اطبع هذه الصفحة


بيان حول طريقة تحرير تعليقات الشيخ محمد العثيمين
على السياسة الشرعية لأبي العبّاس ابن تيمية
رحمهما الله

د. سعد بن مطر العتيبي
@otsaad


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه الذين تحملوا أذى المتربصين، في نصرة هذا الدين ..

أما بعد .. فمن شمال بلادنا -حماها الله- اتصل بي رجل يسأل بلطف النبلاء عن طريقة تحرير كتاب: (التعليق على السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية) لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهما الله؛ مشيرا إلى ما أثاره بعض المتعجلين ممن يبدو: عدم تفريقه بين تفريغ الأشرطة –الذي تحسنه مكاتب خدمات الطالب- وبين إعداد الكتب، الذي لا يعرف معناه إلا من عاناه! و كذا عدم معرفته بالفرق بين (الشرح)، و (التعليق)!

وقبل جواب المتصل الكريم، سرني منهجه في التثبت، و راق لي رُقِي أسلوبه في السؤال، فسألته: من الأخ؟ قال معك الدكتور فلان ...، وللأسف لم أكن أعرفه قبل هذا الاتصال، ثم تبين لي أنه ممن لهم عناية بالقرآن الكريم؛ فلم أستغرب التزامه بالمنهج القرآني العظيم في التثبَّت، المنصوص عليه في قول الله عز وجل في سورة النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وقول الله عز وجل في سورة الحجرات قبيل آيات النهي عن: السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والغيبة التي شبهها الله بأكل الأخ للحم أخيه الميت في قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، وقد قرأ الإمامان حمزة والكسائي -من القراء السبعة- فيهما بـ(فتثبتّوا) محل(فتبينوا) التي قرأ بها الباقون، والتثبت والتبين منهج جليل يتجلى الغرض الدنيوي في مجانبته في الآية الأولى، ويتجلى التعجل الباعث على الندم في مجانبته، في الآية الثانية .

وعودا على بدء .. أجبت هذا الأستاذ الفاضل، وتمنى أن أنشر في ذلك شيئا يكشف زيفه، وهو ما أكّد أهميته عدد من شيوخنا وأحبتنا ممن ساءهم سوء ظن المتعجل، ومن تبعه ممن يتلقون الافتراء ويتداولونه بألسنتهم وأصابعهم!

وما كنت لأرقم حرفا في هذا الموضوع الآن، لولا إصرار بعض الشيوخ الأفاضل على كتابة جواب لمن قد يصغي للمتعجلين والمفترين، ولا سيما بعد أن بلغ بعضهم حدَّ ارتكاب الجريمة في توجيه تهم باطلة، لقلة إيمان أو أمن من عقاب..
و مع أنَّ بيان الحق لا يعني سكوت المبطل، وإلا لما بقي الرافضة تردد الإفك الذي برَّأ الله منه أمَّنا عائشة -رضي الله عنها- في كتابه، إلا أنَّ الموعد الله!

وأنا العبد الفقير إلى ربه أتحدث هنا بصفتي الشخصية فقط،
عن كتاب فرغته ثم حرّرته، تحريرا أدين الله باجتهادي فيه، متوخياً القواعد والضوابط التي رسمها الشيخ رحمه الله لإخراج كتبه، وسارت عليها المؤسسة، مؤيدةً باللجنة العلمية التي تضم أكابر وخاصة طلاب الشيخ رحمه الله، بالإضافة إلى إخوانه وأبنائه.
وأسأل الله بمنه وكرمه أن لا يحرمني ثوابه وثواب نشر علم الشيخ رحمه الله!

و أمَّا قصَّتي مع الكتاب متنا وتعليقا فلا تخلو من فوائد:

فقد بدأت منذ تخرجي من كلية الشريعة، إذ أوصاني الشيخان الجليلان: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمهما الله- بالعناية بالمتن، أعني كتاب: (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)، لأبي العباس ابن تيمية رحمه الله، وذلك إثر اختياري طالبا في قسم السياسة الشرعية بالمعهد العالي للقضاء، فأعددت خطة لذلك، منها جمع شروحه! ولم أجد له شرحا مكتوبا، حتى وقفت على مجموعة دروس صوتية للشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله، يعلق فيها على الكتاب بين نخبة من تلاميذه، فبادرت بوضع مشروعٍ للإفادة من هذه الدروس في توضيح كتاب السياسة الشرعية، فكان المشروع الذي رأيته أنفع لي في الطلب والتحصيل: تفريغَ دروس الشيخ محمد العثيمين رحمه الله من الأشرطة إلى الورق، مع ضبط نسختي من المتن وفق ترجيحات الشيخ في ضبط نصّه، وأضفت وضع علامات لمواضع التعليق ليمكنني الرجوع إليها عند الحاجة، وكان عملي في تفريغه كاملا، يشمل ما كان منه تعليقا على متن كتاب ابن تيمية (السياسة الشرعية)، وما كان بيانا لمعنى النصوص الشرعية الواردة في المتن، وما كان جواب سؤال يتعلق بالمتن، أو سؤالا لا علاقة له بالمتن أيضا .
ولم يكن لدي حينها نية في نشر ذلك ولا العناية به ليخرج في كتاب .

ثم اقترح علي بعض الإخوة تحريره وإعداده في هيئة كتاب،
وعرضَه على الشيخ محمد لينشر بعد موافقته؛ فرأيت ذلك مناسبا؛ وحررت جميع التعليقات المتعلقة بالمتن بغض النظر عن زمن تعليق الشيخ عليها في الأشرطة، فربما ورد التعليق نتيجة سؤال عن عبارة في درس سابق مثلا، وأَدرجْت فيها جواب الشيخ على الأسئلة المتعلقة بالمتن فقط؛ أمّا ما ليس له صلة بالمتن فليس تعليقا على المتن، ومن ثم لم ألتزمه، وهذا منهج علمي مسلوك في مثل هذا النوع من العمل، يعرفه من جرّب التحرير وعاناه! ولهذا السبب وضعت له عنوانا يدل على حقيقته، وهو: (التعليقات العلمية على السياسة الشرعية) إذ كان الشيخ معلقا على الكتاب لا شارحاً له وإن شرح عبارات يسيرة بعينها، و وصلت كل تعليق بعبارة المتن التي يتعلق بها، وذلك برقم خاص به، ومن هنا قَسَمت الصفحة إلى ثلاثة أقسام:
1) القسم الأعلى للمتن مضبوطا حسب تصحيح الشيخ رحمه الله!
2) والقسم الأوسط لتعليق الشيخ رحمه الله!
3) والقسم الأدنى للتخريج والتعليقات الخاصة بي .

ودوّنت ضوابط عملي هذا، وسلمته للشيخ فسُرّ بذلك رحمه الله،
و وعد بالمراجعة، ثم فقد الشيخ النسخة فطلب أخرى فبعثتها له، لكنه رحمه الله شُغل بعد ذلك بالمرض الذي توفي فيه، وحاوَل بعض قرابة الشيخ الوصول إلى تلك النسخة، ثم أُبلغت بعدم العثور عليها.

ثم أردت إخراجه،
فنُصحت بالتواصل مع مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، لتيسير ذلك، فأخبروني أن لديهم قواعد وشروطا في أربع صفحات تعد في مضمونها من وصايا الشيخ رحمه الله، التي لا بد من التزامها فيما ينشر له من علمه رحمه الله .
فزوّدتهم بصورة من النسخة التي سلمتها للشيخ رحمه الله، وطُلب مني التقيَّد بالقواعد والضوابط التي قرّرها الشيخ رحمه الله على ما سبق بيانه، إضافة إلى ما ذكرت من التزام ما يتعلق بمتن (السياسة الشرعية) لابن تيمية، دون إدراج الأجوبة التي لا علاقة لها بالمتن؛ ولذلك جعلت التعليقات على مواضعها؛ فما يظنه بعض المتعجلين حذفا مما له صلة بالمتن، تجده عند موضعه من المتن، ولو لم يقله الشيخ إلا في درس لاحق، اللهم إلا إذا كان خارجا عن التعليق على المتن، كما في عدد من الأسئلة .

وإنَّ مما ينبغي إضافته،
كشفاً لتعجّل المتعجِّلين والله يتولى سرائرهم: زعمهم حذف نصَّ (مهم يتعلق بطاعة أولي الأمر) هكذا قالوا!
ومن له أدنى اطلاع على كتاب(السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والراعية)، يعلم أنَّ هذا الموضوع وما إليه قد أفرد له أبو العبّاس ابن تيمية رحمه الله فصلاً في الكتاب، توجد فيه تعليقات الشيخ بعبارات دقيقة محرّرة عقيدة وفقهاً، ديانةً لله تعالى! بل وأضفت إليه في الحاشية مصادر أخرى لأهل السنة في ذلك، فضلا عن مواضع متفرقة في الكتاب لم تخل من تعليق للشيخ على الموضوع .

كما أنَّ مما ينبغي ذكره هنا،
أنَّ مما لم أُدخله في التعليقات، لعدم علاقته بالمتن، جوابَ سؤال عن: تحديد مدة الولاية بأربع سنوات؛ وقد أفردته بالنشر قبل بضع سنوات، مبيناً سبب عدم إدراجه في التعليقات، بعد استغراب بعض الإخوة الفضلاء لعدم إدراجه .

وفي الختام أقول:
بحمد الله لم أحذف من تعليقات الشيخ على متن الكتاب شيئا، وما هذا لي بخلق والفضل لله! ومن وجد شيئا من ذلك فليتكرم بتزويدي به، وقد أعلنت إثر صدور الكتاب طلب تزويدي بأي ملاحظة، ولم يصلني غير بعض الأخطاء الطباعية اليسيرة المعتادة التي لا يكاد يخلو منها كتاب، ولا تكاد تخفى على القارئ الكريم .

وأما من شاء معرفة كل ما قال الشيخ في تلك المجالس المسجلة،
مما ليس له علاقة بالمتن، فعليه بالرجوع للتسجيل الصوتي؛ فلكل منهما غرضه وفائدته . وهذه بحمد الله عادتي في سماع دروس أهل العلم الكبار، فلا تخلو تسجيلاتهم من فوائد عارضة، ومواضع تربوية رائعة، ومنهجا للشرح أو التعليق أو الفتوى، يكتشفه طالب العلم ويفيد منه .

وأيَّ كتاب يحرر عن تفريغ صوتي، لا يمكن أن يكون العمل فيه تحريرا، ما لم تُلتزم فيه الشروط العلمية، وإلا كان تفريغا لا تحريرا، وشتَّان بينهما، ومن ثمَّ يبقى فيه فوائد أخرى مع معايشة الدرس بصوت الشيخ وطريقته وملاطفته لتلامذته ونحو ذلك.
والحمد الله الذي جعل من تعجل المتعجلين هداهم الله، ما عرَّفني بجمع من الأخيار الذين لم أتشرف من قبل بمعرفتهم، والله يعلم كم سررت بهم، وكم فرحت بتواصل أحبة كرام لم أسمع أصواتهم أو أرى رسائلهم منذ مدة، وكلّ هؤلاء يطبَّقون في تواصلهم منهج القرآن في حسن الظنَّ حتى ذكّروني قول الله عزَّ وجلّ: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ..
ولكلّ هؤلاء حب وتقدير واحترام، وشكر على هذا التواصل و الاهتمام ..

واللهم صلّ وسلم وبارك على خاتم النبيين، رسولنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
 

وكتبه الفقير إلى عفو ربه/
سعد بن مطر العتيبي
ليلة الثالث من شهر ذي الحجة المحرَّم

 

د.سعد العتيبي
  • مقالات فكرية
  • مقالات علمية
  • أجوبة شرعية
  • الصفحة الرئيسية