اطبع هذه الصفحة


حول دعوى عدم تطبيق الشريعة بعد عهد الراشدين! (2/3)

د. سعد بن مطر العتيبي


بسم الله الرحمن الرحيم


 [في الجزء الأول من هذا المقال، أوردت شيئا من تفنيد د.طارق البشري للدعوى أعلاه؛ واستكمالاً للموضوع أقول:]

ثم طرح المستشار البشري السؤالين التالييين:


"ما المعيار الذي نسترشد به عندما نقول: إنَّ الشريعة طُبِّقت، أو إنها لم تطبق؟

وما الملامح التي يمكن بالتثبّت منها، نفى أي من الزعمين تأكيده؟

وبين تصوره لتلك الملامح .. ومنها : فكرة الانتماء السياسي للناس بغض النظر عن وحدة السلطة السياسية؛ وهنا ظل الشعور بالانتماء للجماعة السياسية المتصفة بالإسلام قائما من حيث التوجه العام، وذلك على مدى القرون السابقة، على رغم ما عُرف من تعدد الحكومات وتجاربها أحيانا ..

ومنها: أسس الشرعية والإطار المرجعي الذي يستند إليه الحاكم وحكومته، دون خلط بين المثال، والصورة التطبيقية؛ إذ تحاكم كلّ تجربة في تطبيق الشريعة بأصول الشريعة.

ومنها: أصول الشرعية التي تحكم معاملات النّاس، ويتحاكمون إليها بينهم، والأصول التي تجتمع عليها قيمهم الأخلاقية .

وفصّل في ذلك ..


ثمَّ نبّه إلى إشكالية مهمّة طمست الحقيقة
، وهي : التركيز في تاريخ الدول الإسلامية على مراحل الترهل والشيخوخة، لا على مراحل القوة والفتوة؛ ومن أوضح أمثلته : تاريخ الدولة العثمانية، التي صاغها المستشرقون، وتلقاها القوميون ممن نبذوا الإسلام، فبثوها كما لو كانت الحقيقة ..

وأكَّد إشكالية مهمّة، تكشف جهل أصحاب هذه الدعوى بطبيعة النظم الإسلامية في دول الإسلام التي حكمت القرون الماضية، وهي أنَّ : "من أسباب الخطأ في تجلية الأمور، أنَّ كتّاب اليوم قد اعتادوا –عند نظرهم في مثل هذه القضايا- أن يتجهوا إلى أنشطة الدولة والسلطة المركزية؛ ولذلك يقيسون وجود الشريعة بمقياس وحيد، يتعلق بسلوك الحاكم ومدى التزامه الجادّة وأخذ نفسه بالعدل والإحسان! وهم يضمرون بذلك نظرة لا تفرق بين المجتمع والدولة، وهذه النظرة غير دقيقة؛ فلم تكن السلطة المركزية في ذلك الزمان بمثل قوتها الآن، ولا كانت بمثل هيمنتها الراهنة وسيطرتها على كل مرافق الحياة والبشر وعلى كلّ معاملات الأفراد، وقد تمّ لها هذا الجبروت والطغيان مع إقصاء أحكام الشريعة الإسلامية، وتصفية المؤسسات الاجتماعية التقليدية ذات التميز النسبي في إدارة شؤنها، كنقابات الحرف والطرق والقرى والأسر والعشائر حيثما وُجِدت؛ وحلّ محلّ ذلك كلّه قوانين وضعية فُرِضت من علٍ، ومؤسسات اجتماعية جديدة متصلة الحلقات بالحاكم ونخب الحكماء أكثر من اتصالها بالجماهير.

ولذلك، فنحن عندما نبحث عن الشريعة لا ينبغي أن نفتش عنها في دواليب الحكّام وحدها، ولكن يجب أن ننشدها في الأزقة والحواري والنجوع والدساكر والحصص والواحات" .

وفي هذا المعنى يقول د.أحمد الريسوني : الشريعة " ليست بذلك الضيق الذي يتصوره أولئك الذين يرهنون الشريعة بيد القضاة والولاة، أو بيد الحاكم والحكومات، فإن طبقوها فقد طُبِّقت وعاشت، وإن هم نبذوها، فقد عُطِّلت وماتت! فالشريعة أكبر شأنا من أن يكون مصيرها، وتطبيقها وتعطيلها، بيد حفنة من الحكّام والولاة، وتحت رحمتهم وتقلباتهم " .


قلت :
ويؤيده النصوص الشرعية الواردة في أصناف القضاة ، والترهيب من ولاية القضاء لمن كان ضعيفا، لا يستطيع إقامة العدل بالحكم ؛ وكذا النصوص الواردة في عِظم مسؤولية الأئمة الذين يستهينون في الرفق بالأمّة، ويشقون عليها بالظلم والجور، وما جاء فيهم من الوعيد .

ثم قال الدكتور الريسوني : "فبجانب الحكّام وأجهزتهم وأدوارهم، كان للقضاء والقضاة دورهم وفاعليتهم. وكذلك كان للعلماء عطاؤهم واجتهادهم وزعامتهم، وكان للوعّاظ أدوارهم التعليمية والاجتماعية ... وكان المجتمع بكل فئاته، ملتفاً متفاعلاً مع هؤلاء جميعا، يأخذ منهم ويعطيهم، ينخرط معهم في توجيهاتهم ومشاريعهم ونداءاتهم، وينخرطون معه في مشاكله ومتطلباته وشكاويه.

وكلّ هؤلاء كان مصدرهم وملهمهم، هو الشريعة والعمل بالشريعة " .

وقد ضرب مثلا للمؤسسات الوقفية التي كان لها أثر في حفظ الشريعة، بجامعة (القرويين) في المغرب، وأشار إلى أثرها الكبير في خدمة الشريعة، وتطبيقها في دُور القضاء.


قلت :
وهذه حقائق، يثبتها التراث الإسلامي الذي تزخر به المكتبات العربية والأجنبية، ويثبته تاريخ الإسلام دولاً ومجتمعات ومؤسسات؛ ودليل الوقوع هذا، لا ينكره من له معرفة بتاريخ الإسلام وعلمائه وتراثه الفقهي والقضائي المتتابع، بالتنظير والتطبيق والسوابق القضائية التي خصص لها الفقهاء مدونات في التراث الإسلامي ..

وقد كتب في ذلك المسلمون وغير المسلمين ..

وفي الجمعة القادمة أكمل الحديث في الموضوع -إن شاء الله تعالى- بإطلالة مختصرة ومركّزة على تاريخ تلك الحقائق، خلال القرون الماضية، التالية لعهد الخلافة الراشدة، مع إشارة إلى مظانها وبعض مصادرها لمن شاء المزيد ..

-------------------------------------------------------
المصدر : http://www.al-madina.com/node/417183/risala

 

د.سعد العتيبي
  • مقالات فكرية
  • مقالات علمية
  • أجوبة شرعية
  • الصفحة الرئيسية