اطبع هذه الصفحة


ففي أي هذا أستأمر أبوي ؟!

مصلح بن زويد العتيبي
@alzarige

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


الحمدلله الذي أذهب عن أهل البيت الرجس وطهرهم تطهيرا ؛ والصلاة والسلام على القائل :( وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ).
أما بعد
فالحمدلله الذي شرفني بالكتابة عن أم المؤمنين عائشة ؛ ولا ألام حين أكتب عنها ولا أبلغ فضلها وعظيم قدرها مهما كتبت رضي الله عنها وعن أمهات المؤمنين جميعا
استوقفني حديث تخيير النبي صلى الله عليه لأزواجه وأبكاني حسن جواب عائشة رضي الله عنها .
فقلت : أي عقل تحمل هذه الصديقة وأي حكمة تنطق بها وبأي قريحة وبديهة تتحدث .
سألت نفسي كم عمرها عندما أجابت بهذا الجواب ؟
فزلزل كياني وهز وجداني أنها لم تكن تجاوزت السادسة عشر من عمرها !
فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرته: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك"، وقد عَلمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت: ثم قال: "وإن الله قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك} إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة .
قالت: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت. رواه البخاري وأحمد
قال في فتح الباري (٥٢٢/٨) : (فإن التخيير كان في سنة تسع ).
ولا يخفى عمر عائشة عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع سنين، ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمانِ عشرةَ ) .
ومن المعلوم أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في السنة الحادية عشر من الهجرة .
قلت :فيكون عمر عائشة عند التخيير ست عشرة سنة .
تأمل حب النبي صلى الله عليه وسلم لها وإرشاده لها بأن تستأمر أبويها !
لكنها مسألة محسومة عند الصديقة بنت الصديق ؛ مسألة ليس فيها أنصاف حلول
ولا تستدعي تردد ولا تريد فيها استشارة أحد مهما كان ناصحاً ...
فكان جوابها كالغيث العميم والبدر المنير
كان جوابها جواب من لا يبيع الغالي بالرخيص ولا الباقي بالفاني .
أجابت :ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة .
لا إله إلا الله ؛ كلمات بنت السادسة عشر يعجز عنها أعقل النساء فقد جمعت بين حسن الاختيار وجزالة الرد وسرعة الجواب
فلا غرابة ففضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام .
ولا عجب من حب صلى الله عليه وسلم لها فقد أحب نفسا زكية وروحا طاهرة وعقلا راجحا وزيادة على هذا فهي بنت الصديق.
أمنا عائشة تعطينا دروس في أن الله ورسوله والدار الآخرة لا يُعدل بها شي حتى لو مر أحدنا باختبار لا يخطئ فيماذا يختار .
فلماذا يتطاول البعض على جناب عائشة وقد اختارت الله ورسوله والدار الآخرة ؟ وهم يقدمون أقل القليل من الدنيا على الآخرة .
ومن المؤسف أن يتحدث من لا علم عنده ولا خلاق له عن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة مع الفارق الكبير بينهما في السن .
وهم لا ينكرون أن نضج المرأة العقلي هو أكبر سبب لسعادة الرجل العاقل بها .
فهل في رجاحة عقل عائشة شك ؟!
بل هل في فضلها ودينها وعلمها ريبة ؟!
كم في هذا الحديث من دروس وفوائد يعجز عند عدها العادون ؛ ولعلي أختم بفائدة تربوية مختصرة : ارحموا أولادكم من تصغيرهم واعتبارهم صغارا وعدم تمكينهم من الاختيار الحر وقارنوا بين سن أم المؤمنين عائشة وهي تختار بدون مشورة ولا تردد وبين أعمار أولادنا ولا شك في اختلاف موضوع الاختيار ؛ فشتان بين ما تختار فيه عائشة وبين ما يختار فيه أولادنا بل شتان بينها وبيننا فكرا وعقلا واختيارا .
والسلام عليكم .


مصلح بن زويد العتيبي
٢
0/رجب /١٤٣٥هـ .




 

مصلح العتيبي
  • مقالات تربوية
  • كتب وأبحاث
  • قواعد التطوير والسعادة
  • الصفحة الرئيسية