اطبع هذه الصفحة


المظاهرات لتأييد الأحزاب السياسية

د. سعد بن مطر العتيبي

 
السؤال  :
موضوع التظاهر والاشتراك مع الجماعات الاهلية، وذلك لأظهار الاعتراض على القمع والاستبداد في البلد، كما حصل في مصر قبل شهور. هل هذا العمل يجوز شرعاً؟ وإلى أي مدى يمكن أن تكون المشاركة، هل يمكن أن نتوقف عن العمل كالإضراب أو الاعتصام مع العلم بأن هذه الحركات قد تشترك فيها النساء، وأحيانا غير المسلمين؟

الجواب  :
الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله .. أما بعد:
فإن التظاهرات وسيلة من الوسائل التعبير الشعبي والضغط السياسي ، وهي ذات أهداف وأغراض متعددة ، فقد تكون نتيجة قرار أهلي داخلي ، مثل أن يكون الغرض منها التعبير عن رفض التدخلات الأجنبية لمنعها أو التأثير على متخذي القرارات فيها بإعادة النظر في سياساتهم الخارجية، ومثل ما لو كان الغرض منها رفض الظلم والاستبداد الذي تجاوز الحد الذي يمكن تحمله ، أو الاعتراض على بعض القرارات الخطيرة التي تتأثر بها الأمة سلباً، ونحو ذلك .

وقد تكون المظاهرة بإيعاز وتحريك أجنبي داخلي أو خارجي يُستَغَل فيه المجتمع الأهلي أو بعض طوائفه ونقاباته من قبل بعض المنظمات أو الأحزاب التي ترتبط بالأجنبي بصورة ما .

ثم هي إما أن تكون قانونية تسمح بها أنظمة البلد أو قوانينه أو ليست قانونية فتمنهعا ؛ فإن كانت من وسائل الضغط التي لا تخالف قانون البلد وأنظمته ، ولم تتضمن أمراً محرما كالمطالبة بما لا تشرع المطالبة به ، أو الاعتراض على ما لا يشرع الاعتراض عليه أو تضمنت قرارات ترخصها أو تنظيمها ما لا يحل - كالاختلاط أو القيام بأعمال محرمة كالاعتداء على الأموال العامة أو الخاصة أو المتاجر ، أو القيام بأعمال شغب تؤدي إلى وقوع ضحايا بين معصومي الدماء والأموال من المسلمين وغيرهم – إذا خلت من هذه المحاذير ، فإنها حينئذ تعد من مسائل السياسة الشرعية التي يرجع في بيان حكمها إلى أهل العلم في البلد الذي يراد إقامتها فيه ، ويفتى فيها بعد النظر والتأمل فيما يتوقع من جلب المصالح ودفع المفاسد ، وما يؤمل بها أو يخشى منها في الحال والمآل .

ومن ذلك حكم التعاون في ذلك مع المواطنين من غير المسلمين كالأقباط ، بشرط أن لا يتضمن الاتفاق معهم محذوراً شرعياً ، وأن تكون قيادة أهل الإسلام لممثلي المسلمين لا لغيرهم .

ولعل مما يفيد في هذه المسألة الأخيرة ، ما أوردته في جواب سابق من فتاوى منها : ما جاء في فتاوى للجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية ، في حكم الانخراط في الأحزاب السياسية ، ومن بين الأحزاب السياسية، إما تابعة لروسيا أو تابعة لأمريكا ، أمثال : حزب التقدم والاشتراكية ، و حزب الديمقراطية ... ما نصه :

" الجواب : الحمد لله .. من كان لديه بصيرة في الإسلام وقوة إيمان وحصانة إسلامية وبعد نظر في العواقب وفصاحة لسان ، ويقوى مع ذلك على أن يؤثر في مجرى الحزب فيوجهه توجيهاً إسلامياً ، فله أن يخالط هذه الأحزاب ، أو يخالط أرجاهم لقبول الحق ؛ عسى أن ينفع الله به ، ويهدي على يديه من يشاء فيترك تيار السياسات المنحرفة إلى سياسة شرعية عادلة ينتظم بها شمل الأمة ، فتسلك قصد السبيل ، والصراط المستقيم ، لكن لا يلتزم مبادئهم المنحرفة .

ومن ليس عنده ذلك الإيمان ولا تلك الحصانة ويخشى عليه أن يتأثر ولا يؤثر ، فليعتزل تلك الأحزاب ؛ اتقاء للفتنة ومحافظة على دينه أن يصيبه منه ما أصابهم ، ويبتلى بما ابتلوا به الانحراف والفساد . ( فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء : 12/384 ) .

بل ترى اللجنة الدائمة أن من " أمن على نفسه من الفتنة في دينه ، وكان حفيظاً عليماً يرجو الإصلاح لغيره ، وأن يتعدى نفعه إلى من سواه وألا يعين على باطل ، جاز له العمل في الدول الكافرة ، ومن هؤلاء يوسف _عليه الصلاة والسلام_ ، وإلا لم يجز " (فتاوى اللجنة :2/75) .

كما أجابت اللجنة على سؤال عن حكم مشاركة المسلم للنصراني في العمل السياسي والاجتماعي ، بما يلي : " تجوز مشاركة المسلم للنصراني فيما لا يخالف شرائع الإسلام " (فتاوى اللجنة :1/547)

وخلاصة القول : إن المسألة بالقيود المذكورة تعد من مسائل السياسة الشرعية ، والمرجع فيها فتوى العلماء الربانيين في البلد الذي يحتاج فيه إليها ؛ والله _تعالى_ أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

 

د.سعد العتيبي
  • مقالات فكرية
  • مقالات علمية
  • أجوبة شرعية
  • الصفحة الرئيسية