء
22/03/2009

الدكتور مسلم محمد جودت اليوسف

 
بسم الله الرحمن الرحيم

"قاوم" خاص- أما من يقع منهم بالأسر فيكون لأمير المجاهدين ، ولأهل الحل والعقد منهم بالخيار ما بين أن يترك أسرى العدو في الأسر كأرقاء ، أو أن ينعم الأسير بالفكاك من غير مقابل مادي ملموس ، أو معنوي محسوس ، أو أن يفكهم أمير الجهاد بمقابل مادي تقليدي مثل: مبلغ معين يحتاجه أهل الجهاد ، وعائلاتهم لإصلاح حالهم ، وحال أسر من الشهداء والأسرى والجرحى .

------------------------------

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا يوافي نعمه ويدفع عنا نقمه ، والصلاة و السلام على إمام الحرب، و الملحمة نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم، وبعد :

لاحظت أن بعض الكتاب المعاصرين حين يعرضون لتصوير موقف الشريعة الإسلامية من أسرى الأعداء، نراهم يقتصرون على تصوير جانب البر و الرأفة، و الإحسان بالأسرى بل المبالغة في ذلك مبالغة تخرج عن الحد المعقول والمقبول، وطبيعة المعارك الحربية ، و الصراعات المصيرية التي خاضتها الأمة، أو تخوضها اليوم بكل فصائلها المخلصة لمبادئها القويمة المستقاة من كتاب الله ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

دون أن يبين هؤلاء الكتاب الجانب الآخر الذي يجب أن يعامل به أسرى الأعداء عند الحاجة والضرورة، ظنا منهم أن ذلك يسيء إلى الإسلام بحسب ظنهم وتصورهم البسيط .

بيد أني أعتقد أن مثل هذه الكتابات وأمثالها تبعد رجل الشريعة ، و من يحتاج لأمثال هذه المسائل عن الواقعية التي يعيشها المسلمون، رجالهم الأمر الذي قد يؤدي إلى عواقب لا تصب بمصالحنا الشرعية بأنواعها المادية والمعنوية .

مما قد يظهر لبعض الناس – عن حسن نية أو غير ذلك - أن الشريعة الإسلامية ، ورجالها غير قادرين على معالجة قضايا العصر و معضلاته وتطوره و مشاكله، و بذلك نكون قد أسأنا إلى صورة الشريعة، وحفظة الشريعة، وبيضة الإسلام و ملائمته لكل زمان و مكان .

و على هذا فحقيق على كتاب الفقه والفكر الشرعي – نسأل الله تعالى أن نكون منهم - إظهار الحق كما هو، وتحت أي ظرف أو ضرورة، ولكل المسائل والأحكام خصوصا الملحة منها و الطارئة ، و التي منها – وفق ما أرى - :

معاملة أسرى الأعداء إذا دعت الضرورة، و الظروف إلى الشدة و العنف وفق حدود ، و أخلاق الدين الإسلامي وأعني عدم شرعية تحت أي ظرف انتهاك عرض السير كما فعل و يفعل عباد الصليب في العراق ( سجن أبو غريب ) و أفغانستان ( غوانتنامو ) .. إلخ .

فمن الخطأ الجسيم تجنب تعذيب أسير العدو - وفق الضوابط الشرعية المعتبرة – و ذلك في ظروف معينة يترك لأمير الحرب تقديرها و تقدير صورها .

وسوف أسلط - إن شاء الله تعالى - في الأسطر القادمة بأنوار باهرة – إن صح التعبير - على بعض الأحكام المتعلقة بأسرى الأعداء نظرا لوقوع العديد من أسرى الأعداء – بفضل الله تعالى - بأيدي المجاهدين في فلسطين و العراق و أفغانستان وغير ذلك من بقاع و ديار الأمة الإسلامية المجاهدة .

وينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار أن سلطة الأمر، و النهي في إمضاء أي حكم من تلك الأحكام التي يجوز اتخاذها بحق الأسرى يعود إلى الحكم الأصلح ، والأنسب بحسب ظروف كل بلد ببلده ، و بكل حالة بحالتها .

فإذا استدعت الضرورة ، أو المصلحة أو كلاهما إلى اختيار حكم معين دون غيره ، فالواجب الشرعي هو اتباع ما تقتضي به المصلحة والضرورة في ذلك من مثل :

إذا دعت الضرورة والمصلحة قتل الأسير لصعوبة المحافظة عليه لفداء أسرى المسلمين نظرا لضعف إمكانيات المجاهدين ، و صعوبة تحركهم في أرض المعركة ، فالعدو يملك الطائرات ، و الأقمار الاصطناعية و غيرها من الأسلحة الثقيلة التقليدية ، و غير تقليدية .

أما المجاهدين فلا يملكون إلا القليل من الأسلحة التقليدية الخفيفة والمتوسطة ، و الكثير من الإيمان بالله ونصره .

فمن الأفضل عندئذ – إذا رأى أمير الجند – قتل الأسير خوفا من تحرره أو هربه ، فالواجب الشرعي هنا قتله دون إبطاء أو وجل ، لأن إفلات هذا الأسير من قبضة المجاهدين فيه تدعيم و تقوية لمعنويات العدو و إرجاف لقلوب المجاهدين أما حين القتل فالعدو سوف سيزداد ضعفاً على ضعف ، و المسلمين سيمدهم الله بالقوة و أسبابها .

قال ابن قدامة المقدسي رحمة الله تعالى: ( إن تخير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة ، فمتى رأى المصلحة في خصلة من هذه الخصال ، تعينت عليه ولم يجز العدول عنها)

ولعل قول الله تعالى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم تبين لنا ذلك في أجمل و أوضح الصور و نصها :(فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد و إما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ).

ومجمل معنى الآية الكريمة : أن الله جل جلاله أمر المجاهدين عند لقاء العدو ألا تأخذهم شفقة و لا رحمة ، بل عليهم أن يعملوا فيهم تقتيلاً ، وفتكاً حتى يهن العدو ، و يضعف و تكسر شوكته ، فلا يبقى له بعد هذا القتل و التقتيل قدرة تذكر على قتال المسلمين أو تهديد مصالحهم .

أما من يقع منهم بالأسر فيكون لأمير المجاهدين ، ولأهل الحل والعقد منهم بالخيار ما بين أن يترك أسرى العدو في الأسر كأرقاء ، أو أن ينعم الأسير بالفكاك من غير مقابل مادي ملموس ، أو معنوي محسوس ، أو أن يفكهم أمير الجهاد بمقابل مادي تقليدي مثل: مبلغ معين يحتاجه أهل الجهاد ، وعائلاتهم لإصلاح حالهم ، وحال أسر من الشهداء والأسرى والجرحى .

كما يمكن أن يكون الفكاك أمر معنوي يحتاجه المسلمين عموما والمجاهدين خصوصا وفق الظروف والحاجة التي يقدرها أولي الأمر .

وذلك لبيان موقفهم أنهم أصحاب حق، وأن قضيتهم قضية عادلة وأن جهادهم مقدس ، لأنهم يدافعون عن دينهم، وأرضهم ، وعرضهم ومصالحهم المادية، والمعنوية المشروعة عند جميع الأمم التي اغتصبت أرضها، ودنس عرضها ، وشرد شعبها في بقاع الأرض ودياره .

و أرى وفقاً للظروف التي نمر بها أن هناك نقاط يجب أن نسلط بعض الضوء عليها في هذه الآية الكريمة، وهي حالتي: الفداء ، و القتل .

أولاً – فداء الأسير :

والفداء قد يكون بالمال التقليدي مثل العملة الصعبة – كما يحلو للبعض أن يسميها _ كاليورو و الدولار ... إلخ ، أو النقد المحلي ، أو الحاجات الضرورة للمجاهدين مثل الطعام و الدواء ، و غير ذلك مما قد يحتاجه أهل الحرب و القتال .

وربما يكون الفداء بالتبادل بين أسرى العدو وأسرى المسلمين من الجانبين فرد بفرد ، أو فرد بجماعة، أو جماعة بفرد بحسب ظروف المسلمين و أحوال المعركة .

قال الإمام الشوكاني - عليه رحمة الله تعالى - : {والفداء أعم من أن يكون بالمال، أو بفك الأسرى منهم بالأسرى منا، فإن ذلك كله فداء ...} السيل الجرار للشوكاني ج4 / 567 .

وعليه فإن كلمة فداء كلمة عامة يمكن أن تشمل كل ما يحقق مصلحة مادية ، أو معنوية للمسلمين ، كما يمكن أن تكون هذه المصلحة اقتصادية ، أواجتماعية عسكرية أو مدنية أو علمية ، أو غير ذلك من المصالح التي يحتاجها أهل الحرب و الجهاد .

فربما ما يحتاجه أهل الرباط في فلسطين غير احتياجات أهل العراق ، أو أفغانستان ، فمن يحتاج إلى السلاح هنا ربما قد يحتاج الطعام ، و الدواء هناك أي أن الأمر عائد إلى ظروف و احتياجات أهل كل البلد و قرارات أهل الحل والعقد فيه .

ألم ترى كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم : فادى بعض المشركين على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة و هنا رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين يحتاجون إلى هذه الحاجة العلمية نظرا لضرورتها في ذلك الوقت والظرف . انظر : زاد المعاد، لابن القيم ج5 / 65 .

وبهذا الأثر الكريم من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يمكن أن نثبت صحة فداء الأسرى بمصالح مادية، ومعنوية واقتصادية، واجتماعية وعسكرية أو علمية ، وغير ذلك وفقا لاحتياجات للمسلمين عموماً والمجاهدين خصوصاً .

ثانياً – قتل الأسير :


وهذه النقطة الثانية التي سأسلط بعض الضوء عليها لفائدتها في أحكام الجهاد في العصر الحديث ، وظروفه وأحواله المعقدة مقارنة بالماضي ، و ظروفه وعناصره .

فهل يجوز لأمير المجاهدين ، أو من ينوب عنه بقتل من وقع بيده من أسرى العدو حين تستوجب مصلحة المسلمين أوالمجاهدين ذلك ؟ .

بداية يمكننا القول أن كلمة " إما " في الآية الكريمة [ فإما منا بعد وإما فداء ] لا تفيد حصر الحكم في الأسرى بالمن أو بالفداء لوجود أدلة أخرى تفيد بجواز القتل .

من ذلك ما روى مسلم في صحيحه بخصوص أسرى بدر من جيش المشركين : ومما جاء فيها :

{ فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين .. قال ابن عباس : فلما اسروا الأسرى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسرى ؟ فقال أبو بكر : نبي الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما ترى يا ابن الخطاب ؟ قلت لا والله ، يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم ! فتمكن علياً من عقيل ، فيضرب عنقه ، وتمكني من فلان " نسيباً لعمر " فأضرب عنقه ! فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها ... } .

فهذا الدليل الصحيح الصريح الذي أورده الإمام مسلم في صحيحه يشير إلى جواز قتل الأسرى جميعاً ، وليس قتل البعض .

وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر لعمر رأيه في قتلهم بل إن الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد بين سبب القتل ، وهو كسر شوكة الكفار بقتل صناديدهم وأئمتهم ، وهو أمر معنوي هام جداً للمسلمين في ذلك الظرف .

فبقتل أسرى المشركين، وصناديدهم رفعت معنويات المسلمين و مقاتليهم ، وتحطمت معنويات الكفار ومقاتليهم إلى الحضيض ، فكان لهذه القتل الخير كل الخير للمسلمين ، و الشر كل الشر للكفار وأئمتهم.

ومن الأدلة التي تدل على صحة قتل الأسرى من الكفار ما جاء في سنن الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في حق أسرى بدر من المشركين - : لا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق . سنن الترمذي ج5 / 271 .

وبما أوردت يتبين لنا أن الحكم في الأسرى ، إنما يتبع مصلحة المسلمين عموماً ، ومصلحة المجاهدين وجوباً، فإذا كانت مصلحة المسلمين تقتضي بعدم قتلهم ، فلا يجوز في هذه الحال أن يحكم عليهم بالقتل .

أما إذا دعت المصلحة ، والظروف إلى قتل الأسرى ، فإن هذا الأمر مشروع وفق رأي أمير المجاهدين، وأهل الحل والعقد منهم وظروف كل بلد ببلده ، وجماعة بجماعتها ، و احتياجات و ظروف كل منهم.والله أعلم.

• محامي وباحث إسلامي.
• للتواصل مع الكاتب:abokotaiba@hotmail.com

 

مسلم اليوسف
  • بحوث علمية
  • بحوث نسائية
  • مقالات ورسائل
  • فتاوى واستشارات
  • الصفحة الرئيسية