اطبع هذه الصفحة


مرحبا بالشتاء

 

د. نايف بن أحمد الحمد


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذه كلمات مختصرة عن "الشتاء" وشيء من الفقه فيه:

- سبب شدة البرد:
نتابع ما يقوله علماء الأرصاد عن موجات البرد وشدته وأسباب ذلك، ونغفل عما وراء ذلك مما أخبرنا به الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَتِ النَّارُ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأْذَنْ لِي أَتَنَفَّسْ، فَأْذِنْ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ، أَوْ زَمْهَرِيرٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ، وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرٍّ، أَوْ حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ)([1]).

- العبادة في الشتاء:
للعبادة في الشتاء فضل من ناحية يسرها صياما، وطولها قياما، عن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ)([2]).
لذا قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "مرحبا بالشتاء، فيه تنزل الرحمة، أما ليله فطويل للقائم، وأما نهاره فقصير للصائم"([3]) لله درهم ما أكثر التفاتهم لمثل هذه المعاني فرضي الله عنهم وأرضاهم. قال إسحاق الخطيب: "الرأي في الشتاء أجمع، والوعظ في القلوب أنجع"ا.هـ([4])

- ليُسر الصيام في الشتاء عُدَّ غنيمة باردة أجر عظيم بعمل يسير:
عن عامر بن مسعود الجمحي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ)([5]) وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «الشتاء غنيمة العابدين»([6]) "والمعنى أن الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش، أو تصيبه لذعة الجوع من طول اليوم"ا.هـ([7])

- إسباغ الوضوء:
الماء في فصل الشتاء تشتد برودته فنتهاون في إسباغ الوضوء، ونغفل عن خطورة ترك شيء من مواضع الوضوء بلا غسل وقد جاء الوعيد الشديد في ذلك فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: تخلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: (وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)([8])
أما مَن أسبغ وضوءه فليبشر فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟) قالوا بلى يا رسول الله قال: (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)([9]).

- أداء الصلوات في المسجد:
فمع اشتداد البرد يكسل كثير منا عن أداء الصلاة جماعة في المسجد خاصة صلاة الفجر وبذلك نفوت على أنفسنا أجرا عظيما فعن بريدة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([10]).
عن وائل بن حجر -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشتاء فرأيت أصحابه «يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة»([11]).

- الدعاء عند الريح:
الناس ينشغلون عند هبوب الرياح باتقائها وإغلاق النوافذ وغيرها ويغفلون عما يُشرع عند هبوبها فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا عصفت الريح، قال: (اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)([12]).

- كثرة الحمى في الشتاء:
فبسبب شدة البرد تكثر الحمى في فصل الشتاء ونغفل عن احتساب الأجر في ذلك فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: (مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟) قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: (لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)([13]).

- وواجب علينا شكر الله تعالى أن رزقنا ما نتقي به البرد:
قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) (يس73)
وقال تعالى (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) (النحل5) "دِفْءٌ" أي: "مما تتخذون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها، وجلودها، من الثياب والفرش والبيوت"ا.هـ([14])

- ومن أسباب الوقاية في الشتاء إطفاء النار قبل النوم:
فإشعال النار في الشتاء كثير في المجالس وفي النزهة بحثا عن الدفء، وقد أمرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- بأن لا نتركها مشتعلة عند النوم حفظا لحياتنا، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ)([15]).
وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فحدث بشأنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ)([16]).

- ومما نغفل عنه تعاهد كبار السن من الوالدين وكذا الخدم والسائقين والرعاة وغيرهم ممن هم تحت كفالتنا وكذا عامة فقراء المسلمين:

إِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي      فَإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ([17])
قال الأصمعي: كانت العرب تسمّي الشتاء الفاضح([18]).

ومن الهدي النبوي مع مَن هم تحت أيدينا ما رواه المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر -رضي الله عنه- بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة، فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلقيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: (يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية)، قلت: يا رسول الله، من سب الرجال سبوا أباه وأمه، قال: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) قلت: يا رسول الله، من سب الرجال سبوا أباه وأمه، قال: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)([19]).

وحال بعض الرعاة في الصحاري:

جَاءَ الشِّتَاءُ وَلَيْسَ عِنْدِي دِرْهَمُ       وَلَقَدْ يُصَابُ بِمِثْلِ هَذَا المُسلِمُ
وَتَقَسَّمَ النَّاسُ الجبَابَ وَغَيْرهَا       وَكَأنَّـــنِي بَفــنَاءِ مَـــكَّـــةَ مُــحـرِمُ([20])

أبو نصر بن نباتة:

جَاءَ الشِّتاءُ فَمَا عِندِي لَهُ عُدَدٌ       إِلَّا ارتعــادٌ وَتَقريــــصٌ بأَســنانِي
وَلَو قَضَيْتُ لَمَا قَصَّرْتَ فِي كَفَنِي     هَبْنِي قَضَيْتُ فَهبْ لِي بَعْضَ أكْفَانِي([21])

والحمد لله رب العالمين.
 

جمع وترتيب نايف بن أحمد الحمد 23/5/1441هـ


-----------------------------------------------------
([1])  البخاري (3260) ومسلم (617) واللفظ له.
([2]) أحمد (11716) وأبو يعلى (1061) قال الهيثمي والمناوي: "إسناده حسن"ا.هـ مجمع الزوائد 3/200 التيسير 2/81
([3]) ابن عدي 8/250 والديلمي (6513)
([4]) سرور النفس بمدارك الحواس الخمس/239
([5]) أحمد (18959) والترمذي (797) وصححه ابن خزيمة (2145) ورواه الطبراني في المعجم الصغير (716) والبيهقي في الشعب (3658) من حديث أنس -رضي الله عنه- وحسنه المناوي في التيسير 2/26 والألباني في الصحيحة (1922)
([6]) رواه ابن أبي شيبة (34468) وأبو نعيم في الحلية 1/51
([7]) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح 5/1615 وانظر: لطائف المعارف/326 شأن الدعاء للخطابي/133
([8]) البخاري (96) ومسلم (241)
([9]) مسلم (251)
([10]) أبو داود (561) والترمذي (223) وصححه ابن خزيمة (1498) من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه-.
([11]) رواه أحمد (18847) وأبو داود (729)
([12]) مسلم (899)
([13]) مسلم (2575)
([14]) تفسير السعدي/435 وانظر: تفسير الطبري 14/166 تفسير ابن كثير 8/558
([15]) مسلم (2015)
([16]) البخاري (6294) ومسلم (2016)
([17]) للربيع بن ضبع الفزاري. شرح أدب الكاتب/193 الحماسة البصرية 2/380 الدر الفريد وبيت القصيد 2/400
([18]) سرور النفس بمدارك الحواس الخمس/240
([19]) مسلم (1661)
([20]) الدر الفريد 6/8 سرور النفس بمدارك الحواس الخمس/240 غرر الخصائص الواضحة/296
([21]) الدر الفريد 6/7

 

د. نايف الحمد
  • مقالات دعوية
  • الصفحة الرئيسية