اطبع هذه الصفحة


إشكالية العمليات الاستشهادية

الدكتور مسلم محمد جودت اليوسف

 
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ، و نستهديه و نستغفره وسترشده ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمداً عبده ورسوله .

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102) .
و قال أيضاً : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1) .
وقال جل جلاله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً
( يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب: 70-71) .
فإن أحسن الكلام كلام الله ، عز و جل ، خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، شر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، و كل بدعة ضلالة ، و كل ضلالة في النار .
و بعد :
إن الهجمة الشرسة على الإسلام و المسلمين و بلادهم من قبل أعداء الله تتطلب منا أن نعد العدد بكل أنواعها المادية والمعنوية لرد العدوان و التنكيل به وبمن يسير بركبه بكل ما و هبنا من قوة .
قال تعالى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (الأنفال:60) .
و لعل خير السبل لصد تلك الهجمات سبيل الجهاد سواء بالجهاد التفليدي ، أو الجهاد المبتكر كالعمليات الاستشهادية التي يقوم بها صفوة شباب القوم بحيث يضع المجاهد بعض المتفجرات أو القنابل بحزام يحيط بها جسمه ، أو يضعها في مركبة أو ما شابه ، ثم يقتحم على الأعداء مقرهم أو مكان تجمعهم ، ثم يقوم بتفجير تلك المتفجرات بقصد القضاء على العدو ، ولو عن طريق التضحية الحتمية بنفسه .
و الملاحظ على مثل هذه العمليات أن مصرع المجاهد إنما كان بفعل يديه و سلاحه ، و إن كان هدفه الأصلي هو القضاء على العدو وعتاده .

و لإزالة شبهة موت صاحب العملية الاستشهادية كان بيده و بسلاحه لا بيد أعدائه و بسلاحهم ، نورد بعض الأدلة التي تزيل هذا الإشكال منها :
قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى ).
و لا ريب بأن نية المجاهد الذي قام بمثل هذه العملية الجريئة ليس قتل نفسه أبداَ بل إعلاء كلمة الله تعالى و الفوز بالشهادة و التنكيل وبأعداء الله و عددهم ، فشتان ما بين المنتحر الذي يريد قتل نفسه ليتخلص من عذاب الدنيا حسب ما يعتقد ،و المجاهد الذي يريد أن ينال رضى الله والفوز بالجنة .
انظر إلى قوله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماوَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) (النساء:29-30)
و تأمل بدقة قوله تعالى (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً ) .
كيف عبر البيان الإلهي على علة الحكم ، فالمنتحر ينتحر عدوانا و ظلما ، لاحباَ بالله و جنته .

أما صاحب العملية الاستشهادية فهو:
1- يخلص النية لله و يقصد من وراء تفجير نفسه إعلاء كلمة الله بما يستطيع ، كما يغلب على ظنه أن العملية لا يمكن أن تتم بأية وسيلة أخرى تضمن سلامته أو غلبة الظن على سلامته .
2- يغلب على ظنه أن العملية ستحدث نكاية و رعباً بالعدو ، أو تجرئة للمسلمين على أعدائهم .
3- أن المجاهد لا يقوم بمثل هذه العمليات إلا في ظروف الحرب و استشارة أهل العلم و الخبرة بأمثال هذه العمليات .
ومن لم يتحقق في عمله إلا الإخلاص فعمله جائز – و الله أعلم – و لكنه ليس أفضل ممن حقق تلك الشروط التي تعتبر تكميلية ليكون هذا العمل المبرور على أحسن حال ، و من فقد تلك الشروط إلا شرط الإخلاص فلا نعتبر عمله قد ضاع بل هو شهيد مأجور من شهداء الله تعالى .
والعلماء حكموا على مسألة الاقتحام على العدو بغلبة الظن ، فمن غلب على ظنه أن يقتل ، فهو كمن تيقن ذلك و كلاهما يأخذ الحكم نفسه ، فلا فرق بين غلبة الظن بالموت في هذه المسألة عندهم .
ولا فرق أيضا بين الذي أعان على نفسه بالانغماس في العدو ، و بين من قتل نفسه بالعملية الاستشهادية فكلهم في الحكم سواء مادام يبتغي وجه الله ونصرة دينه القويم .
و عليه لا اعتبار لليد القاتله للمجاهد في استحقاق الشهادة سواء قتل نفسه بالتفجير أو رجع عليه سلاحه أو قتله العدو أو قتله المسلمون خطأ أو للضرورة كالتترس ، أو أشار على عدوه بطريقة قتله لمصلحة الدين كما في قصة الغلام الذي أقدم على ما من شأنه أن يقتله يقينا رجاء إسلام قومه .
فهذه الصورة و أمثالها متشابهة بالحكم و صاحبها شهيد ، فلا مبرر شرعي على اختلاف الحكم بسبب اختلاف اليد القاتلة في العمليات الاستشهادية مادامت علة الحكم هو النية والقصد و نحن نحسن الظن بأخواننا الذين يضحون بأنفسهم لإعلاء كلمة الله و النيل من أعدائه .
قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111) .
ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم

الدكتور مسلم محمد جودت اليوسف
مدير معهد المعارف لتخريج الدعاة في الفلبين سابقا
و الباحث في الدراسات الفقهية القانونية

 

مسلم اليوسف
  • بحوث علمية
  • بحوث نسائية
  • مقالات ورسائل
  • فتاوى واستشارات
  • الصفحة الرئيسية