اطبع هذه الصفحة


إلى السادة المدربين: لماذا المثال الغربي؟؟ (2)

نبيل بن عبد المجيد النشمي

 
بسم الله الرحمن الرحيم


في دورات التنميَة البشرية والتي أصبحتْ شبهَ مطلبٍ حضاري، أو شعارًا على التقدُّم والتغيير والتطوُّر الإداري، حتى إن عددًا من المؤسَّسات فتحت أقسامًا جديدة للتدريب، وشكَّلت إدارات خاصة بذلك، في هذه الدورات تُطرَح مفاهيم وأسس وقضايا مختلفة، وفي طرحها يتعرَّض المدرِّب لأمثلة لتوضيح المقال، ولا ضير؛ فبالمثال يتَّضح المقال، وضرب الأمثلة منهج قرآني وأسلوب نبوي، فالأمثلة تزِيد المواضيع طراوَةً، وتُضِيف عليها حلاوة ورونقًا، كما تساعد على تقريب المفاهيم.

ولكننا نجد في أمثلة دورات ومؤلفات التنميَة البشرية أنه يغلب عليها الأمثلة الغربية؛ فقصص النجاح أو حتى الفشل أو حتى الأمثلة العادية تُؤخَذ من حياة الغرب، لأفراد أو مؤسسات أو حكومات، ولا اعتراض على أصل القصة وحقيقتها ووقوعها، فليست قضيَّتنا، لكن اللافت هو كثرة إيراد القصص، حتى العادية جدًّا من حياة الغرب، وكأنه لا وجود لنا على الأرض من قبلُ، فلا قصص لنا!


سؤالي:
ألسنا أمَّة لها تاريخ، وتاريخ عريق وعريض استمرَّ قرونًا عديدة، وفيه جوانب مشرِقة لم ترَ الشمس مثلها، كما فيه إخفاقات عديدة على مستوى خاص أو عام يمكن الاستفادة منها؟!

يوجد في تاريخنا نماذج فريدة لأفراد ومجتمعات ودول قامت وحملت الرسالة والحضارة، ف
لماذا نكتفي بالمترجَم الجاهِز، ونستصعِب البحث في أمهات الكتب التي تتحدث عنَّا؟!


الفيل نيلسون،
والطفل جورج، والكلب جيري، والقطة مي، وبائع الخضروات، وموظف البريد، ورجل الأمن، والفنان، والرسام، والنادل، والمضيفة، وسائق الشاحنة، والأديب شكسبير، والمخترع ألفريد نوبل، وخبير الإعلان إيكوف، والرئيس روزفلت، وحتى هتلر، أمثلةٌ من الغرب لها حكايات حاضِرَة في دورات التنميَة البشرية، ووصَل الأمر إلى أن سمعنا عن دولة إسرائيل - التي نتعبَّد اللهَ بكرهها وبغضها – تُقدَّم كمثالٍ على التعليم المتميِّز، وأكبر من ذلك قُدِّمت على أنها تحترم الإنسان وتلتزم بالقانون، وأنه لا يوجد فيها أحدٌ فوق القانون، ولا أدري كيف غابَ عن المدرِّب الفذِّ وعن المتدرِّبين الفُضَلاء أنها دولة فوق القانون الدولي؟! وكيف غفلنا عن تعاملها مع الإنسان الفلسطيني وغابت عنَّا في لحظةٍ جرائمها البشعة بحقِّه؟!

إن الأمثلة كثيرة،
ومَن له علاقة أو حضور واهتمام بدورات التنميَة البشرية يعرف ما أقول، وحجَّة السادة المدرِّبين في طرحِها أن هذا هو الواقع، ومن الغباء أن ننكر الواقع، ولا داعي لأن نضَع رؤوسنا كالنعامة في الرمال.

إن أهم ميزة تميَّزت به أمَّة الإسلام أنها أمَّة قائمة بذاتها،
مستقلَّة عن غيرها فكرًا ومنهجًا وسلوكًا، وأكبر تهمة تُوَجَّه إليها أنها قامت مستفِيدة من حضارة الرومان أو الفرس أو اليونان، ولذلك أخطر ما يهدِّدها أن تتنازَل عن ذاتها، وأن ترضى بالعيش على فُتات غيرها، وأن تبحث عن مكانتها في ذات الآخَرين، ولذلك تكمُن خطورة الإكثار والتركيز على الأمثلة الغربية أنها تُضعِف الثقة بالذات، وتُنمي الشعور بالدون، وتزيد من حالة الانبهار بالحضارة الغربية التي يعيشها قطاع كبير من الأمة.

الاستشهاد بالغرب لا يمثِّل مشكلة عندما تكون الأمَّة قائدة ورائدة وفي وضع قوَّة، لكن في حالة الضعف والعجز يمثِّل مشكلة فكرية واجتماعية وتربوية، ويؤدِّي إلى نتائج وخيمة.

إن المرء العادي عندما يرى قوَّة عدوِّه ويعرف ضعف حاله يعيش قهرًا لا حدَّ له، فإذا أُضِيف إلى ذلك أن هناك مَن يملي عليه ويسمعه مزايا ونجاحات عدوِّه، ويضع بين يديه صورًا إيجابية له، مع تأنيب وتوبيخ مباشر أو غير مباشر، بعد هذا
هل سيفكر في اللحاق بعدوِّه، فضلاً عن منافسته والتغلُّب عليه؟!


السادة المدربون،
نريد تأصيلاً - إن كان لا بُدَّ من أمثلة غربية - تأصيلاً بإعطائنا أمثلة أو حتى مثال من حياة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يُنشِئ دولة من الصفر، وليس فقط يُعِيد دولةً كانت قائمة، وفي بيئة لم تعرف النظام، نريد أمثلة قام بها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتقديم نماذج من حضارة الروم والفرس أو حتى اليهود المجاوِرين له، خاصة أنهم كانوا أهم الحضارات القائمة، وبشكلٍ لا يُقارَن مع حال العرب آنذاك.

هل أخَذ منهم التخطيط، أو ذكَر نجاحاتهم وقدَّم مشاريعهم كأنموذج لإعادة الهمم أو بناء الدول؟!
لكنه كان يبني أمَّة وفكرًا ومنهجًا؛ فلا بُدَّ من الخصوصية والتميُّز.

إننا بحاجة إلى قراءة التاريخ الإسلامي من بدايته، والوقوف عند فواصله، والتعرُّف على صفحاته، ولو كانت سهولة الحصول على النماذج من خلال كتب أو تسجيل أو حضور دورات، فإننا بحاجة إلى همَّة، وقبلها قناعة بضرورة الأخذ من تاريخنا الخاص بنا، ونربط بين حاضر الأمة وماضيها، ونعرف كيف وصلت إلى القمَّة؟ وكيف هوَتْ منها؟ ونستفيد من تجاربنا، فَدَاؤنا فينا وعلاجنا من داخلنا؛ هكذا قرَّر ربنا: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 165]، وأرشَدَنا ووجَّهَنا للعلاج فقال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 120].


السادة المدربون،
إذا لم يكن لديكم وقتٌ لقراءة تاريخ أمتنا، فاسألوا أهل الاختصاص، أو اسعفوا أنفسكم بما نُشِر من كتب وكتيِّبات القصص المختصَرة، أو استعينوا بِمَن تعرفون عنه الاهتمام بذلك، أو على الأقل (جَوْجِلوها)؛ حتى لا تكونوا سببًا في زيادة ضعف الأمة وبُعْدِها عن تاريخها وفتنتها بعدوِّها وإن قصدتم تنميتها، وكل شيء في الأمة مُدوَّن، حتى وإن أصررتم على أمثلة الحيوانات، فدونكم كتاب "الحيوان"؛ للجاحظ مثلاً، أو "كليلة ودمنة" إن كان ولا بُدَّ.

السادة المدربون، قد تقولون:
إننا نبالغ ونعطي الأمر أكبر من حجمه، لكن الحقيقة تؤكِّد أن الإنسان يتأثَّر بما يسمع، ولو كان مجرَّد مزحة.

أتوقَّع منكم أنْ تُسمِعونا قصصًا عجيبة مكنوزة في مجلدات تتحدَّث عن تاريخ أمَّتنا، ويكون لكم شرف نشرها ونثرها، وأجر الاقتداء بها، والاستفادة من دروسها.


 

نبيل النشمي
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية