اطبع هذه الصفحة


حول دعوى عدم تطبيق الشريعة بعد عهد الراشدين (1)

د. سعد بن مطر العتيبي


بسم الله الرحمن الرحيم


قبل ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن، عالج المستشار طارق البشري الموضوع أعلاه في صحيفة (الشعب) المصرية، تحت عنوان: "هل غابت الشريعة الإسلامية بعد عهد الراشدين؟!"؛ ناقش فيه هذه الدعوى، وفنّدها.

وهذا السؤال ذاته، يثار اليوم
، وكأنَّ من يثيره أتى بجديد! شأن كثير من الشبهات المستهلكة، التي يُعاد ضخها في المجتمعات الأكثر محافظة لخلخلتها، بعد أن كُشفت هذه الشبهات في المجتمعات التي نالها التغريب على نحو واسع، بلغ في بعضها حدّ الحصانة.

وقد أوضح المستشار طارق البشري أنَّ هذه الدعوى قد أمعنت في الجحود؛ لأنها تقوم على نكران أصل الوجود التاريخي لتطبيق الشريعة عبر الزمان، وليست مجرد اعتراض على سوء التطبيق في بعض الأحوال أو التجاوز في بعض المجالات ..

قلت: وهذا الإمعان في نفي أصل تطبيق الشريعة خلال تلك القرون التالية لعصر الخلافة الراشدة! جعل هذه الدعوى مكشوفة، فصارت بذلك منكراً من القول وزورا .

وقد بيّن المستشار البشري أن القائلين بهذه الدعوى ثلاث فرق ما بين غلاة، وجفاة، ومتجاوزين في التعبير :


الأولى:
بعض الشباب الذي لا يقبل إلا الجيل الأول للرسالة، وينظرون إلى ما بعده من أجيال باعتبارها أجيالا انتكست بالإسلام والمسلمين .

والثانية:
فريق من العلمانيين الداعين إلى هجر الشريعة الإسلامية، كمصدر لنظام الحياة والمجتمع؛ قطعا للأمة من سياقها التاريخي، ودعماً لدعواهم الباطلة أن الشريعة ليست صالحة للتطبيق، وتبرئة للنظم الغربية من اعتدائها على الأمة وأنها لم تغز ولم تعتد ولا أطاحت بنظام! وقال: ولبعضهم منطق خاص! فهم يثيرون البكاء والعويل والصراخ ألماً من ضياع (التراث) عند شطب أحد الناشرين بعضّ العبارات الجارحة من(ألف ليلة وليلة)!

الثالثة :
بعض الراغبين في الإصلاح، حين ترد هذه الدعوى على ألسنتهم أحيانا - عفو الخاطر- في سياق نقدهم لأخطاء الماضي وتأكيدهم على وجوب إصلاح أحوال المسلمين، دون أن يكوّن ذلك لديهم رأياً وموقفا فكريا .

ثم أطال د. طارق البشري في تفنيد هذه الدعوى وتفكيكها؛ غير أنّي هنا سأحاول ذكر ما يسعه المقال من كشف لزيف هذه الدعوى التي يُكذبها التاريخ، مفيداً مما ذكره المستشار بالنصّ ولو بتصرف، ومن غيره مع شيء من الإضافة والتوضيح ..

وقد نبّه الدكتور البشري إلى قضايا منهجية في النظر في هذه الدعوى، منها : أنَّ هذه الدعوى مع بطلانها تاريخيا، فهي تنطلق من غموض في المنهجية، وجهل بخصائص العهد النبوي والراشدي (وهذه الملحوظة تظهر جلية في الفرقة الأولى السابق ذكرها)؛ ذلك أنّ العهد الأوّل عهد (تشريع) وتأصيل، بينما كل العهود التالية له، هي عهود تطبيق وتجارِب وتاريخ؛ فالعهد النبوي والراشدي، لم يكن مجرد تجرِبة تاريخية، فهو نصوص وأحكام تشريعية في العهد النبوي، وسوابق تشريعية في عهد الخلفاء الراشدين فهي تعلو على ملابسات الواقعة لتحكم ما يتلوها من وقائع، وليست مجرد تطبيق؛ ومقتضى ذلك : أنَّ الشريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ فهذه الفترة تتميز بكونها تشريعا وأصلا، وليست تطبيقا؛ والفرق بينها وبين ما بعدها كالفرق بين الميزان والموزون وما بين الحكم والمحكوم، موضحاً أنَّ القول بأن الإسلام لم يطبَّق بجوهره إلا في هذه الفترة، فيه نوع مصادرة على المطلوب، كالقول بأن التقنين لا يجد كماله الطبيعي إلا في عملية صدوره!

ثم قال المستشار في الفقرة "سابعاً : إذا كان المقصود من أن الشريعة لم تكن مطبقة : الإشارةَ إلى حكومات سلاطين تلك العهود، وأنَّهم لم يكونوا يلتزمون بما فرضه الله من عدل وإحسان، فإنَّ الشريعة ليست نظام حكمٍ فقط؛ والعلاقات القانونية المستمدة من الشريعة، والتي كان الفقه الإسلامي يفرّع التفاريع على أصولها، هذه العلاقات تُغطى كلّ أنواع الأنشطة البشرية في المجتمع شراء وبيعا وإيجارا ورهنا ومضاربة . وهي تُنظّم المراكز القانونية كافّة، في الملكيّة والارتفاق والانتفاع وغيرها. وتُنظّم وسائل عقاب المجرمين والشذّاذ بالحدود والقصاص والتعازير . وتُنظّم علاقات الأسر ودرجات القرابة زواجاً وطلاقاً ونسباً وبنوّة، وما يترتب عليها من آثار كالولاية والميراث والنفقة، إلى غير ذلك من هذه الأوضاع والعلاقات غير المتناهية ...


إذا أنكرنا وجود الشريعة بعد الراشدين، فللمرء أن يسأل :


أي أحكام كانت تطبّق على معاملات النّاس، على هذا الامتداد الجغرافي، وعبر الأزمنة الممتدة؟!
هل كان هناك نظام قانوني آخر؟!
فإن لم يكن، فماذا كان يحدث عندما يبتاع شخص ولو قدحا من شعير، أو يفتح نافذة على جاره، أو يروي زرعه عبر أرض الغير؟!
وأي أحكام كانت تطبّق في الزواج والطلاق والميراث؟!
وبأي عقوبة يُقضى على من سرق أو قتل أو سبّ ابن سبيل؟!
وهذا نظام الوقف، لا تزال حجج ووثائق له موجودة من أيّام المماليك، من أي شريعة غير فقه الإسلام جاء؟!"
.


وقال : "
ونحن عندما نطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، لا نطالب بتسويد(تجرِبة تاريخية) ماضية على حاضرنا، ولكننا نطالب بتسويد الشريعة من حيث هي وضع إلهي وأحكام أصلية، تُستقى منها مباشرة .

وتجارِب التاريخ عن كل الفترات التالية للرسالة، ولما يتعلق بنزولها وإخراج أصولها، هذه التجارب التالية، إنَّما تعرض علينا لنسترشد بها بعد الدرس والفحص، ونأخذ منها ونترك في إطار أصول التنزيل الثابتة المستقرّة لدينا.

ونحن نُدرك أن التطبيق لن يبلغ الكمال قط؛ لأنَّه سيكون من فعل البشر، وخاضعا لظروف الزمان والمكان، أي خاضعاً للتاريخ .

وإنّ أي نظام في التطبيق لا يجد التحقيق الأمثل له. حتى هؤلاء المبهورين بنظم الغرب، لا يجسرون على القول بأنَّها نظم شاهدت اكتمال تطبيقها، سواء النظم الديمقراطية أو الاشتراكية أو غيرها . 


وإنَّ محاكمة الشريعة الإسلامية بذكر الأمثلة من سوءات التطبيق في عصر أو آخر، أمر يمكن الردّ عليه بمحاكمة النظم الوضعية بتطبيقاتها المختلفة، وبيان البون الشاسع بين التصور الأمثل لأي منها وبين واقعها الفعلي . ويكفي أن نُشير إلى نقد تلك النظم بعضها لبعض، وكشف كل منها ما في الأخرى من مثالب، ومعظمها لا يجاوز الحقيقة .


ثم إنَّ هذه المحاكمة تكون أظهر في نتيجتها، إذا نحن نظرنا إلى واقع هذه النظم الوضعية في مجتمعاتنا،منذ حلت بها حتى الآن.


ونحن عندما نضع نظاماً يعتمد على الشرعية الإسلامية كأصل له، ويعتبر الشريعة مصدر الشرعية وأصل الاحتكام، إنَّما نختار أمراً نحن مأمورون به دينيا، ومن جهة أخرى فثمّة جانب إيماني لا نكران له، يقول بوجوب تطبيق الشريعة. ومن ثمة أخرى فثمة اقتناع بأن أصول الشريعة الإسلامية تتضمن الأسس الكافلة بإقامة نظام اجتماعي متحضر ومستقل وناهض وعادل، نظام يستقيم بالاجتهاد والتجديد لجلب المصالح ودفع المفاسد في الأوضاع الاجتماعية المتغيرة
" . 

وللمقال بقية تستكمل فيا يأتي إن شاء الله ..

-------------------------------------------------

المصدر :
http://www.al-madina.com/node/415616/risala


 

د.سعد العتيبي
  • مقالات فكرية
  • مقالات علمية
  • أجوبة شرعية
  • الصفحة الرئيسية