اطبع هذه الصفحة


الحرية

محمد بن مشعل العتيبي

 
بسم الله الرحمن الرحيم

 
صحراء موحشة، ومفاوز مقفرة، وأشواك متناثرة، أمواج من السوافي تجتاح قلبه، مؤذنة بمأساة جديدة، ومعركة أخرى خاسرة، مع نفسه، وهواه!
في كل عاصفة تجتاح قلبه، يحاول الظهور أمام الملأ بمظهر المتربع على عرش اليقين والعزة، بينما هو يقبع في سرادق العزاء، عزاء فقد العزة والانهزامية أمام أهوائه، وأمام ما بهره وراق له من مناهج منحرفة!
كل يوم يخطو خطوة نحو اللاشيء، بل نحو السراب، ولاثمة أمل يلوح له في الأفق!
ذلكم هو شيء من صراعه الداخلي الذي يحاول عبثا إخفاءه، والظهور بمظهر الإصلاحي العظيم الباحث عن الحرية.
" حرية " كلمة ساحرة، أصبحت تطربه، يرددها صباح مساء، يشربها عند ظمئه، ويأكلها عند جوعه، ويستطب بها عند مرضه، سلبت لبه، تسكره حد الثمالة.
مالسر ياترى فيك أيتها الحرية؟!
قد يقولون لي: شوقي يقول:

وللحرية الحمراء باب *** بكل يد مضرجة يدق

إنها الحرية التي نبحث عنها، لنتخلص من آصار الاستبداد وأغلاله، ألا تعرفها ؟!
جميل، وحسن هذا المعنى، ولكني ألحظ شيئا آخر غيره، حاولت جاهدا، أن أتلمس منهجا مطردا له، لم أجد للأسف، إنما له في كل يوم صولة، ومع كل حدث رأي.
عفوا..وجدت له منهجا مطردا: العبث بكل ماهو سلفي من أجلها.
نعم، فمن أجلها غير مبدأ، وعطل نصا، وأول آخر، قدح في عالم، وازدرى قولا معتبرا، لا لشيء إنما من أجل الحرية، وكأنها لا تجتمع مع المنهج الحق، وكأن الشارع لم يكفلها في محجته البيضاء النقية.
من أجلها قد أتى بما لم يأت به الأوائل، زاعما أنه يقدم منهجا جديدا مخلصا للأمة من أغلالها، وفاتحا لها آفاق جديدة من الرقي والتطور والتسامح، فلا حدود، ولا ولاء ولا براء، ولا إنكار، ولا عقوبات لمبتدع، كل ذلك من أجل الحرية.
من أجلها والى نصرانيا والتمس له ألف عذر، وانتقد مسلما سنيا والتمس لنفسه ألف عذر كي ينتقده ويسقطه، وهيهات.
من أجلها سفه من أهل التوحيد ودعوتهم، وزعم أنه درجة متأخرة عما يسعى له من الحرية.

حتى التوحيد لم يسلم من حريتهم؟!

" حرية " كلمة ساحرة جميلة كجمال فتاة في ربيع عمرها، ولكنهم بلوثاتهم قد حولوها إلى عجوز شمطاء بقرني شيطان!
تأملت كثيرا في واقعهم، فوجدت أنهم في عبودية مغلفة ببهرج الصراخ عن الحرية، ولكنها عبودية من نوع آخر.
نحن لا نريد حريتكم، نحن نريد حرية (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).
ولكن متى يفقهون ؟!

 

محمد  العتيبي
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية