اطبع هذه الصفحة


صيغة عقد السلم في العصر الحاضر
إحياء صيغة بيع السلم من نجاحات المصرفية الإسلامية

د. خالد بن عبد الله المزيني

 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه محمد بن عبد الله وآله وصحبه، وبعد:
ففي البدء يجب القول بأن اعتماد صيغة السلم بوضعها الحالي يعد نجاحاً حققته المصرفية الإسلامية، فقد كان التجار قبل إحياء هذه الصيغة في نسختها المصرفية المعاصرة يصعب عليهم العثور على ممول لمشروعاتهم مما كان يلجئهم إلى البنوك التقليدية، التي كانت تستبد بهم فتفرض الفوائد الظالمة التي لم تكن تخلو منها جميع عملياتها التمويلية، فجاءت صيغة عقد السلم لتكون من الصيغ الفعالة التي حلت ـ جزئياً ـ محل التمويل الربوي، بالإضافة إلى عقود أخرى مسماة في الشريعة كالإجارة، الاستصناع، المشاركة، المضاربة، المرابحة..
ومما يشكر لهذه الصيغة أنها ليست صيغة تمويل محضة، بل لها مع ذلك جانب استثماري، فمحل التعاقد سلعة من السلع التي يمكن وصفها ــ غالباً ــ بالاستراتيجية، كالأقوات والأدوات الصناعية، بل حتى توفير المساكن والعقارات، وهذا الأمر مهم بالنسبة للمصرفية الإسلامية، التي يجب أن تتوخى مقاصد الشريعة في تقديم الاستثمار على الإقراض المجرد، لهذا يمكن أن نعد صيغة السلم تمويلاً استثمارياً، إذ هو في حقيقته بيع لا إقراض، لكنه بيع آجل بعاجل.
ومع هذا فلا يسوغ أن نهمل الانتقادات التي وجهت إلى هذه الصيغة، على الصعيد التطبيقي، وهي انتقادات لا تتوجه إلى عقد السلم في أصل مشروعيته، فالفقهاء مجمعون على جوازه، والخلاف الذي حكي فيه شاذ، وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يسلفون في الثمر السنة والسنتين )، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم )، وهذا الحديث ظاهر في تأصيل إباحة السلم، فقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى أهل المدينة ووجد هذه المعاملة فاشية بينهم، ولو كان هذا الفشو غير محبذ شرعاً لنهى عنه، أو لأرشد إلى التقليل منه، ومن ثم أجاز مجمع الفقه الإسلامي بجدة في مؤتمره التاسع بأبو ظبي من 1- 6 ذي القعدة 1415هـ، البيع بعقد السلم في " كل ما يجوز بيعه ويمكن ضبط صفاته ويثبت ديناً في الذمة، سواء أكانت من المواد الخام أم المزروعات أم المصنوعات ".
وإنما يتوجه الانتقاد إلى الخلل الواقع في بعض تطبيقاته الخاطئة من قِبَل بعض المصارف، التي كان دافعها تجنب المخاطر الائتمانية تارة، أو الجشع (التكاثر) المالي تارة أخرى، مع أنه في قضية إدارة المخاطر يمكن للمصارف أن تسلك مسالك متعددة في إدارة الخطر الناجم من احتمال تخلف العميل عن الوفاء بوعده، منها على سبيل المثال توثيق العقد برهن أو كفالة ونحو ذلك، وهو ما أجازه جمهور الفقهاء وأقره مجمع الفقه الإسلامي بجدة في المؤتمر المذكور، ومما هو سائغ كذلك أن يقوم المصرف بمبادلة المسلَم فيه بشيء آخر ـ غير النقد ـ بعد حلول الأجل عند الحاجة لذلك، سواء كان الاستبدال بجنسه أم بغير جنسه، وهذا وإن منعه البعض إلا أنه لم يرد في المنع نص صحيح ولا إجماع صريح، وذلك بشرط أن يكون البدل صالحاً لأن يجعل مسلماً فيه برأس مال السلم.
ويبقى المجال مفتوحاً للهيئات الشرعية لكي تواصل التنقيح والترشيد في هذا المجال، أي تطوير الأدوات الفقهية التقليدية لتستجيب للحركة الاقتصادية المتسارعة، دون أن تتحسس من القول بمنع صيغة من الصيغ متى ما ظهر لها ذلك، ويجب أن تتجاوز عقبة مراعاة المصارف الإسلامية، وتزويدها بالرخص اللازمة لتنافس المصارف التقليدية، نرجو أن تكون هذه حقبة انتهت بلا عودة، فالمعول عليه في عمل الهيئات الشرعية اليوم هو مدى مطابقة المنتج للشروط الشرعية، هذا هو واجبها بالدرجة الأولى.
ويمكن للهيئات الشرعية وللباحثين المستقلين كذلك أن يعيدوا صياغة عقود السلم، ويبتكروا أدوات تناسب المستثمرين الزراعيين، وأخرى للصناعيين، وثالثة للمقاولين، ورابعة للتجار وهكذا، دون الإضرار بمصالح المصارف.
وها هنا قضية مهمة في كيفية النظر إلى الصيغة المعاصرة لعقد السلم، وهي التفريق بين عقد السلم المفرد والسلم المنظم، فإن تنظيم العقود عموماً يثير إشكالات فقهية تتعلق بتغيير طبيعة العقد، وتحوير آثاره، فالسلم المعهود في الشرع هو السلم المفرد لا المنظم، ولا مانع من التنظيم بحد ذاته، وهذا ما أؤكده تماماً، لكن من الخطأ أن نعامل العقود المنظمة بمثل ما نعامل به العقود المفردة، لذا يجب على الهيئات الشرعية ــ وهي أهل لذلك ــ أن تقوم بفحص السلم المنظم بأنواعه جيداً قبل طرحه، للتأكد من براءته من قوادح " الصورية " المخلة بالعقود، خصوصاً إذا كانت الهيئة تنوي الأخذ ببعض الرخص الفقهية.
ومن الأخطاء التي تقع في تطبيق البيع بصيغة السلم ما أخذ به بعض المعاصرين من جواز بيع السلعة قبل قبضها، أو جواز توكيل المصرف للبائع نفسه ببيع السلعة التي أسلم فيها، أو قلب الدين الذي في ذمة العميل ليكون ثمناً للسلم، فهذا بيع دين بدين ولا يجوز، أو وضع الشرط الجزائي على تأخير العميل في الوفاء بالعقد، لأنه فائدة على دين في الذمة، فمثل هذه الآراء وإن قال البعض ممن له وجهة نظر، إلا أن إعمالها بطريقة منظمة يخرجها عن حيز المشروعية، لأن مثل هذه الرخصة كانت تقال للأفراد، أمَا وقد نُظمت الرخصة، وجعلت عامة، فهذا خروجٌ عن المعهود عند الفقهاء كافة على فرض أن بعضهم قال بشيء منها للحاجة، وما تزال تقرأ في كتب الفقهاء: أن الرخص لا يُتعدى بها محلها، وقد قال الإمام مالك: " إنما فسدت الأشياء حين تُعُدي بها محالُّها "، والأصل في السلم أنه شرع للمحتاجين، ولهذا سماه بعض الفقهاء: بيع المحاويج.
يجب ألا نكرر أخطاء الماضي التي وقعت فيها بعض المؤسسات، فما دام المرجع هو الفقه الإسلامي بأصوله وقواعده كلها، فليكن كذلك في مسألة العقود المنظمة، ولا بد أن تكون اللافتات الإسلامية التي ترفعها المصارف اليوم محترمة، ويكون لها استحقاقاتها التي يذعن لها الجميع.
ونحن إذا نظرنا في المذاهب الفقهية كافة نجدها تقرر أهمية مراعاة المقاصد في العقود، فليس المهم في إجراء عقد السلم هو صورته الظاهرة فقط، بل البدهي فقهياً أن يكون هناك تاجر حقيقي بحاجة إلى تمويل، وأن يكون هناك ممول حقيقي يرغب في السلعة، ومن ثم يتم إبرام العقد على هذا الأساس، ويستفيد كلٌّ من الطرفين الربح مقابل الخطر الذي يلتزم به، فأما تنصل المصرف من مسؤوليته ببيع السلعة على طرف آخر قبل قبضها فهذا تجاوز للقواعد المستقرة فقهاً، ومع ذلك فإن الاعتدال في هذا النوع من المسائل مطلوب، فإذا كان التساهل في الفتوى مذموماً، كمن يفتي المصارف بسلوك مسلك الحيل المذمومة، فإن التشدد المقابل له مذموم أيضاً، ويجب التفريق بين الحيل الصورية والمخارج الشرعية، وأن تناقش المخارج بشيء من الهدوء والروية.
ولا شك أن صيغة السلم توفر: حماية للمصرف من تقلبات الأسعار في السوق، فإن المبلغ يدفع مقدماً، وبهذا يضمن الحصول على السلعة في وقت محدد، دون أن تتأثر الصفقة بتقلبات الأسعار، ولهذا أيضاً يمكن للمصرف أن يتعاقد مع مشترٍ آخر ليبيع إليه سلعة مماثلة للمتعاقد عليها بالشروط نفسها أو بتعديل ما يمكن تعديله، وهذا ما يسميه بعض المعاصرين: السلم الموازي، وهذا مخرَج فقهي لتصريف السلع التي يُسلم فيها المصرف، بشرط ألا يكون ثمة ربطٌ بين العقدين، وألا يتعاقدا على المسلم فيه نفسه، بل يجب أن يتعاقداً على ما هو من جنسه، وذلك أن جمهور الفقهاء لا يجيزون بيع المسلم فيه قبل قبضه.
ومثال السلم الموازي أن يوجد مصنع لصناعة الحاسبات الآلية مثلاً، ويحتاج إلى تمويل لتوفير المواد الأولية، فيقوم المصرف الإسلامي بتمويل المصنع على أساس عقد السلم, فيأخذ مقابل التمويل الحاسبات المصنعة, وتبرمج مواعيد الاستلام.
وفيما بين ذلك يمكن للمصرف الإسلامي أن يجري عقد سلم مع مستثمر آخر, يكون المصرف فيها في موقف المسلم إليه ــ البائع ــ, ويلتزم بتوريد حاسبات آلية مماثلة لتلك التي أبرم عقد السلم عليها.
كما أنه لا يشترط في عقد السلم أن يكون المموِّل محتاجاً للسلعة للاستعمال الشخصي كما يتوهم البعض، بل يكفي أن يكون له فيها غرض صحيح، كأن يسلم فيها ليبيعها في السوق بعد ذلك، بل هذا هو الأصل كما هو ظاهر السنة الواردة بذلك، وبهذا يكون للمصارف مندوحة عن الدخول في مشكلة طبيعة النشاط الذي تزاوله، ذلك أن من معوقات انتشار الأدوات الاستثمارية لدى المصارف كون هذه الأخيرة يقتصر نشاطها على التمويل لا الاستثمار، ولهذا فبمجرد استلام المصرف السلعة، ولو بواسطة وكيله، يمكنه بعد ذلك أن يبيعها بنفسه، أو بواسطة وكيل بالعمولة، وبهذا نفتح مجالاً استثمارياً وطنياً جديداً، لتغطية حاجة المصارف للوكالة في بيع سلع السلم.
وبهذا يتضح أن صيغة عقد السلم هي من الصيغ الحيوية ذات المرونة في التطبيق، فالمصرف يستفيد الحصول على السلعة بسعر أقل من سعر السوق، كما أنه يضمن تقلبات الأسعار. والعميل يستفيد الحصول على التمويل المباح الخالي من الفوائد، اللازم لإتمام مشروعه، فإذا استلم المبلغ كان مطلق اليد والتصرف فيه، كما أنه يضمن تصريف السلعة متى ما توفرت في السوق، ولهذا اشترط الفقهاء أن يكون محل العقد عام الوجود في مكانه.
إن السوق السعودية خصوصاً والخليجية عموماً مؤهلة لاستيعاب الاستثمار عن طريق صيغة بيع السلم، خصوصاً في هذه المرحلة التي تعد مرحلة نهضة عمرانية تؤسس لمرحلة جديدة من المشروعات التنموية.
يضاف إلى ذلك توفر السيولة في السوق، وقلة فرص الاستثمار البناء، الذي يسهم في دفع عجلة التنمية في البلد.
أخيراً أؤكد على دور طلبة العلم ووسائل الإعلام في التوعية بالفروق بين ما أباحته الشريعة وما حرمته من المعاملات، ومن الفروق المهمة بين البيع بصيغة السلم والقرض الربوي، أن العائد من السلم يسمى ربحاً، أما العائد من القرض الربوي فهو الفائدة (الربا)، ولعل بعض المصرفيين يجنح إلى الفائدة لضمان العائد، لكن يجب أن ننتبه إلى أن هذا الفارق بين البيع والربا، وهو التردد بين الربح والخسارة، ولهذا فقد أحل الله البيع وحرم الربا ولعن فاعله، لكن لا يعني هذا أن المصرف لا يملك حيلة للتخلص من الخسارة، كلا، بل إن له أن يسعى في عمل دراسات الجدوى للتحقق من مدى الربحية التي ستعود عليه من كل عملية.

والله تعالى أعلم
 

خالد بن عبد الله المزيني
16 شعبان 1428

 

د. خالد المزيني
  • خواطر وتأملات في إصلاح البيوت
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية