اطبع هذه الصفحة


متى نَغْزوا ولا نُغْزى ؟

مثنى الزيدي


 بسم الله الرحمن الرحيم


سؤال يبدو وكأنه محرج ...او كأنَّ قائله هو المحرج ... او ربما جوابه هو الذي يحرج...
لا يهم ذاك او هذا ، المهم ايا كان المحرج في ذلك، ينتظر الناس جوابا - وخصوصا من يقرأ لهذا الموقع ، (الحملة العالمية لمقاومة العدوان) ، المرموز له برمز (قاوم) - هل سنبقى نقاوم؟ ام سيأتي يوم لانقاوم فيه لاننا منتصرون على اعدائنا ولا اعتداءات علينا؟.

ولربما هتف اثناء ذلك داعية او شيخ او شخص فقال ، يا كاتبنا اما سمعت بأن الجهاد ماض الى يوم القيامة ؟ اما سمعت الاحاديث التي تكلمت عن ابدية الجهاد؟ واستمراريته؟ اما قرأت كتاب الدكتور عبد الله الاهدل وهو يكتب عن الجهاد ودوامه ؟ فاقول له يا اخي قرات كل الاحاديث ولكن قرائتي لها مختلفة ، انني اتكلم عن المقاومة والاحاديث تتكلم عن الجهاد والقتال ، وحتى الايات الكريمة بين جاهد وقاوم ، فلم يقل حديث واحد تقاومون ، كما نسمي موقعنا على سبيل المثال.

نعم...بعد ان ننتصر ، سنقوم بطلب الى ادارة الموقع ان يغيروا اسمه الى موقع (جاهد) وسيكون الحملة العالمية لمجاهدة العدوان ، اما اليوم فنحن نقاوم ، ومكتوب في الموقع (قاوم لتكون) وكنا نتمنى النصر، ليغير بعدها الى (جاهد لتكون) ، لماذا؟ لان المقاومة ستؤدي الى سبيلين لا ثالث لهما اما النصر واما الشهادة ، والنصر لا يجعلك (تكون) مباشرة ، اذ تستطيع ان تكون بعد النصر ، الذي ستأتي بعده راحتك وتفرغك من القتال ،ثم بعد هذين الامرين تخطط ، وتحصل نتيجة نهائية ، هي التحصيل الحاصل، هي ان (تكون) فالى متى نقاوم ؟ ومتى ننتصر ، لنعمل على ان نكون ، كما حدث بعد مقاومة صلح الحديبية ، فبعد ان قاومهم النبي في صلح الحديبية ، ورضي اثناء مفاوضته ومقاومته بما لم يرض به الصحابة من تنازلات ، كان رأي النبي صلى الله عليه وسلم هو الاصوب ، لانه يريد ان (يتفرغ) ثم (يستعد) ثم (يكون)، وقد فعل فكان عليه الصلاة والسلام وكانوا رضي الله عنهم.

فمتى سننتصر ، متى نفرغ من المقاومة ، الى التفرغ للجهاد؟ متى نتحول من الدفاع ، الى الهجوم ؟ مع علمي جيدا ان البعض سيقول ان المقاومة هي نوع من انواع الجهاد ، فاجيب عليه ، نعم ، لكنه في مرتبة اخرى ، ولا يصل ابدا للمرتبة الحاملة للرقم واحد.

وهنا اتذكر ذلك الكتاب، القران الكريم، الصالح لكل زمان ومكان، وفيه جواب من سأل ، وتوضيح ما اختفى ، نعم انه القرآن ،انه كلام الله تعالى ،وقد حلقت اية منه امام مخيلتي يقول الملك فيها : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)} [النور : 55]
اذا هناك تأييد لكلامي من الآية او بالاصح كلامي يؤيد الآية ، فقد وعدت بالاستخلاف في الارض ، والتمكين ، ولم تكتف بهذين الوعدين ، بل تعدت الى ابعد من هذا ، كلمة لم نركز عليها جيدا وهي (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ) ، اذا هناك تفرغ وراحة واطمئنان .

فكيف تقول الاية أمنا ، والاحاديث تقول الى قيام الساعة ؟ كيف ؟ هل هذا تناقض بين القران والسنة ؟ كلا ، ان الأمن مع الجهاد والقتال حاصل ، ولا امان مع المقاومة ، ان الامن مع الهجوم ، والامن لمن هاجم ولمن هُجِمَ عليه حتى لو بقي الى قيام الساعة ، ولكن لا امن مع الدفاع فقط ، والصد فقط ، فحارس المرمى يأمن اذا كانت الكرة عند هجوم فريقه ، فيكون بامان واطمئنان ، اما اذا توالت الهجمات عليه وفريقه يدافعون فقط فانه اخوف ما يكون ، وسيكون الامان له حلما، على الاقل ليتنفس .
فالعمل على الانتصار في المقاومة واجب ، لانه مما بعده ياتي الواجب الاعظم.

ولهذا النصر سبل لتحقيق ما وعدت به الاية الالهية القرانية ، وهذه السبل اليوم بيد قادة المقاومة اولا ، ثم المسؤوليات على الاخرين تتدرج بنسب قليلة متفاوتة ، فهل وعى القادة هذا ، هل عملوا للتحول من هذا الدفاع ؟ علما ان الوعد في النصر لفريقين فقط لا ثالث لهما وهما :
اولا : الذين امنوا منكم .
ثانيا: عملوا الصالحات.
فهذان شرطان للنصر ، وكا ذكرنا ان العمل على النصر للخروج من الدفاع الى الهجوم ، واجب اليوم على من بيده زمام الجهاد ، ولتسئلن عما كنتم تعملون ، وقد قبلتم بالقيادة ، وتحملتم الراية ، فعليكم الوفاء ، وهو فرض ، فالخروج الى من نغزوهم لنشر الخير لهم ، والانتهاء ممن يغزونا فرض ثم فرض ،ويكفي فرحا بالدفاع ، وهو الطارئ في الشريعة الاسلامية اصلا، قبل ان يصبح اليوم هو كل شيء ، بل هو كل الذي نقوم به ، وفوقها (لنكــــــــون).

والاسباب التي تحقق هذه الشروط ذكرت في القران الكريم في ايات اخر ، والايات التي تكلمت عن الاسباب كثيرة جدا ، فارجوكم ان لاتخلطوا بين الاسباب ( وهي الطرق العملية التي ان وجدت منها نسب معينة كفَّت ) وبين الشروط (وهي الاسس التي يجب ان تكون تامة تامة) .

وان وقفنا عند الشروط وعرفناها بقي ان نعلم ان الاسباب هي :
اولا: اسباب مادية .
ثانيا: اسباب معنوية.
واذا فقد سبب من هذين السببين فان العيار سيكون مختلا وفاقدا للشرعية .

وان الاسباب المادية ان صعب تحقيقها اليوم وليس امرها بيد الشعوب كما يدعي البعض ، فان عدم تطبيق الاسباب المعنوية هي ام الداء ومكمن البلاء والسبب الرئيس في تكالب الاعداء ، والعجبيب من تدبير الله ان هذا الامر بيد الشعوب ، لابيد القادة ( قادة البلدان ) فيا له من اختبار ، ويا لعظم الامتحان ،والله المستعان.
نعم ... انني لا اريد ان ابكي الآن على فقداننا السبب المعنوي ، لكن الامر مبكي ، وخصوصا اذا رأيت بعينك ، وكما تعلمون اني عراقي ورأيت ، وازيد لكم ان بكائي مرة اخرى هو لانني ربما لا استطيع حتى ذكر ما رأيت من تقصيرنا بحق هذا السبب (المعنوي) .

فاين الربانية في صفوف الشباب الحاملين لهذا الشرف ؟ واين إعدادهم ؟ وتأهيلهم ؟ هذا هو الفرض الاول لاقامة الربانية ، ياابطال الامة وقادتها ، يقول الشيخ الصلابي في كتابه فقه النصر والتمكين : (هذه المنهجية التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعداد الأفراد إعدادا ربانيا على زعماء وقادة الحركات الإسلامية أن يسيروا على نفس المنهج الذي سار عليه رسول الله, والذي في حقيقته تفسير للقرآن الكريم )أ.هـ.

ثم قبل هذا ان نبدأ بالقيادة الربانية ، لا القيادة النفعية (البراغماتية ) والعياذ بالله ، فهؤلاء هم الذين شوهوا الآخرين وأخروا انتصار الصادقين المخلصين ، واخراجهم من الصف اولى وافضل والله .

نقل الصلابي ايضا وهو مختص بفقه النصر والتمكين كلمات مهمة بعد قوله : (إن من أخطر عوائق التمكين غياب القيادة الربانية, وذلك أن قادة الأمة هم عصب حياتها، وبمنزلة الرأس من جسدها، فإذا صلح القادة صلحت الأمة, وإذا فسد القادة صار هذا الفساد إلى الأمة، ولقد فطن أعداء الإسلام لأهمية القيادة في حياة الأمة الإسلامية، ولذلك حرصوا كل الحرص على ألا يمكنوا القيادات الربانية من امتلاك نواصي الأمور وأزمة الحكم في الأمة الإسلامية, ففي خطة لويس التاسع أوصى بـ «عدم تمكين البلاد الإسلامية والعربية من أن يقوم بها حاكم صالح» كما أوصى بـ «العمل على إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة والفساد والنساء، حتى تنفصل القاعدة عن القمة».

وصرح المستشرق البريطاني «مونتجومري وات» في جريدة التايمز اللندنية قائلا: «إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى» ، وقال المستشرق الصهيوني: «برنارد لويس» تحت عنوان: «عودة الإسلام» في دراسة نشرها عام 1976م: «... إن غياب القيادة العصرية المثقفة؛ القيادة التي تخدم الإسلام بما يقتضيه العصر من علم وتنظيم، إن غياب هذه القيادة قد قيدت حركة الإسلام كقوة منتصرة، ومنع غياب هذه القيادات الحركات الإسلامية من أن تكون منافسا خطيرا على السلطة في العالم الإسلامي, لكن هذه الحركات يمكن أن تتحول إلى قوى سياسية هائلة إذا تهيأ لهذا النوع من القيادة» ).

الربانية ايها القادة ، هل منعوكم الحكام من ان تكونوا ربانيين ؟ ام منعتنا انفسنا؟ ام من ؟ فان كان من مانع فلنتعرف عليه لنجاهده ، فان اشد الجهاد جهاد الهوى.
يقول لك قائد يوصف بــ ( الرباني ) لا احب التصريح به واكتفي بهذا التلميح ،عندما تسأله لماذا توالي من يغضب الله ، من يفعل كذا وكذا ، ويرفع شعار الاسلام زورا وبهتانا وكذبا واتقاء، لماذا تواليه ؟ يقول لك ؟ المصلحة ؟ وغيره يوالي الاخر ليقول كذلك المصلحة ، وتاهت قضيانا بين المصلحتين، فاصبح الواحد منا كدجاج المصلحة. ( وهي الدجاجة المتصفة بالجبن ) .

فالى الربانية ( لنكــــون) ، لا نغلِّب المــــال ، ولا المنــــصب، ولا نغلــب العلاقات الشخصية او السياســـية ، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .
او ليس تناحر اهل الجهاد اليوم بسبب هذه ؟ ماذا حصل للافغان؟ وخصوصا بعد طرد السوفيت من بلادهم ،ما آل إليه الأمر ووصل هو تناحر الفصائل الأفغانية على الرياسات والمناصب ، مما جعلهم محل شماتة العدو ، وبعدها ضياع ثمرة الجهاد ، وسقوط البلاد مجدداً في أيدي التحالف الصليبي.
وبهذا التكامل نخرج من ضيق الدفاع الى سعة الهجوم ، فنجاهد (ليـــكون الكل على خير) ،لا ان نبقى ،ونبقى (نقاوم لنـكون او لربما لانكون ).
 

مثــــــنى الزيدي
7/رجب/1431هـ الســـــبت 19/6/2010م
muthnaalzaidy@gmail.com

 

مثنى علوان الزيدي
  • مقالات
  • الفقه الميسر
  • صوتيات
  • كتب
  • تراجم
  • لقاءات
  • خطب
  • محاضرات
  • الصفحة الرئيسية