اطبع هذه الصفحة


التصنيف وهزالية التفكير

مبارك عامر بقنه

 
مما يدمي القلب أن تجد بعض المشتغلين في الساحة الدعوية جل همه، وكبر شغله هي قضايا التصنيف ( هذا سلفي ، وذاك إخواني ... إلى آخر القائمة) ونتج عن هذا أن حصرت قضايا الأمة في القيمة الشخصية. وهذه دلالة واضحة لضيق الأفق ، وقصر النظر. وغالب من هذا حاله أنه لا يقدم فكراً أو طرحاً بناءاً يساهم في تقديم حلول لمشاكل الأمة المتنوعة؛ بل ـ مع الأسف ـ أصبح المشتغل بهذه القضية يشكل مشكلة تربوية ودعوية.

فهؤلاء المشتغلون بقضية التصنيف يندر أن يتطرقوا لقضايا الأمة ومشاكلها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية ... إذ لا تشكل لديهم كبير مساحة في الفكر والاهتمام ، فمن الندرة أن يكون هناك حديث عن قضايا الشباب وكيفية التعامل معهم . ويصعب أن تجد حديثاً عن التربية وبناء الفرد والأمة ، أو طرحاً جاداً لكيفية فهم الأحداث العالمية ، وأثر هذه الأحداث على واقع أمتنا. فضلاً عن تناول قضايا أخرى كثيرة مهمة تحتاج إلى معالجات : فصراع الجماعات الإسلامية ، وتفكك العالم الإسلامي ، وتغريب الأمة ، والعلمانية ، والرافضة .... الخ مغيبة أو محذوفة من قاموسهم الفكري.

ومن المحزن حقاً أن يكون همنا الأكبر هو تصنيف الأشخاص ، فهي سلبية إذا زادت عن الحد المعقول ، فإذا كان القصد من التصنيف هو تحذير الأمة وتبيين مواطن الزلل لدى الشخص أو الجماعات ، فأقول لهؤلاء المصنفين : قد بينتم وحذرتم ، وقلتم كل ما يمكن أن يقال ، فقد سمع القاصي والداني مقولاتكم ، فجزاكم الله خيرا فقد حفظنا ووعينا ما قلتم. فلنتجه بحديثنا إلى زاوية أخرى بناءة ، أم يظل حديثنا أبد الدهر عن هذا الشخص وهذه الجماعة ؟ فهذا في نظر العقلاء : سطحية وهزالية فكرية .

لقد تكلم ابن حجر عن الرجال وصنف ولكنه قدم مع التصنيف الفتح ، فلنقدم لهذه الأمة فتوحات لمشاكلها وقضاياها الخطيرة لنخرجها من المحن والفتن التي تعيش فيها

وهؤلاء المتناولون لقضية التصنيف، تجدهم في غالب أمرهم بعيدين عن آداب التصنيف، فهم يفتقدون مثلا لبعض الآداب الآتية:


الورع والخوف فلا يتورع في إطلاق الألفاظ النابئة والمستهجنة كل ذلك من أجل إسقاط هذا الشخص في عيون الناس؛ بل إنه يذكر الشخص أو الجماعة في كل لحظة وحين وإن لم يناسب المقال والحال، وهذا خلاف الأدب والذي لا ينبغي ذكر حال الشخص أو الجماعة إلا لمصلحة شرعية . إننا بحاجة لمعرفة كيف كان السلف يصنفون الناس، فيكاد يكون منهجهم في التصنيف غائب في هذا العصر.

التثبت في حديث أو مقال المصنف، فهو يعتمد على أقوال الناس ونقولاتهم. فغالب حال هذا المصنف هو النقل عن شيخه، وقلما تجد شخص يهتم بقضايا التصنيف أن رجع إلى سيرة وكتب من أراد أن يصنفه. والحقيقة أن التساهل في القدح في عقائد الناس ومناهجهم من غير تكليف النفس بقراءة متأنية لكتبهم ومقالاتهم هو من التساهل الديني والذي أخشى أن يدخل فيه الشخص دائرة الفسق من غير ما يشعر.

لا يصنف وفق دليل شرعي ؛ بل يصنف وفق هواه وميولاته الشخصية، ويجهل أن قضية التصنيف هي من باب الاجتهاد ، ومسائل الاجتهاد تتعدد فيها وجهة النظر ، فمن الصعوبة بمكان توحيد الرأي فيها ، فالاختلاف أمر حتمي ، ولهذا ينبغي احترام وجهة النظر الأخرى مادامت لا تخالف نصاً شرعياً.

لا يقدم حسن الظن في عملية التصنيف والحكم على الأشخاص ، ومن المؤسف حقاً أن هذا المفهوم ـ تقديم حسن الظن ـ غائب في حديثنا ، مما تولد عنه تنافر وتخاصم وتمزيق لصف الأمة في وقت أحوج ما تكون فيه الأمة لتوحيد صفها ، وهذه إحدى هزالية التفكير لدى بعضنا.

وفي ختام حديثي أقول : لنتجاوز الأشخاص ونتعامل مع الأحداث ، ليكن لدينا ميزان عدل لتناول القضايا ومعرفة قدرها وحجمها ، فلا نضخم القضايا الهامشية ، أو نحصر كل أو جل كتابتنا وأحاديثنا عن التصنيف ، فلنعطي ولنقدم لأنفسنا ولأمتنا عطاءا متكاملاً غير مبستر أو مختزل. فالأمة في حاجة ملحة لمواجهة التحدي الخارجي، والذي يهدف لمسخ عقيدة الأمة وسلبها دينها، والأمة بحاجة ملحة لمواجهة الدعوات الضالة والتي تهدف لتغريب الأمة وجعلها تعيش منعزلة عن دينها.إنها أزمة فقه الأولويات التي يعيشها كثير منا .


للتواصل: Mubarak200@hotmail.com

 

مبارك عامر بقنه

  • مقالات شرعية
  • مقالات تربوية
  • مقالات فكرية
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية