اطبع هذه الصفحة


وكذلك جعلناكم أمة وسطا

نزار محمد عثمان


الناظر في حال الأمة الإسلامية يرى بعداً بيناً عن النموذج المنشود، هذا البعد ليس في مجال التطبيق فحسب بل في مجال التصورات كذلك، لأن التصورات إن كانت صحيحة واضحة، لوجدت الطريق إلى التطبيق.
ومن أكبر ثغرات التصور تلك التي تتعلق بوعي وسطية منهج الإسلام، فالإسلام لا ينحصر– كما يرى العلمانيون – في العقيدة والعبادة فقط، بل يمتد ليصبغ الحياة كلها (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ). ويتسع ليكون رسالة لإصلاح المجتمع، وسياسة الدولة، وبناء الأمة، ونهضة الشعوب، وتجديد الحياة، تماماً مثلما أنه عقيدة وشريعة، ودعوة ودولة، وسلام وجهاد، وحق وقوة، وعبادة ومعاملة، ودين ودنيا، ذلك أن الإسلام هو " الرسالة التي امتدت طولاً حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقاً حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة ".
وحتى تتحقق وسطية المنهج ينبغي على الدعاة مراعاة أمور مهمة مثل أسبقيات الفهم، ومرحليات البناء، وتكامل السلوك.

أولاً:أسبقيات في الفهم:

إن التصور الإسلامي الصحيح يدرك أن تكاليف الإسلام ليست كلها على درجة واحدة من الأهمية بل فيها ما هو فرض و ما هو نافلة، فيها المتعدي النفع وفيها اللازم، فيها ما هو كلي وفيها ما هو جزئ، والنظرة الوسطية تقتضي أن نقدم الفرض على النافلة، والمتعدى النفع على اللازم والكلي على الجزئي.
إن معرفة الأولى و إنجازه وتقديمه على ما هو دونه في الأولوية، أمر في غاية الأهمية وغيابه يوقع الناس في الكثير من السلبيات التي من أهمها:
أولا: الاستغراق بالجزئيات والتفاصيل والانشغال بها عن الكليات والعجز عن رد الجزئيات إلى كلياتها والفروع إلى أصولها، وفهم العلاقة الدقيقة بينها.
ثانياً: تقديم النوافل على الفرائض، أو التحسينيات على الحاجيات، أو الحاجيات على الضروريات في مختلف جوانب الحياة وذلك لافتقاد المنهجية الهادية والافتقار إلى التفكير العلمي الرصين، والنظر الموضوعي المنضبط.
ثالثاً: الميل إلى تجاوز الأسباب، وعدم الحرص على الأخذ بها اعتماداً على متوهَّمٍ مع تجاهل أن الارتباط بين الأسباب والمسببات ارتباط سُنن (ولن تجد لسُنة الله تبديلاً)[1]، (ولا تجد لسنتنا تحويلا)[2].
رابعاً: عدم التفريق بين الحق والرجال، الأمر الذي يؤدي إلى رفض الحق إن جاء من غير ثقة، أو قبول الباطل إن صدر من ثقة، وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه، فإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم)[3].
خامساً: الخلط بين ما هو ثابت وما هو متغيّر، فكثير من المتغيرات أصبحت ثوابت نسبة لذيوعها، وكثير من الثوابت حُوّلت إلى متغيرات نسبة للجهل بها.
سادساً: عند غياب أسبقيات الفهم تحدث ممارسات خاطئة كثيرة تنطلق من اضطراب المفاهيم وبعدها عن الوسطية، فقد يختلط على الإنسان مفهوم (التهور) بمفهوم (الشجاعة)، ومفهوم (البخل) بمفهوم (الاقتصاد)، ومفهوم (الكرم) بمفهوم (الإسراف) وتنعدم المساحات الفاصلة بين هذه المفاهيم وتضمحل.

ثانياً مرحليات البناء:

فغاية الدعوة إلى الله هي الوصول إلى المثل الأعلى والوجه الأسنى لتطبيق الدين في واقع الناس، لكن النظرة الوسطية تدعو لمعرفة الواقع المعيش والتفكر في مرحلية التدرج به من حاله التي هو عليها إلى الحالة المنشودة والغاية المبتغاة.

المرحلية تتطلب منا أن نعرف أولوياتنا و نرتب أسبقياتنا حتى لا يكون السعي بعيداً عن الواقع، عديم التأثير، صادا عن سبيل الله، بعيداً عن روح الإسلام وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فالصلاة والصيام والزكاة كلها مرت في فرضها بمراحل حتى استقرت على الوضع الذي انتهت إليه، وتحريم الخمر و استئصال الرق كل ذلك روعي فيه التدرج والمرحلية، ومما قرره العلماء أن التطبيق العملي للشريعة الإسلامية يجب أن يراعي فيه التدرج بخلاف الفكرة التي يطلب فيها الشمول والإحاطة. وفرق بين النظرية والتصور، والتطبيق والإنفاذ.

ثالثا: تكامل في السلوك:

فالإسلام وسط في الأخلاق والسلوك بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكاً فوضعوا له من القيم والآداب ما لا يمكن أن يدركه، وبين غلاة الواقعيين الذين حسبوه حيواناً فأرادوا له من السلوك ما لا يليق به، فأولئك أحسنوا الظن بالفطرة الإنسانية فاعتبروها خيرً محضاً، وهؤلاء أسأوا بها الظن فعدوها شراً خالصاً "[4] والإنسان إنما هو قبضة من طين، ونفخة من روح، أودع الله – - جل وعلا - فيه عقلاً وجسداً وروحاً، وجعل غذاء العقل المعرفة، وغذاء الجسد الطعام، وغذاء الروح التزكية، كما أوجد له - سبحانه -: باهرات المعارف، وطيبات الطعام،وزاكيات العبادات،وراقيات السماع، والعاقل من يضرب في كل غنيمة بسهم، ويقطف من كل بستان زهرة، ويلبي حاجة الفطرة بما أمر الله، والمقصر من يضيّع حاجة من حاجات الفطرة فيختل بناؤه ويضطرب تكوينه.

وفي واقعنا المعيش من يرى المجتمع المسلم مجتمع نسك وعبادة وجد وعزم وحسب، لا يصح لسنٍّ فيه أن تضحك ولا لبهجة أن ترتسم على وجوه الناس، كما يوجد أولئك الذين أذابوا الحواجز بين المشروع والممنوع، والحلال والحرام. فجعلوا الحياة لهواً، وأهدروا العمر سدى، والحق وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، و دعوة للتوسط في الأخلاق والسلوك، وقد تبدت هذه الوسطية في صفات عديدة منها

• الدعوة للتوسط في المشي بين التباطؤ والهرولة(واقصد في مشيك).

• والتوسط في الحديث بين خفض الصوت وارتفاعه (و اغضض من صوتك).

• التوسط في الإنفاق بين الإسراف والتقتير(والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)[5].

• التوسط بين الإسراف في المباح وبين الانقطاع عنه (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)[6].

• والتوسط في المعاش بين الارتماء في أحضان الدنيا و بين الرهبانية المنقطعة: (وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا)[7]، (ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة)،(وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين).

هذه كلمات حول وسطية منهج الإسلام، وما التوفيق إلا من عنده، عليه توكلنا وإليه ننيب.

- - - - - - - - - - - - - - - - -
[1] الفتح 23.
[2] الإسراء 77.
[3] الأحقاف 11.
[4] الخصائص العامة للإسلام، د. يوسف القرضاوي، ص126.
[5] الفرقان67.
[6] الأعراف 31.
[7] القصص 77.

 

نزارمحمدعثمان
  • البحوث
  • المقالات
  • الردود الصحفية
  • قصائد وأشعار
  • في الأدب الإسلامي
  • برامج إذاعية
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية