اطبع هذه الصفحة


صناعة الوعي الوطني

د.مسفر بن علي القحطاني
رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية
بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن


ازدهرت صناعة المشاريع الإصلاحية في اغلب الأقطار الإسلامية نتيجة للأزمات الداخلية المتفاوتة التي تمر بها مجتمعاتهم ,  وشجع نمو هذه الصناعة ما يتوقع استيراده من مشاريع إصلاحية قادمة بقوة العولمة ونفوذها السياسي مما سيُغرق المجتمع بالمنتجات الأجنبية ويُضعف كل ما هو محلي , ولوكان العرض كثيرا فالطلب قليل والوهج المستورد سيعمي عيون الكثير من أهل الحل والقرار ..

إن قبول الحلول المستوردة بخيرها وشرها  مسخ لهوية الوطن وخطر على مستقبله , والمتأمل في  تجارب الأمم والحضارات يدرك عظم الأمر وصعوبته على ثقافة وفكر المجتمع ؛ ولعل من أولئك القلائل الذين أبصروا  هذا الخطر ؛ المفكر الإسلامي مالك بن نبي إذ يقول:"لا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج مغفلاً مكان أمته ومركزها ، بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته , أما أن يستورد حلولا ًمن الشرق أو الغرب فإن في ذلك تضييعاً للجهد ومضاعفة للداء , إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار .."[1] ولهذ كان من المهم في ظل هذه الأزمات أحياء الوعي الوطني وتعميقه في النفوس فهو أول  وأهم دروع التحصين العلاجية والوقائية للفرد والأمة .. ولعلنا في هذه العجالة أن نثير الاهتمام ببعض المقومات التي تعين على تعميق الوعي الوطني في المجتمع ..منها :

1-  ضرورة ترسيخ الهدف الأعظم للإنسان وتبيين حقيقة الوجود في الحياة بشكل قوي وواضح في قلوب الناس وعقولهم لتسري آثاره في واقعهم وحياتهم . والهدف الحقيقي من الوجود هو عبادة الله عز وجل كما أخبر الله تعالى بقوله:"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور"[2] وقال تعالى "وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون"[3].
فجعل الله كل أنشطة الحياة وسيلة لكسب رضوان الله عز وجل ,والنجاح في هذا الابتلاء العظيم، هو الذي يرسخ جذور التمدن في عقول الناس وقلوبهم وسلوكهم ويدفعهم إلى العطاء المتواصل ويزيد من شعورهم نحو الوصول إلى درجة الشهود الحضاري على الأمم والمجتمعات "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس"[4] والإنسان في كثير من بقاع الأرض يعيش في معاناة واضطراب فالمعدات الحضارية باتت كاملة لكن أهداف هذه الحركة المحمومة مشوشة وغامضة ولا تلامس ما جبل عليه الإنسان  بفطرته الصحيحة.  والمتأمل في حال المجتمع العربي قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم  ينظر بوضوح عظم التخلف والانحطاط في المجلات المادية والحضارية ولذلك أنعدم ذكرهم في مسيرة التاريخ البشري إلا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فكانت إذاناً بانبعاث حضاري شامل ومولد أمة من أرقى الأمم وأقواها حضوراً في العالم كله..فالناس هم الناس والديار هي الديار ولكن السبب العظيم في هذا التحول العجيب هو ذلك الوحي الإلهي الذي أنزله الله على رسول صلى الله عليه وسلم "وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب والإيمان ولكن جعلنا نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا "[5] لقد كان ذلك الوحي – كما جاء في الأية- الروح التي بعثت ذلك الجسد الخاوي للحركة والحياة والنور الذي أضاء الظلمات وبددّ حيرة الجاهلية.
ويصور لنا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ذلك التغير العجيب في القوم ما أذهل الذئب وأثار عجبه . يقول رضي الله عنه"عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه. فقال: ألا تتقي الله ؟ تنزع مني رزقاً ساقه الله إلي ؟ فقال الراعي: يا عجبي ذئب يكلمني كلام الأنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب  يخبر الناس بأنباء ما قد سبق..)[6]
ولهذا يقول ابن خلدون في مقدمته " ( فصل في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة )" [7].
 فالوعي الحضاري والتقدم المدني لا يمكن أن يحقق نتائجه ويؤتي ثماره إذا كان منعزلاً عن السمو الروحي والأيمان القلبي إذا هو الفاعل الحقيقي للمدينة الراقية والمحرك الأساسي للأفراد نحو العمل والإنتاج والإنجاز والإتقان المبدع , وهو المنظِّم لعلاقات الأفراد والموضِّح لأدوارهم وواجباتهم بمنتهى العدل والإنصاف.
يقول مالك بن نبي :" الحضارة لا تنبعث –كما هو ملاحظ- إلا بالعقيدة الدينية , وينبغي أن نبحث في حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها , ولعله ليس من الغلو في شيء أن يجد التأريخ في البوذية بذور الحضارة البوذية وفي البرهمية نواة الحضارة البرهمية. فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء , يكون للناس شرعة ومنهاجا, أو هي –على الأقل- تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمعنى العام , فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية أو بعيداً عن حقبته , إذ حينما يكتشف حقيقة حياته الكاملة , يكتشف معها أسمى معاني الأشياء التي تهيمن عليا عبقريته وتتفاعل معها .
ومن هنا يستطيع المؤمن إدراك الحقيقة الساطعة التي يفسرها التأريخ في الفقرة التي وردت في أحد الكتب المنزلة القديمة (في البدء كانت الروح)"[8].

2-   أهمية تعميق الإحساس بروح الانتماء لهذا الوطن الذي كرّمه الله عز وجل بأن جعله مهبط الرسالة الخاتمة ومأرز الإسلام وقبلة المسلمين ومشعل هدايةٍ ونورٍ للناس أجمعين. فالمحافظة على أمنة واستقراره ورقيه وتقدمه لا يخص أفراد الوطن فحسب بل المنفعة والفائدة تتعدى ذلك إلى سائر بلاد المسلمين , ووجوبه الشرعي لا يقل عن وجبه الوطني –لمن تأمل-.
ولا يتعمق هذا الإحساس للانتماء في نفوس الأفراد إلا بقدر الثقة المتبادلة والمنفعة المتحققة بينهم وبين مؤسسات الدولة المختلفة ( السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها) وعندما يحس الفرد بالدونية والإهانة والاستغفال ويحرم حقوقه المشروعة ينعكس ذلك على أداءه لواجباته المناطة به وينقلب تفكيره واهتمامه نحو الفردية المطلقة التي تخدم مصالحة الخاصة ولو أضرت بالآخرين وأنانية مفرطة يأنف بها عن التضحية لوطنه أو التعاون مع الآخرين، ولو زدنا من تكريس أنواع العقوبة لهم لما زادهم إلا نفوراً واستكباراً أو بعداً عن ظِلال الوطن. فروح الانتماء للوطن تأتي تلقائياً    وتدخل نفسه من غير استئذان نتيجة شعور الفرد بتلمس المجتمع حاجاته ومعالجة مشكلاته والوقوف معه في أزماته.

3-  إن وجود الأنظمة والقوانين التي تحكم حياة الإفراد وتنظم المجتمع شرط في تقدم المجتمع ورقية لأنها تكون تجسيداً لمبادئ المجتمع في الحقوق والواجبات . ولذلك تجده في المجتمعات المتمدنة يظل محترماً من الكل.  كما كان عليه العهد في صدر الإسلام.
أما في المجتمعات المتخلفة فإن القانون يكون أداة لتأمين مصالح الجهات النافذة ولذلك فإنه لا يلقى التقدير من أحد، و لا يشايعه إلا المستفيدون منه، ولهذا يصبح تطبيق القانون مظهراً من مظاهر الانهيار الاجتماعي وسبباً من أسباب الهلاك لأنه يصبح أداة ظلم وإفساد. وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم محذراً أمته بقوله : " إنما أهلك الذين كانوا قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم القوي تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ"[9]
ومعظم مجتمعات الأرض محكومة اليوم بقوانين ودساتير، ولدى حكوماتها نظام قضائي عتيد.. لكن المجتمعات التي ليس لها من المدنية سوى القشور، مصابة بداء ( الازدواج القانوني) حيث أن لديها بجوار كل قانون مكتوب قانوناً غير مكتوب .. وهذا الأخير هو الوجه والقانون المكتوب هو القناع والحق دائماً مع من يدفع أكثر أو يُخيف أكثر.[10]
إن التنظيم القانوني والردع والجزاء عليه يعتبر من الضرورات لحماية المجتمع من تمرد أو تهاون بعض أفراده ؛ لكن العقوبات في قوانين التحضر لا تنشئ مجتمعاً أبدا ولكنها قد تحميه , والناظر في آيات الحدود والعقوبات يجد أنها لا تشكل خمس آيات القرآن الكريم , أما الباقي فهو يستهدف بناء الإنسان من الداخل بتنمية وعيه بمراقبة ذاته وتقويم سلوكه . 
 
4-  المناخ الذي يصنع فيه الوعي الوطني يتطلب استعداداً حقيقاً من كل الفئات العرقية والطبقات الاجتماعية وأصحاب الأفكار والثقافات للتنازل عن جزء من خصوصياتهم الفكرية والاجتماعية ؛لصالح الإطار الوطني العام الذي يراد للجميع الاندماج فيه . وهذا الإحساس بالآخرين والتضحية من أجلهم أهم درجات الرقي في الحياة المدنية ..والمتأمل في الأثر الإسلامي  الذي مرّ على الجزيرة العربية المتصارعة على النفوذ والمتقاتلة على أتفه الأسباب ليجد أن الإسلام جمع شتاتهم ودمجهم  على اختلافهم وتباينهم في فترة يسيرة وفي هوية حضارية واحدة ينتمي لها طيف واسع من البشر.
ولا بأس أن نتعلم من الحشرات شيئاً من التضحية والتفاني من أجل الآخرين ؛ فمثلاً وظيفة الملكة في مجتمع النحل وضع البيض ومصدر غذائها هو ما تفرزه لها النحلات العاملات من غدد خاصة في رأسها ! وللجماعة الواحدة ملكة واحدة ، فيه لا تشكو من مشكلة انقسام القيادات !.. إما النحلات العاملات فهن عُمُد الخلية ، وهن يقمن بمعظم العمل فعلى الرغم من كونهن (عاقرات) إلا أنهم يتولين تربية الصغار وإطعامهن  وتنظيف المستعمرة وتهويتها.. إن الجهود الهائلة التي يبذلنها تجعل أجسامهن لا تقوى على الاستمرار في الحياة، ولذا فإن متوسط عمر الواحدة منهن قرابة ستة أسابيع فقط والذكور مع أنها تموت بعد عملية التلقيح مباشرة ، إلا أنها تقدم عليه، وكأنها تفدي النوع بحياتها.
إن شعار النحل المرفوع دائماً : لا قيم لحياتي عند تعرض سلامة الجماعة للخطر وهذا هو شعار الشهداء في أمة الإسلام.[11]

5-  من أهم مقومات الوعي الوطني الحضاري تفعيل دور المؤسسات التربوية  والتعليمية والإعلامية في رفع مستوى الوعي لدى الإفراد والمجتمع.
إن التخطيط الهادف الواعي المتكامل لصياغة شخصية الفرد وبناء الوعي الحضاري لديه هو ما يجب أن تقوم به مؤسساتنا  التعليمية والتربوية في كل مراحلها التعليمية فالمدارس والجامعات والأسر والمناهج الدراسية والمعلمون والخطباء وأئمة  المساجد .. كل أولئك يجب أن يسهموا في هذا المشروع العظيم. ويتكاتفوا في تحقيقه تحت شعار: " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " كما أن الإعلام يعتبر في العصر الحاضر من أهم وأخطر الوسائل في تقدم الأمم أو تخلفها وما لم يحمل مبادئ وقيم حضارية رائدة يترفع فيها عن الابتذال والإثارة ومحاكاة الغير بعمى وقلة بصيرة وإلا فإنه وسيلة هدم سريع مهما كان البناء عتيداً والبناة كثُر.
 
   اكتفى بهذا الإشارات السريعة والعرض الموجز للمقومات الحضارية لتعميق الوعي الوطني لدى الأفراد ومؤسسات المجتمع و إلا فهي أكثر من أن تغطى في هذه العجالة .. واعتقد أن الأهم من ذلك يكمن في قناعة الفرد بوجوب المبادرة للعمل المنتج والانسياب في خطط المجتمع التنموية . ولعل ما يثور في الذهن والنفس من تساؤلات وإشكاليات هي في حد ذاتها وسيلة لإيقاظ الوعي لعلها أن ترشد إلى البناء وتشعل قناديل النهضة والتقدم في أنفسنا ومجتمعنا.

-------------------------
[1] - شروط النهضة لمالك بن نبي ص 47 .
[2] - سورة الملك 2
[3] - سورة الذاريات 56
[4] - سورة البقرة 143
[5] - سورة الشورى52
[6] - مجمع الزوائد للهيثمي 8/291
[7] - مقدمة ابن خلدون 1/160
[8] -شروط النهضة لمالك بن نبي ص56 .
[9] - رواه البخاري(3965).
[10] - انظر: تجديد الوعي ص 128
[11] - النظر : مدخل الى التنمية المتكاملة . رؤية اسلامية للدكتور بكار ص 293-294 .
 

مسفر القحطاني
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • بريد الكاتب
  • الصفحة الرئيسية