اطبع هذه الصفحة


سر النجاح

نزار محمد عثمان


3- ما هو المهم في حياتنا؟

 

مدخل:

قالوا إن بلداً من البلدان وضع قانوناً أن من يتملّكْ أمر هذا البلد خمس سنين يكن من حق أهله بعد ذلك أن يقصوه إلى مكان سحيق في صحراء قاحلة لا نبات فيها ولا ماء.

وأضرب طلاب الملك والحكم عن امتلاك هذا الكرسي الذي سيقذف بهم بعد هذه الفترة من الزمن إلى أودية الهلاك في جوف الصحراء. ولكن رجلاً حكيماً فطناً تقدم بطلب هذا المُلْك وقبول هذا الشرط، على أن يطيعوه مادام فيهم حاكماً ولا يخالفوا له أمراً، وأجابوه إلى ما طلب وبايعوه بالملك وسلّموه صولجانه وتاجه وأقبلوا عليه مطيعين. بيْدَ أنه لم يلتفت إليهم ولم يشتغل بإقبالهم ولكنه جعل أول رحلاته إلى هذه الصحراء يعاين بنفسه المكان الذي سيصير إليه ويفكر في المصير الذي ينتظره.

وعاد من رحلته، فكان أول ما أصدر من تعليمات أن وقع ثلاثة مراسيم أولها: بأن يُجْمع البناءون من كل مكان ليقيموا في هذه الصحراء عمائر ومساكن وبنايات وثانيهما: بأن يُحشد البستانيون من كل مكان كذلك ليغرسوا فيها حدائق وجنات.

وثالثهما: للمهندسين من كل فن أن يشقوا إليها الترع والجداول والأنهار، ويستنبطوا الماء من العيون والآبار. ولم يمض قليل من الوقت حتى تمَّ ذلك كله، وأنشئت مدينة بديعة الصنع رائعة الجمال مستكملة لشرائط المتعة والترف وصنوف النعيم والإيناس. ومضى الوقت المحدود ودقت الساعة المنتظرة وجاء أهل البلد يهرعون ليروا مصير أميرهم وليسوقوه إلى حيث ينتظره الويل والهلاك، وما كان أشد دهشتهم وأعظم حيرتهم حين رأوه قد انتقل من الخراب إلى العمران، فملّكوه البلدتين وفاز بالحسنيين، ذلك مثلنا في الحياة الدنيا وفي الآخرة. حبذا لو وعيناه فعقلناه وعملنا بمقتضاه. [الإمام حسن البنا، مجلة الأمانة، العدد الأول نوفمبر 1946م].

وضوح الغاية بَوْصَلَة الطريق:

هل حدث أن شاركت في غسل ميت؟ هل رأيت كيف يبدو الشخص الميت؟ وكيف هي مشاعر من حوله من الأهل والأقارب؟ هل حدث أن فكّرت لحظتها في حياتك وأعمالك؟ وما هو المهم أو غير المهم بالنسبة لك؟

أهمية وضوح الغاية في ذهننا أننا سنحرص على أن ما نفعله اليوم أو الغد أو في الشهر القادم أو ما فعلناه بالأمس لا يتناقض مع ما نريد أن ننتهي إليه .. وضوح الغاية هو البوصلة التي توضح لنا الطريق، هل حِدْنا عنه أم حافظنا عليه؟ قال رجل لسفيان بن سعيد الثوري: "ذهب الناس يا أبا عبد الله وبقينا على حُمُرٍ دُبُر" (يريد على دواب متعبة)، فقال له سفيان: "ما أحسنها لو أنها على الطريق. يعني:أنّ تأكُّدنا من صحة الطريق أهم من سرعة سيرنا في الطريق.

كثير من الناس في زحمة الحياة يتحرك ويجري ويصعد ويصعد ليكتشف أخيراً أن السلم الذي صعده يستند إلى حائط غير الذي يريد ويؤدي إلى قمة غير التي يطلب.

بعض الناس يجدون أنهم قد أنجزوا إنتصارات وهمية، وحققوا نجاحات زائفة، وضحّوْا لأجل ذلك بأقيم ما يملكون وهم لا يشعرون.

يجب أن نتذكر دائماً أنه إذا لم يكن السير في اتجاه الغاية التي نريد؛ فإن كل خطوة ستبعدنا أكثر، وستقودنا إلى المكان الخاطىء أسرع.

الأشياء توجد مرتين:

- كل الأشياء توجد مرتين .. إيجاد ذهني في العقل أو الورق، ثم إيجاد حِسِّي في أرض الواقع. مثال لذلك: البيت يكون أولاً خريطة ثم بناءً. وتُحسب الكميات والمقادير والتكلفة قبل البداية ثم بعد ذلك يُشرع في البناء.

- يجب أن تتأكد أن الإيجاد الذهني يوافق ما تريد قبل أن تبدأ الإيجاد الحسي أو الفعلى. وأن تستفيد من قانون النجارة: "قِسْ مرتين واقطع مرة واحدة".

- الخطأ في أكثر الأوقات يكون في الإيجاد الأول، الأمر الذي يرتِّب أخطاء كثيرة في الإيجاد الثاني.

- الإيجاد الأول لا مفرَّ منه ولا يمكن ان نُغفِله أبداً، وإن لم نتحمل مسؤولية اختياره فسيفرض علينا من (( الواقع، الأسرة، تجاربنا السابقة، ... إلخ)).

الإدارة والقيادة:

- وضوح الغاية يقوم على القيادة الشخصية .. قيادتنا لأنفسنا. القيادة هي الإيجاد الأول بينما الإدارة هي الإيجاد الثاني ((ستُناقش في المقال القادم بإذن الله)).

- الفرق بين القيادة والإدارة هو أن الإدارة هي فعل الأشياء بصورة صحيحة بينما القيادة هي فعل الصحيح من الأشياء.

- الإدارة هي أن تتسلق السلم بصورة فعالة والقيادة هي أن تتأكد أن السلم يستند إلى الحائط الصحيح.

- القيادة صعبة لأن كثيراً من القُوّاد يقومون بالإدارة وهم يظنونها القيادة.

- كثير من قادة العمل الإسلامي يقعون في فخ الإدارة ... يستغرقهم تنفيذ جزئيات صغيرة، بدلاً من حمل البوصلة، وتوجيه المديرين، والتخطيط لبلوغ الغاية.

- كل إنسان له نصيب من القيادة أدناه قيادة نفسه، وكثيرون هم الذين يقعون في فخ الإدارة يتحركون وينجزون قبل أن يفكروا هل هذا ما يريدونه أم لا؟!

صياغة أهدافنا:

أفضل وسيلة لوضوح الغاية في الذهن هي تدوين رسالتنا في الحياة والتي يجب أن نركز فيها على:

(1) ماذا نريد أن نكون (الشخصية)؟

(2) ماذا نريد أن نفعل (الإسهام والإنجاز)؟

(3) المبادئ التي تقوم عليها الشخصية والإنجاز.

رسالتنا في الحياة أشبه بالدستور الشخصي الذي يجب أن ترجع إليه كل التصرفات وتصدر عنه كل الأفعال ولا يُخالَف أو يُتجاهَل .. ولا تصدر قرارات تخالفه ...ولا يستطيع الناس مواكبة التغيير إذا لم يكن هناك جزء لا يتغير بداخلهم.

مفتاح التغيير هو الشعور الحي الذي لا يتغير في نفسك ((من أنت؟ وما مبادؤك؟)).

في المركز:

- لأجل كتابة رسالتنا في الحياة يجب أن نبدأ بمركز دائرة تأثيرنا لأنه يمثل تصوراتنا الأساسية. ماذا نجد في مركز دائرة تأثيرنا؟

- مهما يكن من شئ هناك، فإنه مصدر أمننا وهدايتنا وحكمتنا وقوتنا.

- لكلٍّ مِنّا مركز تتمحور حوله تصرفاته ويؤثر على الأشياء الأربعة المذكورة سابقاً. وحتى تتّضح الصورة دعنا ننظر إلى هذه الأمثلة.

من كان مركزه الأسرة: أمنه وأهميته تنبع من سمعة العائلة وعاداتها وتقاليدها ويتألم لأقل شئ يمس سمعة العائلة وعاداتها.

من كان مركزه المال: الأمن الاقتصادي والاستعداد مادياً للمستقبل هو الأساس وما سواه لا يهمّ .. يحارب ويقاتل كل ما يشكل خطراً على أمنه الاقتصادي وتنبع أهميته مما عنده من ثروة.

من كان مركزه الوظيفة: العمل عنده فوق الصحة والعلاقات الاجتماعية..حكمته وقوته يستمدها من وظيفته وإيمانه بها لذلك غالباً ما تجده غير فعّال في جوانب الحياة الأخرى.

من كان مركزه الممتلكات: الممتلكات العينية، نوع السيارة وموديلها والبيت والأثاث والممتلكات الحسية كالشهرة والمجد والمكانة الاجتماعية .. هاجس ضياع هذه الأشياء يقلقه .. وهاجس الحفاظ عليها يجعله في جري لاهث مستمر لإدراكها ويعزله عن الحياة الحقيقية.

من كان مركزه المتعة واللذة: التلفزيون والفيديو والرحلات والنساء والجنس هي همُّه، وكل ما أدرك لذة ملّها وتطلّع إلى ما هو أعلى منها وأفحش... فسيظل يلهث ويلهث إلى موته.

من كان مركزه نفسه: وهذا هو أكثر أنواع المراكز شيوعاً... الأنانية هي طبيعته يريد أن يأخذ ولا يعطي .. إن البحر الميت هو الذي يأخذ ولا يعطي لذلك هو راكد ساكن.

من كان مركزه القرآن: وهذا هو المؤمن الصادق، القرآن الذي يمشي على الأرض، لا يجد الأمن والراحة والسكينة إلا في اتباع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

ما هو مركزك؟

من السهل أن تعرف من حولك، هذا مركزه كذا، وهذا مركزه كذا، لكن من الصعب أن يعرف الإنسان مركزه هو إلا بالتجرد والمراقبة. ومما يساعد على ذلك أن تعرف على ماذا تبني حياتك؟ ما مقومات وجودك "أمنك، هدايتك، حكمتك، قوّتك"؟ عادةً ما يكون للشخص أكثر من مركز واحد وربما يتغير مركزه من مرحلة إلى أخرى.

إجعل مركزك (القرآن)!

عندما نجعل حياتنا ترتكز على القرآن فإننا ننمي مقومات وجودنا الأربع: فأمننا يأتي من معرفتنا أن مبادئ القرآن ثابتة لا تتغير ويمكن الاعتماد عليها فهي لن تطلقنا أو تهرب منا، وهي لا تعتمد على سلوك الآخرين.

هدايتنا وحكمتنا: تنبع من أننا نحمل الخرائط الصحيحة ونملك العقلية الصحيحة والتصور الصحيح، لذلك سلوكنا وقراراتنا ستكون صحيحة.. تنبع من المبادئ الصحيحة.

قوتنا: سيكون مصدرها معرفتنا بأنفسنا ومسؤوليتنا وبالعواقب الطبيعية لالتزامنا بمبادئ القرآن.

مبادئ القرآن تحفظ التوازن وتضبط النسب:

إن الإسلام هو دين التوازن، والدعوة إلى وضع كل هذه المراكز في موضعها الصحيح وضبط النسب بينها، يقول الأستاذ محمد المبارك: ((وإلى جانب خاصية الوحدة في نظام الإسلام خاصية أخرى لا تقل شأناً وهي ضبط النسب بين جوانب الحياة وقيمها، فالمال واللذة والمعرفة والقوة والعبادة والقرابة والقومية والانسانية قيم من قيم الحياة، والإسلام جعل لكلٍّ منها موضعاً في نظام الحياة ونسبة محدودة لا تتجاوزها، حتى لا تطغى قيمة على قيمة)). إذاً الاسلام يضع كل المراكز الأخرى في موضعها الصحيح.

عندما ترتكز على مبادئ القرآن في اتخاذ قرارك في حركتك وسكنتك، فقد تصدر عنك قرارات تشترك فيها مع بعض من يرتكزون على مراكز أخرى، لكن الفرق سيكون في الآتي:

1- لم يحركك رأي شخص أو ظرف بل اخترت أنت ما تراه صواباً.

2- أنت تعلم أن قرارك هو الأصوب لأنه مؤسس على مبادئ وسيؤتي ثماره على المدى البعيد.

3- اختيارك سيكون له مذاقه وذكراه وارتباطه بالمبدأ الذي أسس عليه.

4- ستنقل مبدأَك إلى من هم حولك بصورة عملية.

5- ستكون مرتاحاً لقرارك غير قلق لأن المبادئ معها الأمن والهداية والحكمة والقوة.

النظرة الكلية:

- أحياناً يجبرنا موت عزيز أو مرض خطير أو أزمة مادية كبيرة على أن ننظر لحياتنا نظرة كلية، لكن الشخصية المسؤولة لا تحتاج إلى العوامل الخارجية لإحداث التغيير بل يمكن ذلك عن طريق الآتي:

[أ] التخيل والتصوير: أن تتخيّل مواقف الحشر وكيف سيكون حالك، أن تتخيل موقفك بين يدي ربك، وماذا سيقول لك، أن تتذكر لحظات الموت وما سيحدث فيها، كان بعض السلف يدخل القبر ويحاسب نفسه.

[ب] قصر الأجل: تخيّل أنه لم يبق لك في الحياة إلا أيامٌ معدودات.. كيف ستعامل الناس؟ ما هي أولوياتك؟ كيف ستستغلُّ وقتك.

تعهّد والتزم:

يجب أن نضع النظرة الكلية للأمور دائماً في ذهننا، ويجب أن نكتب التزامات وتعهدات، والتعهد المُجْدي هو الذي يحوي خمسة عناصر .. (شخصي، إيجابي، في الزمن الحاضر (مضارع )، يمكن إدراكه وتصوره، عاطفي).

مثال: "إنه مما يرضيني (عاطفي) أنا (شخصي) فلان بن فلان أن ألتزم (مضارع) الحكمة والجدية والسيطرة على النفس (إيجابي) عندما يخطئ الآخرون في حقي أو يتصرفون تصرفاً غير لائق" ... بعد ذلك يمكن أن تتصور الآخرين وهم يفعلون أفعالاً تغضبك وتثيرك ثم تتخيل كيف ستقابلها بما لا يخل بالتعهد السابق.

تمييز الأهداف والأدوار:

- لكلٍّ منا أدوارمختلفة في حياته: دوره كشخص، كأب، كزوج، كداعية، كموظف ...الخ. وكثيراً ما يجرف حُبُّ النجاح في الوظيفة أو الحياة العامة الإنسان بعيداً من كونه أباً وشخصاً يجب عليه أن ينجح في كل ذلك، ويحفظ توازنه.

- أن رسالتك في الحياة ستكون أكثر شمولاً إذا قُسِّمت إلى أدوار ثم وُضع لكل دور أهدافه البعيدة والقريبة.


 

نزارمحمدعثمان
  • البحوث
  • المقالات
  • الردود الصحفية
  • قصائد وأشعار
  • في الأدب الإسلامي
  • برامج إذاعية
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية