اطبع هذه الصفحة


شذرات من التاريخ
الحلقة الاولى : قصة الاراشي

مثنى علوان الزيدي


هذه الكلمات اسطرها الان وتحديدا لجيل المستقبل ،لشباب الغد ،اذكرهم عبرها بتاريخهم، وتاريخ ابائهم واجدادهم ، حيث انهم يستطيعون من خلاله ان يجدوا فيه سلوة ، ويعثروا في طياته على مواطن الاصلاح والرفعة والنهضة، من جديد وهذا من خلال الوقوف عند عبر التاريخ وعضاته وفوائده.
وهذ هو السر الحقيقي في العمل الدؤوب لاعداء المسلمين في اخفاء حقائق التاريخ وصرف نظر الجيل الجديد عنه ، يعينهم في ذلك بعض المنتسبين الى الاسلام زورا وبهتانا،بل تجدهم للاسف اخطر وافتك .
ففي هذه السلسلة سنقف عند شذرات مهمة ،ناخذ منها الفائدة والعبرة التي نستطيع من خلالها ان ننهض بجيل المستقبل يحمل بعض صفات اجيال التاريخ ، او يحمل عبرة منهم.
وسنقف في هذه السلسلة ايضا عند غرائب التاريخ مما قل سماعه واندرس بين الناس ذكره، وذلك لان ما اشتهر قد يتكرر ، وانه كذلك لايعيي البحث فيه ولا النظر ، والوقوف لا من اجل غربتها وانما اعادة تكوين الشخصية الجديدة على معانيها.
نقف في هذه الحلقة الاولى عند قصة ذكرها الامام ابن كثير في البداية والنهاية وتسمى بقصة الاراشي .
والاراشي رجل من اراش وهي بطن من بطون خثعم في الجزيرة العربية ،قدم هذا الرجل من إراش بإبل له الى مكة فاشتراها منه أبو جهل بن هشام فمطله باثمانها ( اي لم يعطه حقه ) فاقبل الاراشي حتى وقف على نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه و سلم جالس في ناحية المسجد فقال يا معشر قريش من رجل يعديني على أبي الحكم بن هشام فاني غريب وابن سبيل وقد غلبني على حقي فقال أهل المجلس ترى ذلك يهزون به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم اذهب إليه فهو يعديك عليه، فاقبل الاراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له فقام معه فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال من هذا قال محمد فاخرج فخرج إليه وما في وجهه قطرة دم وقد انتقع لونه فقال أعط هذا الرجل حقه قال لا تبرح حتى أعطيه الذي له قال فدخل فخرج اليه بحقه فدفعه اليه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال للاراشي الحق لشأنك فاقبل الاراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خيرا فقد أخذت الذي لي وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا ويحك ماذا رأيت قال عجبا من العجب والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه فقال اعط هذا الرجل حقه فقال نعم لا تبرح حتى أخرج اليه حقه فدخل فاخرج اليه حقه فأعطاه ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له ويلك مالك فوالله ما رأينا مثل ما صنعت فقال ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته فملئت رعبا ثم خرجت اليه وإن فوق رأسه لفحلا من الابل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط فوالله لو أبيت لاكلني.
وبما اننا نقبل اقبالا كبيرا على قراءة المجلات والجرائد ونجلس الساعات امام الانترنت في المنتديات وغيرها ،حري بنا الان ان نعود ، الى التاريخ قليلا، فالامم متى ما تناست تاريخها ، فقد ضاعت.

لننظر الى هذه القصة القصيرة ، كم فيها من عبر عظيمة نحتاجها اليوم ، ونحن نرى حقيقة الجيل الحالي وما يحاك ضده ، وما يحوك لنفسه.

اولا: الانطباع العام: في هذه القصة فائدة الانطباع العام ، لماذا اشار القوم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يغيث المظلوم الذي اكل حقه ؟ ببساطة ، اقول: انه الانطباع العام الماخوذ على رسول الله في انه يحمل صفات الخير ومنها: العدل ، والشخصية، القوة ، المكانة الاجتماعية، وغيرها ، ولولا هذا الانطباع لما اشاروا (كلهم ) الى رجل بعيد ليس ممن يجلس معهم فيفتخروا به ، لانهم لايملكون ما يملك.
فما هو الانطباع المتحكم في عقول الناس عنك؟ ايها الشاب ؟ بماذا توصف ؟ وماذا يقول الناس عنك ، سواء وانت بين اظهرهم او بعد غيابك بسفر او موت او انقطاع؟ هل الانطباع عنك انك تقي نقي قوي عادل ....الخ ؟ ام انك خبيث لئيم حقير ظالم متكبر جبان.....الخ ؟ اسال نفسك ، فمن هم الشباب الذين ترتجى نهضة المسلمين منهم اهم الفريق الاول ام الثاني .......اسأل نفسك؟ ثم اسال نفسك مرة اخرى .....هل لك في رسول الله اسوة حسنة؟
ولربما مجيب يقول اني ولله الحمد من الصنف الثاني ، صنف النهضة، فاقول لك هنيئا لك ، وانت على الخير....وامامك المشوار، مشوار النهضة.
ولربما مجيب ثان يقول انني من الصنف الثاني واريد ان اكون من صنف النهضة ....ماذا افعل؟ نقول لك الامر بسيط جوابك في النقطة الثانية.

ثانيا: بيت الله تعالى: صنف النهضة لا يخرج من المجالس العشائرية ، والنوادي الشبابية ،والملاهي الليلية ، صنف النهضة يخرج من المسجد، سواء نهضة فرد او نهضة امة او نهضة بلد.
هل رايتم عندما اشار الشباب الذين كانوا يجلسون في ناديهم الى رسول الله اين كان يجلس ؟ كان في المسجد ....بل في زاوية المسجد ، في علاقة مع الله ، القوي القادر، فعندها كان الله معه ، وبالتالي من كان الله معه فمن عليه؟ معادلة طبيعية .
فابدا اخي الحبيب من المسجد ،واذهب صوبه ،وارسل ابنائك اليه ليكونوا مع التقوى والعلم من جيل النهضة، ثم ستكون صاحب الهيبة والعز ستكون ما سياتيك في النقطة الثالثة .

ثالثا: هيبة الحق ، هيبة النبي ، هيبة ابن المسجد، هيبة جيل النهضة ، نعم هذه نتيجة طبيعية لاهل المسجد، من تعلقوا بالله تعالى ، وكانوا معه فكان معهم ( ان الله مع الذين اتقوا ......) اليس كذلك؟ ثم ستستخدم لاصلاح الاخرين والنهوض بهم وسيلة عملية فريدة من نوعها وهي ما سياتي في النقطة الرابعة .

رابعا: الصدق من شيم الرجال، نعم الرجال... ايا كانوا حتى لو كانوا لا يحملون التقوى يجب ان يتعاملوا بصدق معك ،او على الاقل ان تتعامل معهم بذلك، لو صدق العدو لوضح الطريق ، والصديق ، لو صدقوا كما صدق ابو جهل لعلموا حقيقة دعوتنا وديننا ، كما عرف اهل النادي حقيقة النبي يوم ان قص عليهم مجيئه لداره وهيبته صلى الله عليه وسلم.
ولهذا اوصى نبينا وحبيبنا عليه الصلاة والسلام بذلك فقال : ( ان الصدق يهدي الى البر ) ربما يهدي الاخرين الى البر حتى لو لم يهد صاحبه نفسه ، وربما يهدي المقابل الى البر ايا كان مشربه المهم ان الصدق سيلحقه البر اما لجميع الاطراف واما لطرف دون اخر . فالى العبر يا جيل النهضة ، من هذه الشذرات.


نشر في موقع مجلة حنين- الجزائر
 

مثنى علوان الزيدي
  • مقالات
  • الفقه الميسر
  • صوتيات
  • كتب
  • تراجم
  • لقاءات
  • خطب
  • محاضرات
  • الصفحة الرئيسية