اطبع هذه الصفحة


اقتصاد الإسكان ما بين الواقع وتمني التنمية

الدكتور مسلم محمد جودت اليوسف

 
بسم الله الرحمن الرحيم

 
الحمد لله رب العالمين ، الصلاة والسلام على رسول لنا الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم و بعد :
بحث الإنسان منذ خلق الله تعالى و أنزله الأرض عن المسكن الملائم الذي يجد فيه الأمن ، و الآمان ، و لكي يحافظ على نفسه ، و أهله ، و يدفع عنهم ، و عن نفسه شتى أنواع المخاطر التي تحدق به من كل جانب .
بيد أن التطور الذي أحاط بكل مسائل الحياة  ، وتشعباتها قد طالت بما طالت سكن الإنسان أيضاً ، فالإسلام  نظر إلى المسكن بأنه أحد أسباب السعادة في دار الدنيا حتى اعتبره الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – من سعادة المرء كما ورد عن الإمام أحمد بن حنبل عن نافع بن عبد الحارث – رضي الله عنه – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : من سعادة المرء الجار الصالح ، والمركب الهنيء ، والمسكن الواسع ) .[1]
وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن ابي وقاص عن أبيه عن جده  – رضي الله عنهما – قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – : ( من سعادة الدنيا ابن آدم ثلاثة ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة . من سعادة ابن آدم  : المرأة الصالحة ، و المسكن الواسع ، و الجار الصالح ، و المركب الصالح ، و من شقاوة ابن آدم المرأة السوء ، و المسكن السوء ، و المركب السوء).[2]
و في صحيح ابن حبان قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : ( أربع من سعادة المرأة الصالحة ، و المسكن الواسع ، و الجار الصالح ، و المركب الهنيء . و أربع من الشقاء : المرأة السوء ، و الجار السوء ، و المركب السوء ، و المسكن الضيق ).[3]
كما شرع للمسلم أن يسأل ربه تعالى السعة في المسكن ، لما روى الترمذي عن أبي هريرة – رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم – دعا في ليلة ، و قال : ( اللهم اغفر لي ذنبي ، ووسع لي في داري ، وبارك لي فيما رزقتني ) [4].
وتجمع آراء الفقهاء وأهل العلم المعتبرين على أن المسكن يعتبر من إحدى مفردات مستوى المعيشة الحسنة شأنه شأن الزوجة الصالحة ، و المركوب الحسن .
ومن الأهمية أن أبين ما أصاب السكن من العماني الواسعة التي أدت إلى تطوير مفردات نظامه من الجذور ، وجعله يتصدر المكونات التي يشتمل عليها مستوى المعيشة . وهي المعاني التي تقع فيما يلي :
أ‌- المأوى : و هو يعتبر من أرقى المفاهيم باعتباره المكان الذي تتحقق فيه معاني الأمن ، و الآمان ، لإقامة العلاقات الأسرية ونشاطاتها المختلفة لذلك عبر الله تعالى عن الجنات بأنها جنات المأوى قال تعالى : ( أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات الماوى نزلا بما كانوا يعملون ) [5].
ب‌- الحماية : لأن المسكن يحقق الأمن الذاتي لقاطنيه ، فيحمل إليهم شعورا بالانتماء إلى المجتمع ، و إلا فسيسارع هؤلاء إلى الانتقال إلى مكان آخر تحقيقا لهذا الهدف .
ت‌- المرافق العامة : من الضروري أن تتوفر في المبنى السكني المرافق و الخدمات العامة ، التي تكفل سهولة ، واستمرار الحياة فيه .
و عليه فإن السكن يجب أن تتوفر فيه جميع المعاني سالفة الذكر حتى يستقر ، و يتطور ، و تدوم الحياة فيه .
و علاوة على ما سبق ، فإن هذا القطاع يحتاج إلى مكونات أخرى لعل أهمها البيئة البشرية ، و البيئة الطبيعية :
1-  البيئة البشرية : وهي التي تشمل العوامل الديموجرافية مثل إعداد السكان ، و توزيعهم ، و قيمهم الثقافية ، و عاداتهم ،       و تقاليدهم . ومن هنا فإن المنطقة السكنية المراد إنشاؤها يجب أن تراعا فيها العوامل الديموجرافية حتى تكون هناك بيئة سكنية مناسبة للنمو ، و الاستقرار .
2-  البيئة الطبيعية : و هي التي تتعلق بالأرض ، و المناخ ، وأمثالهما ، فالبنيان السكني يجب أن يتلاءم مع البيئة الطبيعية المتوفرة من تراب و حجر و أمثالهما .
وانطلاقا مما قلنا ، فإن المشروعات السكنية يتوقف نجاحها من عدمه بقدر مراعاتها للبيئة البشرية ، و الطبيعية للمشروع دون أي تقليد أعمى للأساليب الأجنبية في البناء ، و تنشئة المجمعات السكنية .
 
إن أي إنتاج اقتصادي يحتاج إلى عناصر ، فما هي عناصر إنتاج المساكن المتعارف عليها عند أصحاب الاختصاص ؟.

عناصر إنتاج المساكن :

أولا – الأرض : تعتبر الأرض من أهم عناصر إنتاج المساكن ، قال تعالى : ( الذي جعل لكم الأرض فراشا ) [6] والأرض المعدة للبناء  يجب أن تتوفر بالمقادير التي تحتاج إليها العمليات الإنشائية على اختلاف أنواعها . وهنا يظهر دور المجالس البلدية و أمثالها لتحضير الأراضي المعدة للبناء السكني .
فتحديد الكمية المعروضة من الأراضي للاستعمالات المختلفة من أولى المهام التي يجب أن تقوم بها السلطات المختصة ، و ذلك بأسلوب علمي يتلاءم مع احتياجات سكن وتطوره ، و الذي يحصل بكثير من الأحيان أن فساد المجالس المحلية أدى إلى عدم تطور هذا الركن الهام ، فربما نجد قطعة أرض يسمح فيها بالبناء بينما نجد قطعة مجاور تماثلها بكل شيء بل قد تتفوق عليها بالشروط و الاركان الملائمة للبناء لا يسمح فيها للبناء إلا بعد دفع مبالغ طائلة من الرشاوي ، و العمولات .
ولعل السبب في كل ذلك غياب سلطة حقيقة للتخطيط ، و التنفيذ  ، و المحاسبة أيضا .
أيضا يجب أن يكون هناك سوق حقيقة لبيع الأراضي الصالحة للسكن بحيث يسهل لكل من يريد الحصول على أرض للبناء مسكنه وفق امكانياته و احتياجياته ، فعلى السلطات المختصة توفير أراضي ، و البنية التحتية لهذه الأراضي بما يتلاءم مع احتياجات السوق مع مرعاة دخول من يرغب بالشراء ، و البناء و السكن .

ثانيا –
المنافع و الخدمات العامة : تعتبر المنافع الخدمات العامة من عناصر إنتاج المسكن ، و يمكن إجمال هذه المنافع ، و الخدمات بما يلي :
1-  المياه : تعتبر المياه من الأركان الأساسية التي يجب أن تتوفر في المباني السكنية ، و تقع مسؤولية توفير المياه الصالحة للاستعمال ، أو الشرب ذلك على عاتق البلديات ، و أمثالها كما تقع عليها مسؤولية الصرف الصحي .
2-  الكهرباء : كما تعتبر الكهرباء أحد الأكان الأساسية التي يجب أن توفرها الدولة في المبني السكنية أضف إلى ذلك الهاتف ،  و الغاز ، و أمثال ذلك .
3-  المواصلات : فمن الضروي توفير المواصلات الملائمة ، والكافية لاحتياجات السكان ، و عددهم .

ثالثاً –
إعداد التصاميم الهندسية : وهي من الأنشطة التي يتولاها رجال الهندسة ، و يجب أن يتم وضع التصاميم وفقا لحاجات ، و إمكانات الأفراد المقرر إقامة المشروعات لهم .
  وهناك مباديء يجب أن تأخذ بعين الاعتبار منها ما يلي :
1-  يجب أن تراعي تلك التصاميم احتياجات السكان وطريقة معيشتهم .
2-  يجب أن تراعي التصاميم كلفة التنفيذ و إمكانات السكان ومن يرغب بالسكن .
3-  يجب أن تكون التصاميم في متناول ذوي الدخول المحدودة ومن يستطيع أن يترفه .
4-  يجب أن تكون التصاميم تتوافق مع الموارد الاقتصادية المحلية المتاحة ، و تقليل الاعتماد على الاستيراد بقدر المستطاع .
 
رابعا –
توفير المواد البنائية :
يعتبر توفير المواد البنائية من الأشياء الهامة جدا في عملية توفير السكن ، و علاوة على ذلك ، فإن إيجاد مواد البناء بالمقادير المطلوبة ،  و الأسعار الملائمة يعتبر من أهم مفرادات السياسة الإسكانية للأجهزة المختصة .
خامساً – تنفيذ المشاريع السكنية :
وهو النشاط الذي تقوم به شركات البناء أو الأفراد ، و المقاولات لإنجاز ما تم تصميمه  ، و هناك نوعين من نظم تنفيذ هذه المشاريع :
1-  نظام المقاولات المتكامل : فيه تتولى الشركة تنفيذ جميع الشروط الواردة في المناقصة لإنشاء أحد المشروعات السكنية . وما أن يتم ترسية العطاء على أحد المقاولين حتى يبدأ في تنفيذ العمليات الخاصة بالمشروع ، و إقامة البيوت ، و المنازل المطلوبة ، و توفير المرافق ، و الخدمات العامة المنصوص عليها في العقد .
2-  نظام المقاولات الفرعية : و هو النظام الذي تتولى فيه الجهة الإدارية المسؤولة إحالة أحد المشروعات الإسكانية إلى المقاولين لتنفيذه . و يتولى كل مقاول على انفراد القيام بما يعهد إليه من الأعمال الإنشائية .
 
سادسا –
توفير اليد العاملة الخبيرة :
تعتبر القوى العاملة من العناصر الانتاجية الهامة التي لا يمكن الاستغناء عنها في أي مرحلة ، و الحمد لله يوجد لدينا في كل العالم العربي فائض من اليد العاملة الخبيرة لكل الإنشاءات المطلوبة للبناء بكل مراحله وصوره .
 ومن الطبيعي أن هناك مجموعة من العوامل التي تعمل على نمو العمالة ، و تحسنها في هذا القطاع لعل أهمها :
1-  سياسة الدولة الإسكانية المتعلقة ببناء المساكن .
2-  مدى توافر مواد البناء في الأسواق ، و سهولة الحصول عليها .
3-  حجم التسهيلات الائتمانية التي تقدمها المؤسسات المصرفية .
 
و بناء على ما تقدم ، فإن توفير المساكن اللازمة لمطلبات السوق بالأعداد ، و المستويات المطلوبة للسكان أمر يتوقف على كثير مما يلي :
1-   توفير القيادات الإسكانية الخبيرة الأمينة : مصداقا لقوله تعالى في سورة القصص : ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ). [7] فيجب توفير القيادات الإسكانية الخبيرة الأمينة التي تستطيع القيام بواجبات الإدارية ، و الفنية على نحو يدعو إلى إشباع حاجات الأشخاص مما يحتاجون إليه من المساكن ، و المرافق .
2-   إتباع الأساليب العلمية : يجب إتباع الأساليب العلمية في جميع مراحل البناء من إجراء دراسات ميدانية لحاجات السكان ، و الأخذ بالتخطيط الإقليمي و تخطيط المدن . كما يجب القيام بالأبحاث العلمية للتأكد من جدوى تلك المشاريع ، لتطوير المنطقة ، و تلبية حاجات السكان  .
3-   توفر البيانات الديموجرافية : يجب توفير بيانات ديموجرافية التي تتعلق بالتوزيعات السكانية المختلفة قبل البدء بأي مشروع سكاني .
4-     توفر دارسة علمية متكاملة لجعل المسكن بمتناول الجميع : يجب أن يكون هناك دراسات علمية متكاملة تجعل المساكن في متناول أغلبية الشعب للحصول على أحدها ، أو على الأقل القدرة على دفع القيمة الإيجارية في حالة الرغبة بالاستئجار .
5-     توفر خطة شاملة لإقامة الوحدات السكنية : يجب أن يكون هناك نظرة شاملة في دارسة الاحتياجات السكن ، و إقامة الوحدات السكنية باعتبارها من المفردات الهامة التي تقوم عليها الخطة الشاملة للتنمية الاقتصادية ، و الاجتماعية .
6- اعتماد الموارد الاقتصادية المحلية : إن الاعتماد على الموارد الاقتصادية المحلية الموفرة أمر يجب أن يستحوذ على اهتمام الحكومات العربية ، و هي تعمل على وضع التصاميم الهندسية ،  و المعمارية ، أو عند الاستفادة من الموارد الذاتية للمنتجات الإنشائية .
وبعد كل ما أوردت وبينت و أظهرت يتبين لنا أن المسكن في عالمنا العربي هو الشغل الشاغل لكل فرد من أرادها سواء يريد أن يؤسس أسرة أو أن يطورها ، لذلك أتمنى على يرد التنمية الحقيقية إعطاء هذا الأمر حقه من الاهتمام و الدارسة و التطوير .
و الحمد لله رب العالمين


المحامي الدكتور مسلم اليوسف
 

----------------------------
[1] - مسند الإمام أحمد ، برقم 15409 ، و قد صححه الألباني في صحيح الجامع برقم 3029.
[2] - رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح و الطبراني و البزار و الحاكم وصححه إلا أنه قال : و المسكن الضيق . وقال عنه الشيخ اللألباني صحيح ( صحيح الترغيب و الترهيب ).
[3] -  صحيح الترغيب و الترهيب و قال عنه الشيخ ناصر الدين : صحيح لغيره .
[4] - صحيح الجامع للشيخ ناصر الدين الألباني رقم ( 3029 ) .
[5] - سورة السجدة ، الآية 19.
[6] - سورة البقرة ، الآية 22.
[7] - سورة القصص ، الآية 26 .

 

مسلم اليوسف
  • بحوث علمية
  • بحوث نسائية
  • مقالات ورسائل
  • فتاوى واستشارات
  • الصفحة الرئيسية