اطبع هذه الصفحة


المدارس الأدبية والنظرية الإسلامية

نزار محمد عثمان

 
نتيجة لتلاقح الثقافات الأوربية والعربية فقد تأثرت حركة الأدب العربي كثيرا بنظيرتها في العالم الغربي وفي أوربا على وجه التحديد فدخلت الأدب العربي فنون لم تكن موجودة من قبل وان وجدت ففي إطار بدائي ضيق كفني القصة والمسرح ونتيجة للتقدم التقني الذي أضفى على المجتمعات الأوربية نوع من الحضارة والرقي اقبل المثقفون العرب على دراسة الأدب الأوربي ونقله إلى العربية دون تمييز بين غث وسمين أو صالح وطالح .. وكان من ضمن ما انتقل إلى الأدب العربي ما يعرف بالمدارس أو المذاهب الأدبية كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية والسريالية وغيرها .

نشأة المدارس الأدبية :

وقبل أن نتحدث عن هذه المدارس يجدر بنا ان نتحدث عن نشأتها واثار البيئة عليها فمن المعروفان هذه المصطلحات ولدت في ظروف خاصة وارتبطت بمناسبات وأيديولوجيات ولغات معينة بدأ ذلك منذ الإغريق بتصوراتهم الدينية والأسطورية والفلسفية وكما قال الدكتور محمد مندور فان تلك الفنون " كانت تستمد موضوعاتها من أساطير الآلهة الوثنية أو من حياة أو من حياة الملوك والابطال ويقوم الصراع فيها بين بطلها وبين القدر في أغلب الأحيان على نحو ما نرى في مأساة اوديب (ترجمة طه حسين ) .. اذ يطارد القدر أوديب بعد ان قضت عليه الآلهة الظالمة ان يقتل اباه ويتزوج من أمه !! وفي مأساة بروميثيوس الذي أتى البشر بقبس من الشمس (المعرفة) فغضب كبير الآلهة اليونان عليه لاختلاسه لهذا القبس فامر اله الحدادين بتعذيبه حتى أنقذه بطل من بني الانسان اسمه هرقل ..الخ فهذه هي البيئة التي بدأت فيها نشأة المدارس الأدبية واستمر توالد هذه المصطلحات الفنية حتى وصلت إلى صورتها المعروفة الآن .. وطيلة فترة توالد هذه لم تسلم من اثر البيئة فيها فالصراع الذي دار بين أهل العلم ورجال الكنيسة ونظرة النصارى ان الانسان صاحب خطيئة اصيلة لا سبيل له للفكاك منها .. وهزال الجانب الروحي في الحضارة المادية الاوربية وغيرها .. أثرت تاثيرا كبيرا في تشكيل هذه المدارس واذا قارنا المجتمع العربي بهذه المجتمعات نجد انه لم يعش هذا الفصام ولم ترج فيه هذه العقائد الفاسدة اذا فواقعنا غير واقعهم وبيئتنا غير بيئتهم .

دلالات المدارس الأدبية :

لعل من العسير على المرء أن يصف أحد المذاهب الأدبية في كلمات قلائل إذ أن العلماء الموسوعيين لم يستطيعوا ذلك مثلا قالوا عن معنى المذهب الرومانسي الرومانتيكي مصطلح له تاريخ بالغ التعقيد كما أن له – دون مبالغة – ما لا يحصى من الدلالات والمعاني ) ولقد لاحظ الباحث الأمريكي لاتسجوي ذات مرة ان لكلمة رومانتيكي من المعاني ما جعلها لا تكاد تعني شيئا بالتحديد كما أن (بارزوني) لاحظ أن هذا المصطلح قادر على أن يدل على كل ما يريده أي كاتب من المعاني فهو يدل على جذاب تحفظ –عاطفي – خيالي –غامض – جمالي – انعزالي ..الخ (إلى نهاية القائمة الطويلة ) .
وهذا الغموض في المعنى لا يكتنف الرومانسية وحدها فنجد الواقعية مثلا لا تقل تعقيدا فهي كما قال عبد الله خليفة " مفهوم ذاتي وليس وجودا وكيانا موضوعيا انه مجرد تصور وليس مجتمعا وبهذا تنتفي إمكانية فهمه بشكل علمي موضوعي وكما قال قاسم حداد " لأن الواقع لا يمثل كيانا ثابتا ذا بنية متماسكة وانما هو مفهوم في غاية التعقيد والتشابك ستتعدد أبعاده واتجاهاته وتضاريسه المرئية وغير المرئية ومن التصورات والرؤى المتعددة المتناقضة وكما قال الدكتور نجيب الكيلاني : وجدنا عشرات المعاني المتناقضة المتعنتة أحيانا لهذا المصطلح فنجد الواقعية السوداء والواقعية الاشتراكية والواقعية المثالية والواقعية العلمية ..الخ ) .
وليس المشكلة في تعقيد معنى هذه المصطلحات ولكن المشكلة في مخالفة بعض جزئيات هذه المدارس للنظرة الإسلامية الصحيحة .. وفصل الأدب عن المباديء الاخلاقية والدعوة للهرب والانزواء والانطواء والعقد النفسية وصبغ الحياة باللون القاتم والكآبة والحزن بلا مبرر وغيرها من الافكار التي تتزعمها الرومانسية واثارة الشهوات واحتقار الاديان والنظرة المادية البحتة والارتباط بالماركسية وتوجيه الآداب لها وغيرها من النظرات التي يروجها المذهب الواقعي .. كل هذا ليس من الاسلام في شيء .
قد يقول قائل : إن كثيرين من الأدباء المسلمين صنفوا تحت هذه المدارس فالبارودي واحمد شوقي والعباسي وغيرهم عدوا قائمة من أئمة المذهب الكلاسيكي والشابي وغيره وضعوا في المدرسة الرومانسية وهكذا نقول إن هؤلاء الأدباء لم يقولوا انهم تبع لهذه المدرسة او تلك وانما وضعهم بعض النقاد وان هؤلاء الأدباء نشأوا في ظل يقظة إسلامية ولم يكن التزامهم بهذه المدارس التزاما كاملا وانما شاركوها في بعض جزئيات لا تتعارض مع الاسلام في كثير وحاول بعض النقاد ان يلبسوا هذه المدارس ثوبا عربيا إسلاميا ولعل لهم عذراً في انهم كانوا في بداية النهضة الأدبية وكما قال الدكتور نجيب الكيلاني : اننا جميعا نردد هذه المصطلحات ونحاول ان نلبسها الزي العربي الاسلامي واذا كان هذا اضطرارا في بداية النهضة الادبية فانه اليوم بات حراما ان صح التعبير وعلينا ان نجد في البحث عن مصطلحات جديدة بدلا من الكلاسيكية والرومانسية والواقعية أو غيرها .

المراجع :

1. الأدب وفنونه – د. محمد مندور
2. خصائص الأدب العربي – أنور الجندي
3. مدخل إلى الأدب الاسلامي – د. نجيب الكيلاني
4. الملامح العامة لنظرية الأدب الاسلامي


 

نزارمحمدعثمان
  • البحوث
  • المقالات
  • الردود الصحفية
  • قصائد وأشعار
  • في الأدب الإسلامي
  • برامج إذاعية
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية