اطبع هذه الصفحة


سياسة العلم فنٌّ حسنٌ

د. خالد بن عبد الله المزيني

 
هذا فنٌّ من أفانين العلمِ بديع، فما أجلَّ العالِم حينَ يتحلّى بحسن السياسةِ لما حفظه ووعاه، فيُقدِم حين يحسن الإقدام، ويحجم حين يستدعي المقامُ الإحجام ...
خصوصاً في هذا العصر الذي قلتُ فيه محرّفاً البيت الشهير:

وما نيل " الفتاوى " بالتمني *** ولكن تؤخذ " الفتوى " غلابا

وإنما الفقه فقه النفس والملكة، لا كثرة المروي وإن كانَ ضرورياً حسناً، فإن الرواية لونٌ، والفقه لونٌ آخر، إذ يكفي في الراوي العدالة وحسنُ الضبط، لأن المطلوب منه أن يؤدي على نحو ما يسمع، أما الفقه والدراية فهي الغاية. ولا بدَّ لطالب العلم من التمرُّس في هذا الفنّ ، فإنّ فئاماً من أجيال المتعلمين ، اجتهدوا ولغبوا في تحصيل العلوم ، ولم يبلغوا درجة التفقه في النصوص .

ولستُ أقصدُ بهذا أن يتقن استلال الفروع من الأصول ، فهذا مما لا يستغني عنه متفقه ، وهو سهلٌ قريبٌ ، وقد قال ابن تيمية " لا بد للمفتي أن يكون ممن يضع الحوادث على القواعد ، وينزلها عليها " اهـ [الاستقامة(1/11].
وإنما الذي عنيته أن يضيفَ إلى هذا مراعاة المقادير والنِّسب؛ بين المصالح والمفاسد، والأصول الكلية والقواعد الشرعية، فإن هذه الدرجة من أصعب ما يكون على المتفقهة، خصوصاً إذا عرَضت الأهواء الطامحة، والرغائب الجامحة، وما منّا إلا، ولكن يذهبه الله بحسن اللجأ إليه، والتضرُّع بين يديه، بأن يجعل هواه تبعاً لدينه، ثم يتحصَّن بحسن الصبر، فإن العجلة في إصدار الحكم مهلكة، فقد كانوا يراجعون قبل أن يتكلموا، ويشاورون قبل أن يحكموا ويفتوا، وقد قال ابن تيمية مرةً في جواب له : " وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندي من الكتب ما يستعان به على الجواب فان له موارد واسعة " الزهد والورع [1/192]
وحين يتوفَّرُ طالب العلم على هذه المنزلة المنيفة ، لا يضرُّه أن يأخذَ بأي قول ظهرت له صحته ، ولو خالفه أهل الأرض ، وربما كان الفقه أن يسكت عن التحديث والفتيا ، كما قال ابن تيمية أيضاً: " العالمُ تارةً يأمرُ ، وتارةً ينهي ، وتارةً يبيح ، وتارةً يسكتُ عن الأمر أو النهي أو الاباحة ، كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح ، أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح ، وعند التعارض يرجح الراجح كما تقدم بحسب الامكان ، فأما اذا كان [ الشخص ] المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن ، إما لجهله واما لظلمه ، ولا يمكن ازالة جهله وظلمه ، فربما كان الأصلح الكف والامساك عن أمره ونهيه ، كما قيل :( إن من المسائلِ مسائلُ جوابها السكوتُ ) كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء ، حتى علا الاسلام وظهر، فالعالم في البيان والبلاغ كذلك ، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء الى وقت التمكن ،كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام الى وقت تمكن ..."الخ..اهـ
ولا يخفى أن كتمان بعض العلم إذا ترتب على إظهاره مفسدة ، مخالفٌ لأصل البلاغ والبيان ، ولا يعدل عن الأصل إلا لمصلحة راجحة، وهو ما أشرت إليه من ( سياسة العلم ) المأمور بها .
وإلاّ فإن الأصل ما جاء في حديث عبادة بن الصامت وغيره : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقول بالحق حيث كنا , ولا نخاف في الله لومة لائم " الحديث بمعناه ..

قال ابن القيم : " ونحن نشهد بالله أنهم وفوا بهذه البيعة , وقالوا بالحق , وصدعوا به , ولم تأخذهم في الله لومة لائم , ولم يكتموا شيئا منه مخافة سوط ولا عصا ولا أمير ولا والٍ كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم ...
فقد أنكر أبو سعيد على مروان , وهو أمير على المدينة ....
وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية , وهو خليفة.....
وأنكر ابن عمر على الحجاج مع سطوته وبأسه ....
وأنكر على عمرو بن سعيد , وهو أمير على المدينة ....

وهذا كثير جدا من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل ،لم يخافوا سوطهم ولا عقوبتهم , ومن بعدهم لم تكن لهم هذه المنزلة , بل كانوا يتركون كثيرا من الحق خوفا من ولاة الظلم وأمراء الجور " اهـ من إعلام الموقعين .
وفي التنزيل الحكيم قوله تعالى " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا " الآية ، وقد استدل أبو محمد ابن حزم ـ رحمه الله ـ بهذه الاية على أنه " لا سر في الدين عند أحد " ، كما في مقدمة محلاّه .
وربما رأيت الرجل يشار إليه بالبنان ، يذهل عن سياسة العلم أحياناً ، ومما يناسب المقام ما ذكره الخطيب عن أبي بكر محمد بن داود [ ت297هـ]: وهو ابن داود بن علي شيخ الظاهرية ، وكان فقيها أديبا شاعرا ظريفا . فعن الخضري قال : ( كنت جالساً عند أبي بكر محمد بن داود ، فجاءته امرأةٌ فقالت له : ما تقول في رجلٍ له زوجةٌ ؛ لا هو ممسكها ولا هو مطلقها ؟ . فقال أبو بكر : اختلف أهل العلم في ذلك ، فقال قائلون : تؤمر بالصبر والاحتساب ، وتبعث على التطلب والاكتساب ، وقال قائلون : يؤمر بالانفاق ، وإلا حمل على الطلاق ، فلم تفهم المرأة قوله ، فأعادت مسألتها وقالت : رجلٌ له زوجةٌ ؛ لا هو ممسكها ، ولا مطلقها ، فقال لها : يا هذه قد أجبتك عن مسألتك ، وأرشدتك إلى طلبك ، ولستُ بسلطانٍ فأمضي ، ولا قاض فاقضي ، ولا زوج فأُرضي ، فانصرفت المرأة ولم تفهم جوابه ) !
قلت : سبحانَ الله ، ألم يكن الأولى بهذا الفقيه الحافظ ـ رحمه الله ـ ، أن يجيبها بما تفهم ، ويختزل عليها خلافاً فروعياً ، لا تحتاجه ، ولا تفهمه !
قلتُ : ومن أحسن الناس سياسةً للعلم بعد الأنبياء ، الرعيلُ الأول من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وورثتهم على ذلك ، فإن بني إسرائيلَ كانت ( تسوسهم ) الأنبياء ، وهؤلاء ورثتهم من بعدُ .

ومن أمثلة حسن السياسة ، ما ذكر في السيَر ، عن أبي بكر الهذلي أن يزيدَ بن المهلّب قال: ( أدعوكم إلى سنةِ عمر بن عبد العزيز ) ، فخطب الحسن البصري وقال: ( اللهم اصرع يزيد بن المهلب صرعةً تجعله نكالاً ، يا عجباً لفاسقٍ غيَّر برهةً من دهره ، ينتهك المحارم ، يأكل معهم ما أكلوا ، ويقتل من قتلوا ، حتى إذا منع شيئا قال : " إني غضبان فاغضبوا ، فنصبَ قصباً ، عليها خرقٌ فاتبعه رِجْرِجَةٌ ورَعَاعٌ ، يقول : أطلب بسنة عمر ، إن من سنة عمر؛ أن توضع رجلاه في القيد ، ثم يوضع حيث وضعه عمر )
قال الذهبي : ( قتل عن تسع وأربعين سنة ، ولقد قاتل قتالا عظيماً ، وتفللت جموعه فما زال يحمل بنفسه في الألوف لا لجهاد ، بل شجاعة وحمية ، حتى ذاق حمامه ، نعوذ بالله من هذه القتلة الجاهلية ) ( السير 4/506)
قلتُ : جاء في اللسان : الرِّجْرِجَةُ بالكسر ، بقية الماء في الحوض الكدرة ، المختلطة بالطين ، وفي حديث ابن مسعود ( لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس كرجرجة الماء الخبيث ) الرجرجة بكسر الراءين ، بقية الماء الكدر في الحوض المختلطة بالطين ولا ينتفع بها . اهـ (لسان العرب / مادة رجرج )
 

خالد بن عبد الله المزيني
5 ربيع الثاني 1424

 

د. خالد المزيني
  • خواطر وتأملات في إصلاح البيوت
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية