اطبع هذه الصفحة


العبر والعظات على لسان الحيوان والنبات عند ابن القيم

نزار محمد عثمان


الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ طبيب القلوب، ونطاسيّ النفوس، وأمير البيان، كم استجاش المشاعر بكلماته، و كم سحر العقول بعباراته ، وخلب الأسماع بمواعظه ، من قرأ له بحضور قلب قام بوجه غير الذي جلس به إليه، ذلك أنه من أهل العلم الذين تُلتمس مِن كلماتهم ضالات الحكم، وشاردات المعاني، ودقيقات المعارف، ولا نبعد عن الحق إن قلنا إن كلامه أندى على الأرواح من عليل الهواء، وأروى للأفئدة من زلال الماء، وقد انتثرت في كتبه عبارات من عيون الحكمة على ألسنة الحيوان والنبات، خاصة في كتبه: الفوائد، و بدائع الفوائد، ومدارج السالكين، وشفاء العليل، وقد قال الشيخ رحمه الله :" وكثير من العقلاء يتعلّم من الحيوانات البُهْم أموراً تنفعه في معاشه وأخلاقه وصناعته وحرْبه وحزمه وصبره"[1]، وقد أحببنا أن نشير إلى نماذج من هذه الأمثلة المعبرة، والمواعظ المؤثرة، عساها تصادف أرضا مخصبة، فتنموا حدائق ذات بهجة، تهوي إليها الأفئدة.

الحذر من حبائل الدنيا:

تحدث الشيخ ابن القيم عن ضرورة المصابرة في حمل رسالة البلاغ، ولزوم أمر الله، والحذر من حبائل الدنيا وضرب لذلك مثلاً بالطائر الزاجل الذي يعرف هدفه ويُعمِل فكره في الوصول إليه ولا يحيد عنه ، يقول الشيخ ـ رحمه الله ـ : "إذا حمل الطائر الرسالة صابر العزيمة ولازم بطون الأودية، فإن خفيت عليه الطريق تنسم الرياح، وتلمح قرص الشمس، وتستر، وهو مع شدة جوعه يحذر الحَب الملقى خوفاً من دفينةِ فخٍ توجب تعرقل الجناح، ويضيع ما حمل؛ فإذا بلّغ الرسالة أطلق نفسه في أغراضها داخل البرج؛ فيا حاملي كتب الأمانة أكثركم على غير الجادة، وما يستدل منكم من قد راقه الحب فنزل بما حمل، فارتهن وما ربح، فتعرقل جناحه، وينتظر الذبح، فلا الحبة حُصِّلت، ولا الرسالة وُصِّلت.

قطاة غرها شرك فـباتت
تجاذبه وقد عــلق الجناح
فلا في الليل نالت ما تمنت
ولا في الصبح كان لها سراح[2]

ويقول في موضع آخر: " ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهولة العاقبة، وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنه".
وفي موضع آخر في ذات الموضوع يشبه الشيخ ـ رحمه الله ـ المسلم في الدنيا بالغائص في بحر يعج بالتماسيح، فيقول منبهاً: " كم في يم الغرور من تمساح فاحذر ياغائص"[3]
وحتى نحذر من حبائل الدنيا لا بد لنا من كف النفس عن شهواتها، إن لم يكن ذلك سمواً إلى أفق المسلم الذي يريده الله لنا فلا أقل من أن يكون اتعاظاً بكلب الصيد، يقول الشيخ ـ رحمه الله ـ: " علمت كلبك فهو يترك شهوته في تناول ما صاده احتراما لنعمتك وخوفا من سطوتك وكم علمك معلم الشرع وأنت لا تقبل"[4]، فيا لله ما أضيعنا إن عجزنا أن نكون كالكلاب.
ويبين الشيخ ـ رحمه الله ـ أهمية الصبر على متطلبات الدعوة، وضرورة احتمال الأذى لأن القبول في نهاية الأمر لأهل الحق، و العاقبة للمتقين، فيقول: " إذا فتحت الوردة عينها فرأت الشوك حولها فلتصبر على مجاورته قليلاً، فوحدها تقصد وتقبَّل وتشم "[5].

التخطيط والاستعداد للرحيل:

أفاض الشيخ ـ رحمه الله ـ في بيان أهمية تدبر العواقب والاستعداد للرحيل، والتخطيط للنجاة ، والسعي للفوز في الدارين، وضرب لذلك أمثلة بليغة منها مثل اليربوع[6]، وكيف انه يخطط ويتدبر العواقب، فكيف بالإنسان العاقل، يقول الشيخ رحمه الله : "وهذا اليربوع لا يتخذ بيتا إلا في موضع صلب ليسلم من الحافر، ويكون مرتفعا ليسلم من السيل، ويكون عند أكمه أو صخرة لئلا يضل عنه، ثم يجعل له أبوابا، ويرقق بعضها فلا ينفذه، فإذا أتى من باب مفتوح، دفع برأسه ما رق من التراب، وخرج منه. وأنت قد ضيقت على نفسك الخناق فما أبقيت للنجاة موضعا"[7].
ويقول كذلك : " الحيوان البهيم يتأمل العواقب، وأنت لا ترى إلا الحاضر، ما تكاد تهتم بمؤونة الشتاء حتى يقوى البرد، ولا بمؤونة الصيف حتى يقوى الحر، والذر يدخر الزاد من الصيف لأيام الشتاء. وهذا الطائر إذا عَلِم أن الأنثى قد حملت أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع، أفتراك ماعلمت قرب رحيلك إلى القبر، فهلا بعثت فراش {من عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون}[8]" [9]
ويذَكّر الشيخ ـ رحمه الله ـ الذين بلغوا من العمر ما قال الله فيه "أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" يذكرهم أن النذير قادم، وأن وقت الحصاد قد دنا، كما يذكر الذين هم في ميعة الصبا ونضارة الشباب أن الرحيل قد يكون أعجل مما يتصورون فيقول في عبارة بليغة مختصرة : "كم قُطع زرع قبل التمام فما ظن الزرع المستحصد"[10] والمعنى كم مات صغير في مقتبل العمر فما ظن من بلغ من الكبر عتيا.

الرجوع إلى الله:

كلمات ابن القيم في منزلة التوبة في مدارج السالكين درية الألفاظ ، عسجدية المعاني، لا تصدر إلا من قلب مفعم بالإيمان، وخطيب مالك لناصية البيان، كأن ألفاظه قطع الرياض ، وكأن عباراته نسم الآصال ، لامست شغاف القلب، وخالطت مسارب الروح، وأوحت لكثير من الكتاب والوعاظ معاني متجددة، ومباني متعددة، تشحذ الهمة للرجوع إلى منازلنا الأولى، كما قال ابن القيم نفسه:

وحي[11] على جنات عدنٍ فإنها
منازلك الأولى بها كنـت نازلا
ولاكن سباك الكاشحون لأجـل ذا
وقفت على الأطـلال تبكي المنازلا
وحي على يوم المزيد بجنة الـ
ـخلود فجد بالنفس إن كنت باذلا
فدعها رسوماً دارساتٍ فمــا بها
مقيلٌ وجاوزها فليـــست منازلا
وقل ساعدي يا نفس بالصـبر ساعةً
فعند اللقا ذا الكدّ يــصبح زائلا
فما هي إلا ساعةٌ ثم تــــنقضي
ويصبح ذو الأحزان فـرحان جاذلا

غير أن الشيخ ـ رحمة الله ـ كما ساق الموعظة شعراً، ساقها أيضاً اتعاظاً بالحيوان، فقال: "غاب الهدهد عن سليمان عليه الصلاة والسلام ساعة فتوعده، فيا من أطال الغيبة عن ربه، هل أمنت غضبه."، وقال كذلك : " إذا سكر الغراب بشراب الحرص تنقل بالجيف. فإذا صحا من خماره ندم على الطلل."[12] وهل على النادم إلا أن يقلع ويعزم على أن لا يعود، ويمضى في طريق الله.

إحسان العبادة وتجويد الطاعة:

ويتحدث الشيخ ـ رحمه الله ـ عن ضرورة إحسان العبادة وتجويد الطاعة، خاصة الصلاة فيضرب مثل الفأرة والجمل، فيقول: "رأت فأرة جملاً فأعجبها، فجرّت خطامه، فتبعها، فلما وصلت إلى باب بيتها، وقف فنادى بلسان الحال: إما أن تتخذي داراَ تليق بمحبوبك، أو محبوبا يليق بدارك، وهكذا أنت!! إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك، وإما أن تتخذ معبودا يليق بصلاتك".
ويشبه الشيخ ـ رحمه الله ـ عمل المخلص بالحرير، وعمل المرائي بنسج العنكبوت، وشتان بين الاثنين، يقول الشيخ ـ رحمه الله ـ : "لما أخذ دود القز ينسج، أقبلت العنكبوت تشبهه، وقالت: لك نسج ولي نسج، فقالت دودة القز: ولكن نسجي أردية الملوك، ونسجك شبكة الذباب، وعند مس الحاجة يتبين الفرق.

إذا اشتبكت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى"[13]

ويبين أن المرائين والمخلطين والمتعالمين لا يرفع لهم علم ولا يقوم لهم وجود، ولا يجتمع الناس حولهم إلا في غياب أهل الحق، يقول الشيخ ـ رحمه الله ـ: "الأطيار تترنم طول النهار، فقيل للضفدع: ما لك لا تنطقين فقالت: مع صوت المزمار يستشبع صوتي ولكن الليل أجمل بي."[14]، وواقعنا اليوم فيه الأطيار التي تصدع بالخير و الضفادع التي تنق بالشر، فيه النخلة التي كلها خير ، وفيه الحنظلة التي لا تنفك مرة ، يقول الشيخ ـ رحمه الله ـ " لو سقي الحنظل بماء السكر، لم يخرج إلا مُراً"[15].
البدايات المحرقة طريق للنهايات المشرقة:
للذين يستعجلون الخطى و يتناسون السنن الكونية، ويريدون أن يقفزوا فوق المراحل لإحراز نصر عاجل سريع، يسوق الشيخ ـ رحمه الله ـ حواراً واضح المعالم ، ماثل الأغراض ،جرى بين شجرة الصنوبر وشجرة الدباء، فيقول : "شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنه، وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين، فتقول للصنوبرة: إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين، ويقال لي شجرة ولك شجرة، فقالت لها الصنوبرة: مهلاً حتى تهب رياح الخريف، فإن ثبتِ لها تم فخرك"[16].

التذكير بعجائب قدرة الله وهدايته للمخلوقات:

وكثيراً ما يستدل الشيخ ـ رحمه الله _ على عظيم قدرة الله بهدايته للمخلوقات (الذي خلق فسوى، والذي قدّر فهدى)، وفي ذلك يقول : "وفي هدايته للحيوان إلى مصالحه ما هو أعجب من ذلك. ومن ذلك أن الدِّيك الشابِّ إذا لقي حبًّا لم يأكله حتّى يفرقه فإذا هَرِم وشاخ أكله من غير تفريق. كما قال المدائني إن إياس بن معاوية مرَّ بديك ينقر حبًّا ولا يفرقه، فقال: ينبغي أن يكون هرِماً فإن الديك الشابّ يفرق الحب ليجتمع الدجاج حوله فتصيب منه، والهرِم قد فنيت رغبته فليس له همّة إلاَّ نفسه. قال إياس: والديك يأخذ الحبة فهو يريها الدجاجة حتى يلقيها في فيه، والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجة.
وهذا الثعلب إذا اشتدّ به الجوع انتفخ ورمَى بنفسه في الصحراء كأنه جيفة فتتداوله الطير فلا يظهر حركة ولا نفساً فلا تشكّ أنه ميت حتى إذا نقر بمنقاره وثب عليها فضمّها ضمّة الموت.
وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدَا إلى الصعتر النهري فأكلاه كالترياق لذلك.
ومن عجيب أمر الثعلب أنه إذا أصاب القنفذ قلبه لظهره لأجل شوكه فيجتمع القنقذ حتى يصير كبّة شوك فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فَكَّيه، فإذا أصابه البول اعتراه الأسر فانبسط، فيسلخه الثعلب من بطنه ويأكل مسلوخه.
وقال ابن الأعرابي: قيل لشيخ من قريش: مَنْ علمك هذا كلّه وإنما يعرف مثله أصحاب التجارب والتكسّب؟ قال: علمني الله ما علّم الحمامة تقلبُ بيضها حتى تعطي الوجهين جميعاً نصيبهما من حضانتها، ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمرّ على جانب واحد.
وقيل لآخر: مَنْ علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها؟ قال: من حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد.
وقيل لآخر: من علّمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون؟ قال: من علّم أبا أيوب[17] صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة والمشي والتعب وغلظة الجَمّال وضربه، فالثقل والكلّ على ظهره، ومَرارة الجوع والعطش في كبده، وجهد التعب والمشقّة ملء جوارحه، ولا يعدل به ذلك عن الصبر.[18]

خاتمة:

ليس من مقصودنا أن نتتبع كل العبر والعظات التي ساقها الشيخ ابن القيم رحمه الله على لسان الحيوان والنبات، وفي ما تقدم إشارات تحقق المنشود وتفي بالمقصود، نسأل الله أن يوفقنا إلى استخلاص العبر والعظات من المشاهدات التي تقع أمامنا، فالعاقل من اتعظ بغيره، والشقي من لا يتعظ بما يقع له فضلاً عن أن يتعظ بغيره. والله الموفق.


----------
[1] شفاء العليل للإمام ابن القيم، ج3، ص 74.
[2] بدائع الفوائد، ج3، ص750.
[3] بدائع الفوائد، ج3، ص762.
[4] الفوائد ص 76
[5] بدائع الفوائد، ج 3، ص753.
[6] قال ابن منظور في اللسان: " الـيَرْبُوع نوع من الفَأْر"، و " الـيَرْبُوعُ دُوَيْبَّة فوق الـجُرَذِ".
[7] بدائع الفوائد، ج3، ص754.
[8] سورة الروم: الآية 44
[9] بدائع الفوائد، ج3، ص744.
[10] الفوائد، ج1، ص41.
[11] زاد المعاد، ج3، ص15، إغاثة اللهفان، ج1، ص71، و حادي الأرواح، ج1، ص196.
[12] بدائع الفوائد، ج3، ص748.
[13] بدائع الفوائد، ج3، ص 756
[14] بدائع الفوائد، ج3، ص754.
[15] بدائع الفوائد، ج3، ص757.
[16] بدائع الفوائد، ج3، ص756.
[17] الجمل
[18] شفاء العليل، ج1، ص73


 

نزارمحمدعثمان
  • البحوث
  • المقالات
  • الردود الصحفية
  • قصائد وأشعار
  • في الأدب الإسلامي
  • برامج إذاعية
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية