اطبع هذه الصفحة


حول دراسة القوانين الوضعية وتدريسها

د. سعد بن مطر العتيبي


بسم الله الرحمن الرحيم

حول دراسة القوانين الوضعية وتدريسها (1/2)
الجمعة 25/05/2012


هذا السؤال صدر آنذاك من طالب علمٍ- كما صرّح الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله- ومن ثمّ فهو سؤال ينبثق من فهم خاص لخلفية الموقف الشرعي..

قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتحديدا في 3/5/من عام1397هـ الموافق لعام 1977م، ورد سؤال للعلّامة مفتي عام المملكة العربية السابق الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله، لخصه هو رحمه الله بقوله: "السؤال عن حكم من درس القوانين الوضعية أو تولى تدريسها هل يكفر بذلك أو يفسق؟ وهل تصح الصلاة خلفه؟"

هذا السؤال صدر آنذاك من طالب علمٍ- كما صرّح الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله- ومن ثمّ فهو سؤال ينبثق من فهم خاص لخلفية الموقف الشرعي العام لعلماء الإسلام من القوانين الوضعية، أي المخالِفة للشريعة الإسلامية. وموقف علماء الإسلام تجاه القوانين الوضعية، لخصه العلامة المفتي الأسبق الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في رسالته: (تحكيم القوانين). وكذا الشيخ ابن باز رحمه الله في رسالته: (وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه)، إضافة إلى عدد من المؤلفات والفتاوى الصادرة عن عدد من كبار علماء الإسلام في عدد من الأقطار آنذاك.

غير أنَّ السؤال ذاته لم يكن عن حكم القانون الوضعي كما هو واضح، وإنَّما كان عن حكم دراسة القانون الوضعي وتدريسه والآثار المترتبة على ذلك كما سبق. ويهمني هنا: الحديث عن خلاصة الفتوى فيما يتعلق بدراسة القانون وتدريسه، في القسم الجائز الذي لا حرج فيه دون غيره؛ لأنَّ المراد هنا بيان الأغراض المشروعة، التي حرّرها الشيخ رحمه الله باجتهاد علمي موضوعي مقاصدي أصيل، وفي وقتٍ مبكّر؛ ومن شاء التفصيل، فيمكنه الرجوع لنص الفتوى في المجلد الثاني من (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبد العزيز بن باز) رحمه الله.

بدأ الشيخ رحمه الله فتواه بتأكيد المبدأ المتفق عليه، بوصفه مدخلاً مهماً لصياغة جواب علمي مقنع للسائل ولغيره ممن قد يشكل عليهم الأمر؛ وذلك بقوله رحمه الله: "لا ريب أن الله سبحانه أوجب على عباده الحكم بشريعته والتحاكم إليها، وحذَّر من التحاكم إلى غيرها، وأخبر أنه من صفة المنافقين، كما أخبر أنَّ كلَّ حكم سوى حكمه سبحانه فهو من حكم الجاهلية، وبين عزّ وجلّ أنَّه لا أحسن من حكمه، وأقسم عزَّ وجلَّ أنَّ العباد لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً من حكمه بل يسلموا له تسليماً، كما أخبر سبحانه في سورة المائدة أنَّ الحكم بغير ما أنزل كفر وظلم وفسق، كلّ هذه الأمور التي ذكرنا قد أوضح الله أدلتها في كتابه الكريم". ثم أخذ رحمه الله يُفَصِّل في بيان حكم المسألة؛ فذكر أنَّ الدارسين للقوانين الوضعية والمدرسين لها، يختلف حكمهم بحسب أحوالهم؛ فقد قال رحمه الله:

"أمَّا الدارسون للقوانين والقائمون بتدريسها فهم أقسام:
القسم الأول: من درسها أو تولى تدريسها؛ ليعرف حقيقتها، أو ليعرف فضل أحكام الشريعة عليها، أو ليستفيد منها فيما لا يخالف الشرع المطهر، أو ليفيد غيره في ذلك؛ فهذا لا حرج عليه فيما يظهر لي من الشرع، بل قد يكون مأجوراً ومشكوراً إذا أراد بيان عيوبها، وإظهار فضل أحكام الشريعة عليها...". وأخذ يسرد الأدلة على ذلك ، ثم ذكر بقية الأقسام وأدلة حكم كلّ قسم، ونزّل الحكم على الواقعة المسؤول عنها، فبيّن أنَّها من حيث الأصل راجعة للقسم الذي لا حرج فيه.
الذي يهمنا هنا: بيانُ الشيخ رحمه الله، للأهداف المشروعة من دراسة القوانين الوضعية وتدريسها؛ فقد ذكر أربعة أهداف:
الأول: دراستها أو تولي تدريسها؛ لمعرفة حقيقتها.
الثاني: دراستها أو تولي تدريسها؛ لمعرفة فضل الشريعة الإسلامية عليها.
الثالث: دراستها أو تولي تدريسها؛ للاستفادة منها فيما لا يخالف الشرع المطهّر.
الرابع: دراستها أو تولي تدريسها؛ ليفيد غيره في ذلك.
هذا ما سمحت به مساحة المقال، وسأوضّح هذه الأهداف في المقال التالي إن شاء الله تعالى.

 



حول دراسة القوانين الوضعية وتدريسها(2/2)
د. سعد بن مطر العتيبي


سبق في القسم الجائز من فتوى دراسة القوانين الوضعية وتدريسها، للشيخ العلّامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله : النصُّ على الأغراض الأربعة، التي رَبَطَ حكم الجواز بها أو ببعضها، وهنا بيانها بما يحتمله المقام :


الغرض الأول :
دراستها أو تولي تدريسها؛ لمعرفة حقيقتها.
وذلك أنَّ من يدرس القانون في هذه الحال، يُشترط أن يكون ممن لديهم تأهيل شرعي، وهم عادة من خريجي كلية الشريعة، ومن ثمّ فدراستهم للقانون، تفيد في الحكم عليه مثلاً ؛ لأنَّ "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، كما هو معلوم، أي أنَّه لا يحق لأحدٍ أن يحكم على شيءٍ دون أن يكون مؤهّلاً ل، يُدرك حقيقته، ويدرك تكييف هذه الحقيقة شرعاً.


الغرض الثاني :
دراستها أو تولي تدريسها؛ لمعرفة فضل الشريعة الإسلامية عليها.
وهذا داخل فيما يعرف بالدراسة المقارنة ؛ وهي تتطلب كون المقارِن من أهل العلم بالشريعة والعلم بالقانون معاً ، فيما يُجري فيه المقارنة على الأقل ؛ فهذا من شروط الدراسات المقارنة التي نصّ عليها علماؤنا السابقون، كأبي العبّاس ابن تيمية رحمه الله .


وهنا سؤال يتردد كثيراً بين عدد من الشرعيين
، وهو : حكم المقارنة والموازنة بين الشريعة والقانون : هل يُعدّ انتقاصاً للشريعة، لوجود الفارق الكبير بين الشريعة الربانية الكاملة الشاملة، وبين القوانين الوضعية البشرية القاصرة بالنسبة للشريعة؟

وقد أجاب عليه الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله قديماً، بقوله :
"إذا كانت المقارنة لقصدٍ صالحٍ، كقصد بيان شمول الشريعة، وارتفاع شأنها، وتفوقها على القوانين الوضعية، واحتوائها على المصالح العامة، فلا بأس بذلك؛ لما فيه من إظهار الحق وإقناع دعاة الباطل، وبيان زيف ما يقولونه في الدعوة إلى القوانين أو الدعوة إلى أنَّ هذا الزمن لا يصلح للشريعة أو قد مضي زمانها– لهذا القصد الصالح الطيب، ولبيان ما يردع أولئك ويُبين بطلان ما هم عليه؛ ولتطمئن قلوب المؤمنين وتثبيتها على الحق.

لهذا كلّه لا مانع من المقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية إذا كان ذلك بواسطة أهل العلم والبصيرة المعروفين بالعقيدة الصالحة وحسن السيرة وسعة العلم بعلوم الشريعة ومقاصدها العظيمة " .


وهنا -أيضاً- أستطيع أن أقول بكل ثقة
إنَّ أهم الدراسات المقارنة بين الشريعة والقانون ، قام بها شرعيون درسوا القانون ، أو قانونيون درسوا الشريعة بأمانة ، وأنَّه بقدر عمق أصحابها في علم الشريعة والقانون ، بقدر ما تكون أعمق وأقوى في كشف عظمة الشريعة ، وسبقِها في تقرير المبادئ الفقهية المتنوّعة ، وتفوّقها الطبعي على القوانين الوضعية ؛ وقد كشفَت هذه الدراساتُ عظمة الشريعة وخاصّة لمن لم يتعلّمها . وبين يدي العشرات منها .

وقد تنوعت هذه الدراسات القيمة
؛ فمنها –مثلاً- ما اختصّ بمقارنة أصول القانون بالشريعة الإسلامية ، ومن أهمّها : "نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية" للعلّامة الشيخ عبدالكريم زيدان، وهو كتاب قيّم لا يستغني عنه دارس علم القانون .

ومنها
ما اختصّ بمجالٍ فقهيٍّ وفرع قانوني ، ومن أهمها : " التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي"، للشيخ عبدالقادر عودة رحمه الله ؛ وهو من الكتب المتميزة ، ولا سيما مقدمته التي تُقرِّب القانوني من فهم الشريعة ، والشرعي من فهم القانون.

ومنها
ما اختص بمقارنة قانون وضعي في بلد معين بالفقه الإسلامي في مجال معين، مثل: " المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي" قارنَ فيه الشيخُ سيد عبدالله حسين ، خريج الأزهر ثم الحقوق الفرنسية، بين القانون الفرنسي المدني وبين مذهب الإمام مالك في أربعة مجلدات ، وبرهن فيه على تأثّرِ مفاهيم القانون الفرنسي بمبادئ الفقه المالكي ، بأدلة علمية ، لا بعواطف مجرّدة ؛ وقد نُشِرَ أوَّ    ل مرة عام 1366هـ(يوافقه 1947م).

الغرض الثالث :
دراستها أو تولي تدريسها؛ للاستفادة منها فيما لا يخالف الشرع المطهّر.

وهذا ما ينبغي أن يعتني به دارسوا القانون من أبنائنا وبناتنا ؛ ويظهر ذلك في القوانين الإجرائية والإسنادية، التي تتطور بتطور الأمم في حياتها .

كما يظهر في الإفادة من المناهج القانونية الحديثة في طريقة التأليف والتبويب للنظريات والمسائل ، لتقريب الفقه الإسلامي إلى كثير من أبناء العصر ممن يعسر عليهم فهم طريقة المتقدمين التي تتطلب عالما لا مجرد باحث؛ ومن أهمّ هذه الدراسات :" المدخل الفقهي العام" للعلّامة الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله، وهو من الكتب التي ينبغي أن يعتني بها طلاب الشريعة وطلاب الأنظمة.


الغرض الرابع:
دراستها أو تولي تدريسها؛ ليفيد غيره في ذلك.

وتظهر فائدته في الحوارات ، والخطاب الفكري ، و الخطاب الدعوي ، وغيره ..

هذه إشارات ليس إلا ..

وللموضوع جوانب عديدة لا يحتملها المقام..



 

د.سعد العتيبي
  • مقالات فكرية
  • مقالات علمية
  • أجوبة شرعية
  • الصفحة الرئيسية