اطبع هذه الصفحة


أضواء شرعية
على مشاركة الإسلاميين
في المجالس النيابية

الدكتور مسلم محمد جودت اليوسف

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا يوافي نعمه ، ويدفع عنا نقمه .
والصلاة و السلام على إمام الرحمة ، والملحمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم و، بعد :
في هذه الأيام يخوض عدد من الإسلاميين في بعض البلاد الإسلامية انتخابات صعبة للغاية بسبب تكالب رجال النظام عليهم حتى لا يصل أي من رجالات الحركة الإسلامية إلى المجلس النيابي ، فيسهل بذلك تنفيذ ما خطط له بكل يسر وسهولة . فما هي هذه النيابية التي يثار حولها كل هذا الهرج و المرج .
النيابة مسؤولية يضطلع بها النائب بعد نجاحه في الانتخابات ، ضمن الدائرة التي يحددها القانون المنظم لذلك .
النيابة في البرلمان مسؤولية ثقيلة على صاحب الدين الذي يؤمن بأن الله تعالى سوف يحاسبه على كل صغيرة ، وكبيرة ، لأنه قد أصبح راع و هو مسئول عن رعيته .
فالنيابة مسؤولية تكليفية مناطة بشخص النائب المنتخب من جمهوره العريض و ليس من الجمهور الذي انتخبه فقط .
فالمرشح الإسلامي بعد نجاحه في الانتخابات يصبح وكيلا عن الشعب من أجل قضاء حوائجه و السهر على مصالحه ضمن القواعد العامة و الأصول المرعية .
و النائب الإسلامي خير من يمثل الشعب و يدافع عن مصالحه المشروعة لتحقيق العدالة الاجتماعية و الحرية المضبطة بالشرع الحنيف .
فالسياسة عند النائب الإسلامي ما هي إلا رعاية شؤون الأمة ، و أفرادها لتصحيح و تقويم كل جوانب الحياة التشريعية والتنفيذية ، و القضائية والعلاقات الداخلية و الخارجية من منظور الشريعة الإسلامية الغراء.
فالدين لله و الوطن لله و المواطن لله و الحاكم و المحكوم لله أيضاً. فلا فصل بين الدين و الدولة أو بين السياسة والدين فكل شيء يجب أن يصبغ ظاهرا وباطنا بالشرع الإسلامي الحنيف.
هذا هو منهج النائب الإسلامي إذا ما وفق و دخل المجلس التشريعي .
يعترض بعض الكتاب على دخول الإسلاميين معترك السياسة فهل هناك من مبررات شرعية تبرر هذا الفعل و الأمر :
لاشك أن هناك مبررات شرعية تجيز دخول الإسلامي للبرلمان منها :
1- أن العمل النيابي وفق منظور النائب الإسلامي ما هو إلا صورة من صور الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر . و المسلمون جميعا مطالبون بالقيام بهذا الواجب لتحقيق مصالح الشريعة الإسلامية و لصيانة المجتمع و الإنسان من الضلال والانحراف .
عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع و هو مسؤول عنهم ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده و هي مسؤولة عنهم ، والعبد راع على مال سيده ، وهو مسؤول عنه ، فكلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته )
رواه أبو داوود في سننه ج3/130 و هو حديث صحيح صححه اللألباني رحمه الله تعالى .
2- إن النائب الإسلامي يمكن أن يقف سدا منيعا أمام أي تشريع يخالف الشريعة الإسلامي ، فهو يعارض هذا التشريع المضر بالمجتمع و أفراده ، و يقدم البديل أيضا المتوافق مع أحكام الشريعة و مصالح الأمة . وإذا تعذر عمله فهو يفضح هذا المشروع أمام الرأي العام ، ويكون بهذا قد قدم العذر بعد أن عمل ما يستطيع من بيان و توضيح و غيره من الوسائل الشرعية المتاحة .
3- النائب الإسلامي يجعل المنبر التشريعي بابا من أبواب الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل ممنهج و فعال .
4- إن النائب الإسلامي من خلال مشاركته في المجلس التشريعي يوفر البيئة المناسبة لتحقيق مصالح الناس ودفع المفاسد عنهم وفق استطاعته و مكانته و قوته .

فبمشاركة هذه النخبة من الإسلاميين في المجالس النيابية يمكن الانتقال بالمشروع الإسلامي من المستوى النظري إلى المستوى العملي .
فلم يعد مقبولا أن تبقى الساحة بعيدة عن هذا النخبة المباركة التي تستطيع المساهمة في بناء المجتمع ، و تطويره نحو الأفضل .
لذلك أرى أن دخول الإسلاميين إلى المعترك السياسي أصبح واجبا رغم كل الصعوبات المصطنعة في طريقه للوصول إلى منابر المجلس التشريعي و غيره من مراتب الحكم .
فإذا كان هناك فشل في مرة من المرات بسبب ظروف معلومة ، وواضحة فيجب على الحركة الإسلامية تطوير نفسها و تأهيل كوادرها ، و أفرادها و جماهيرها لتكون في مستوى العصر وتحدياته المختلفة للنجاح في المرة القادمة إن شاء الله تعالى .
ومن هنا فمهما حصل من حرب و تزوير ،و اضطهاد للمرشحين و جماهيرهم لمنع الإسلاميين من دخولهم للمجلس النيابي ، فلا بد للمشتغل بهذا العمل أن لا ينسى ما يلي :
أ – يجب على الحركة الإسلامية أن لا تتأس أو تحبط من عدم النجاح الظاهري بل عليها الاستمرار بالعمل و الدعوة وفق الظروف الداخلية الدولية حتى ينصرها الله تعالى .
قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)} [آل عمران : 200]
ب- إن العمل السياسي لا يجوز أن يمارس خارج الأطر الشرعية ، و المبادئ الإسلامية . فالشرع قاعدة للتحاكم و الاحتكام ، ومناط الفتوى و الاجتهاد و ميزان تقييم السياسات الداخلية الخارجية .
ج – إن العمل السياسي وظيفة تكليفية وليست تشريفية ، فيجب أن لا ينسى السياسي الإسلامي تقوى الله تعالى و ثقته بالله ووعده بالنصر و التمكين . كما يجب أن يتذكر السياسي الإسلامي أن الناس عموما ، و المخالفين خصوصا يرصدون حركاته و سكناته و جميع تصرفاته ، فإذا أخطأ لا يلتمسون له أي عذر و إنما يتتبعون زلاته و هفواته لتكبيرها و استغلالها بطريقة بشعة جدا .
د – الحقيقة التي يجب أن يعيها السياسي الإسلامي أن عمله السياسي يقع في مناخ ملوث من التحالفات و الصفقات و الإغراءات من هنا و هناك ... و أي سقطة من هذا النوع تكاد تقضي عليه و على من يمثل .
هـ – يجب على السياسي الإسلامي أن يتقن فنون شتى حتى ينجح في مهمته الشرعية منها :
- المعرفة التامة بالقواعد و الأصول الدستورية .
- المعرفة التامة بالأنظمة البرلمانية .
- المعرفة العميقة بالقوى المختلفة للشعب ومكوناته العرقية ، و المذهبية .
- المعرفة المعمقة بالتاريخ السياسي للبلد و شعبه .
- معرفة القوى الظاهرة و الخفية التي تقود العالم و كيفية حربها بأسلوبها و طريقتها لأنها تمثل التحدي الأكبر للمشروع الإسلامي .

و أخيرا أتوجه بالقول لهؤلاء الذين يخوضون غمار الانتخابات فهمها حصل من تزوير و اضطهاد لكم و لمناصريكم يجب أن لا تيئسوا أبدا بل يجب عليكم كشف أساليب المزورين ، و فضحهم أمام الرأي العام الداخلي و الخارجي العربي و الإسلامي و العالمي .
و أذكركم بقول الله تعالى : {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [ سورة البقرة : 286] .

و الحمد لله رب العالمين .


بقلم
المحامي الدكتور مسلم اليوسف
للتواصل مع الكاتب
abokotaiba@hotmail.com

 

مسلم اليوسف
  • بحوث علمية
  • بحوث نسائية
  • مقالات ورسائل
  • فتاوى واستشارات
  • الصفحة الرئيسية