اطبع هذه الصفحة


حتى لا تسقط المؤسسة

نبيل بن عبد المجيد النشمي

 
بسم الله الرحمن الرحيم


يحصل في التكْوينات المختلفة مزيجٌ من عدَّة أنواع، تجمعهم صورة واحدة وغاية عامَّة، هي في النهاية صورة ذلك التكوين، والمجْموعة الَّتي تنتمي لأيِّ تكوين يوجد فيما بيْنها قواسم مشتركة في أيِّ جزئيَّة من جزئيات هذا التَّكوين، وأهم ما يقوِّي صلتهم بتكوينِهم متانة وأهميَّة تلك القواسم، فحين تكون الأهداف مثلاً - وهي أهم شيء في أيِّ تكوين - هي القاسمَ المشترك بين أعضائه، تكون نسبة التفاهم والتقارُب عالية وقوية، وهكذا.

فالتَّكوينات تبقى قويَّة بقاء التَّرابط بين أفرادها،
وبقاء نسبة عالية من القواسم المشتركة فيما بينهم؛ ولذلك لما تنخفض أو تتغيَّر القواسم المشتركة، يبدأ الضَّعف والتآكل الدَّاخلي، فلمَّا تتغير أهداف فرد أو أفرادٍ مثلاً داخل منظومة معيَّنة عن أهداف الآخرين، فإن كان مؤثرًا وفاعلاً وقويًّا، سيسْعى إلى تغيير خط سير تلك المنظومة حسب أهدافه، وإن كان عاديًّا لا يستطيع ذلك، إمَّا أن يصبح عنصرًا سلبيًّا يؤخِّر السير ويكثر التشتيت
والتشويش، أو يخرج من المنظومة بصورةٍ أو بأخرى.


فالنجاح الفعلي في إدارة التَّكوينات يتمثَّل في تقوية عناصر الالتِقاء بين أفراد التكوين، وتقليل مناطق الاختِلاف وبؤر التفرُّق أو السيْطرة عليها؛ حتَّى لا تأخذ أكبر من حجْمِها للحفاظ على روح الفريق وقوَّة التَّكوين.

ولذلك؛ قد يغيب على كثير من المديرين أنَّ الجيوب الخلفيَّة والخفيَّة في المؤسَّسات عبارة عن مسامير في نعْشها،
وضربات موجعة في قلبها، تُقرِّب يوم السقوط، فاللامبالاة في التعامُل معها والتَّهوين من أمرها يعتبر نوعًا من السقوط في حلبة الفشَل.

التَّكوينات (أسرة - جمعيَّة - ملتقى - عمال مصْنع - فريق رياضي ....) - أيُّ تكوين - مِن أهم عناصر ترابطهم وعوامل قوَّتهم: نسبة التجانُس فيما بينهم؛ ولذا فالجلسات غير الرسميَّة، واللقاءات الحميمة، والمواقف المعبِّرة، والكلمات الحانية، والهدايا والتَّهاني والتعازي، والقرب المعنوي من الأفراد - توفِّر كثيرًا من الجهد والمال، وتُزيل جبالاً من الجليد في العلاقات، والَّذي بطبيعة الأمر يؤثِّر على الإنتاج.

وما يفعله البعض من تأْجيل أو تَمرير مثل هذه المهمَّات، إنَّما هو جزء من توْسيع فجوة الخصومات النفسيَّة والمعارك الداخليَّة، الَّتي يعيشها الفرْد في هذا التَّكوين أو ذاك، مما ينقل الحالة إلى أزمة، وقد تصبح قنبلة موقوتة تنتظر ساعة الصفْر، وربَّما تحت شعار "عليَّ وعلى أعدائي"، أو الموت كمدًا.
إنَّ التَّركيز على رفع نسبة التجانس بين الفريق الواحد، والبذل في ذلك - يعدُّ نوعًا من النَّباهة والحنكة؛ لأنَّ ذلك يؤثِّر على تحقيق الأهداف بشكْل كبير، ومما يفقد التَّجانس أو يضعفه وجود خلافات شخصيَّة أو تبايُنات فكريَّة أو انتماءات متعدِّدة في الفريق الواحد، فكلَّما تقاربت وجهات النَّظر وتوحَّدت مداخل النفسيَّات، كان التَّجانُس قويًّا.

ها هو المجتمع الإسلامي الأوَّل، يقوم بقيادة النبيِّ الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فكان أوَّل ما قام به: بناء المسجد؛ ليحصل التجانس الفكري، ثمَّ التَّآخي بين المهاجرين والأنصار للتجانس الاجتماعي، ولك أن تتصوَّر النفسيَّات التي تتشبَّع بالتجانس الفكري والتجانس الاجتماعي، كم سيكون عطاؤُها، وقد رأينا؛ فالتاريخ قد حدَّثنا عن صفحات رائعة في ذلك.


حتَّى لا تسقط المؤسَّسة؛ ازْرعوا بذور التجانُس،
والتكلفة ليست مُكلِّفة، أو ستعود بأرْباح من نتاج ذلك التجانُس عاجلاً أو آجلاً.

 

نبيل النشمي
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية