اطبع هذه الصفحة


مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة
(2)
من حيث المسائل والأحكام

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

د. سعد بن مطر العتيبي

 
(1)

المقالة الثانية :
مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة من حيث المسائل والأحكام
  (1)

مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة من حيث مسائلها لا تخرج في إطارها العام عن الجوانب العملية التي تقبل التَّغَيّر لبنائها على مناط متغيِّر يتغيَّر الحكم الشرعي لمسألته تبعاً لتغيِّر المناط .
وعليه ، فلا يدخل في مجالات إعمال السياسة الشرعية ما يُعرف بالثوابت في ذاتها ، التي منها ما يتعلق بالمكلفين من الأحكام العقدية ، كالإيمان بالله ووحدانيته والإيمان بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم وتصديقهم ، والإيمان بالكتب والملائكة ، والإيمان باليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشرِّه ، وتحريم الشرك ، وتحريم موالاة الكفَّار ؛ فهذه وأمثالها ثوابت في الدِّين لا يمكن أن تتغير ، وكذا " الأحكام الشرعية التي تتضمن قواعد هذا الدِّين وأسسه ، والأحكام المعلومة من الدين بالضرورة ، والأحكام التي تحث على الأخلاق والفضائل ، بل وجميع الأحكام الشرعية العملية التي لم تُبن على العرف أو المصلحة أو التي لم تُناط بعلة أو التي لم تصحبها ضرورة ؛ فإنَّها ثابتة ولا يصح جعلها محلّ نظر وتغيير " (2) .

و الجوانب العملية في الشرعيات ليست على إطلاقها ، بل هي من الأمور المتشعِّبة المتشابكة التي تتطلب استقراءً لمسائلها ليصدق ضبطها ضبطا دقيقا يقرِّب فقه السياسة الشرعية فيها لطالب العالم تقريباً يعينه في تطبيقها ؛ وإنما هذه خطوط عريضة في بيان مجالات السياسة الشرعية من حيث المسائل والأحكام ، مع شيءٍ من ضبط هذه المجالات ؛ فيُقال :
المسائل الفقهية من حيث دخولها تحت السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ، وعدمه ، تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : ما لا يختص به أولو الأمـر ، وليس داخلاً في تدبيرهم بالولاية .
ومجال هذا القسم : الأحكام التي أنيطت وربطت بأسبابٍ متى وُجِدَت وُجِدَت هذه الأحكام ، دون تعلق بالولاية ، فهذا القسم ليس مختصّاً بأولي الأمر ؛ إذ إنَّه يتبع سببه الشرعي (3) ، فمتى وُجِدَ السبب وُجِدَ الحكم ، كإقام الصلاة ، وإيتاء ما يجب في الأموال من زكاة . ويتجلَّى هذا الأصل في عامَّة المسائل التي توصف بالثوابت كالعبادات ، وأصول الأخلاق والآداب الشرعيَّة وما في معناها .

وهذا القسم ليس داخلا في السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ، التي هي من تدبير أولي الأمر وتصرفاتهم المنوطة بالمصلحة الشرعية .

تنبيه :
لا يدخل في هذا القسم ما يتعلق بإطلاق ولي الأمر الشرعي ( قاضيا شرعيا أو مفتياً خبيرا ) وصفاً عقدياً يترتب عليه أحكام عملية للموصوف به في ذاته أو في علاقته بغيره أو علاقة غيره به ، فقد يوجد فيها جوانب عملية تتطلب حكماً شرعياً سياسياً ، ومنها ما يعرف اليوم بأسس التعايش السلمي في المجتمعات وكذلك ما يناقضه ، ولعله يتضح بالمثال في حينه إن شاء الله تعالى ، وإنما أشرت إليه هنا لأهمية استحضاره .

القسم الثاني : ما كان موكولاً إلى تدبيـر أولي الأمـر .
ويتجلَّى هذا القسم في المسائل التي تتوفر فيها الأسباب والأوصاف التالية ، أو بعضها (4) :

1) أن تكون هذه المسائل مما يحتاج إلى نظر وتحرير ، وبَذْل جُهدٍ من عالم بصير ، حَكمٍ عَدْلٍ ، في تحقيق أسبابها ، ومقدار مسبَّباتها ؛ كالتعزيرات ؛ فإنَّها تفتقر إلى تحرير في مقدار الجناية وحال المجني عليه ، حتى تقع المؤاخذةُ على وفق ذلك من غير حيف ؛ وهكذا جميع ما وُكِلَ تقديره إلى اجتهاد الأئمة والحكَّام ، ومن في حكمهم .

2) أن تكون مما يفضي تفويضه لجميع الناس إلى الفتن و الشحناء ، والقتل والقتال ، وفساد النفس والمال ؛ كإقامة الحدود ، فمع " أنَّها منضبطة في أنفسها ، لا تفتقر إلى تحرير مقاديرها ، غير أنَّها لو فُوِّضت لجميع الناس ، فبادر العامة لجلد الزناة ، وقطع العُداة بالسرقة وغيرها ، اشتدَّت الحَمِيَّات ، وثارت الأَنَفَات ، وغَضِبَ ذوو المُروءات ، فانتشرت الفِتَنُ ، وعَظُمت الإحَنُ ؛ فحسم الشرعُ هذه المادَّة وفَوَّض هذه الأُمورَ لولاةِ الأمور ، فأذعن الناس لهم ، وأجابوا طوعاً وكرهاً ، واندفعت تلك المفاسدُ العظيمة " (5) ، وجباية الجزية ، وأخذ الخراج من أرض العنوة وغيرها (6) .

3) أن تكون مما قَوِيَ الخلاف فيه مع تعارض حقوق الله تعالى وحقوق الخلق ؛ أو تقاربت فيه المدارك ، وكان النِّزاع فيه في أمر دنيوي ؛ كالأملاك و الرهون والعقود وغيرها ؛ فهذا مِمَّا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ الحَاكِم - و إنشاء حكم من هذا القبيل ليس لكل من ولي ولاية ؛ قال العلامة القرافي : " لا خلاف بين العلماء أنَّ ذلك ليس لكلّ أحد ، بل إنَّما يكون ذلك لمن حصل له سبب خاص ، وهو ولاية خاصَّة ، ليس كل الولاية تفيد ذلك " ؛ ثم سرد رتب الولايات وبيَّن أحكامها ، وأنَّ من رتب الولايات التي يدخل فيها هذا النوع من الأحكام : الإمامة الكبرى ، وولاية القضاء - (7)؛ فإذا حكم فيها حُكماً مما يقبله ذلك المحلُّ تعين فيه ؛ فلم يُنقض ، ولزم الإذعان إليه (8)؛ لمصلحة الحكم ؛ " لأنَّ الأحكام لو نُقِضت بالاجتهاد لَمَا استقرَّ حكم ؛ لأنَّ القضاة لو نقضوا الحكم بالاجتهاد لأدَّى ذلك إلى أن ينقض كلُّ حاكم حكمَ من قبله ، ويفضي ذلك إلى تضرُّر المحكوم لـه ، والمحكوم عليه ؛ لأنَّه يُنْزَعُ الحق من أحدهما ، ويُعطى الآخر ، ثم يُنزع من الآخر و يُعطاه غريمه ، ويتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية لـه ، ولا يخفى ما فيه من الفساد " (9) ؛ سواء كان ذلك بتغير اجتهاده أو بحكم حاكم آخر ؛ كما يلزم من ذلك اضطراب الأحكام و عدم وثوق الناس بحكم الحاكم ؛ فتفوت المصلحة التي نُصب الحاكم لأجلها ، ولا تُفصل الخصومات (10) .

4) أن تكون مما يُشرع نقضه من تصرفات الولاة والحكَّام ، وهي المسائل التي صدرت عن حكم قضائيٍ مخالفٍ لما يوجِبُ نقضَه ، من نصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ (11)؛ أو التي لم تصدر عن حكم قضائيٍ ، ويسوغ لغيرهم من الولاة والحكام النظر فيها ونقضها أو تغييرها ؛ للمصلحة الشرعية ، لا لمجرد التشهي والغرض ، ومن أمثلة ذلك (12) :
- تولية النوَّاب في الأحكام ، و تأمير الأمراء على الجيوش والسرايا وغير ذلك من الولايات .
- و الصرف من بيت المال وتقدير مقاديره في كل عطاء ، في الأرزاق للقضاة والعلماء وأئمة الصلاة ، وفي أجور موظفي الدولة عموماً .
- وتقدير الخراج على الأرضين ، و ما يؤخذ من التجار الأجانب غير المسلمين .
- واتخاذ الأحمية (13)، من الأراضي المشتركة بين عامة المسلمين .
- وعقد الصلح بين المسلمين والكفار .
فهذا كلُّه ؛ لمنْ تصرَّف به ولغيرِ مَنْ تَصَرف به أو قرَّره أو عقْده من الولاة أن يعيد النظر في السبب المقتضي لذلك هل يقتضيه فيبقيه ، أو لا فغيره أو ينقضه ويبطله . وهذا كله مقيد بقاعدة : (تصرف الولاة على الرعية منوط بالمصلحة ) ؛ " فإنَّ كـل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية ، لا يحلّ له أن يتصرف ، إلا بجلـب مصلحة أو درء مفسدة " (14). فهذه الأسباب تكاد تكون ضوابط ، لما هو موكولٌ إلى تدبير الحكام و ولاة الأمور ؛ بل ذكر القرافي أنَّ ما اشتمل على أحد الأسباب الثلاثة الأولى ، أو اثنين منها ، صار مفتقراً للحاكم إجماعاً ؛ فإذا لم يوجد شيءٌ منها تَبِعَ حُكْمُ المسألة سَبَبَهُ الشرعي كالقسم الأول ، حَكَمَ به حاكم أو لا (15) .

والمسائل الفقهية المندرجة تحت هذا القسم – الذي وُكِل تنفيذه إلى أولي الأمر - أنواع ، يأتي بيانها في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى .
 


(2)


والمسائل الفقهية المندرجة تحت هذا القسم - أعني الذي وكل تنفيذه إلى أولي الأمر ، ولا يفتات عليهم فيه غيرهم - أنواع :

النـوع الأول :
مسائل شرعت أحكامها ثابتة لازمة ، لا تتغير عن حالة واحدة ؛ فلا تختلف أحكامها باختلاف الأزمنة ولا الأمكنة ، ولا اجتهاد الأئمة .

وهذا النوع ليس داخلا في السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ( المتغير ) ؛ إذْ ليس أمام أولي الأمر في هذا النوع سوى الحكم به كما ورد ، واجتهاد أولي الأمر فيه يقتصر على صحة التطبيق ، الذي هو النظر والاجتهاد في معرفة وجود العلة في آحاد الصور و الوقائع ، المعروف بـ( تحقيـق المناط ) (16) .

ويتجلَّى هذا النوع فيما ليس معلَّلاً من الأحكام من العادات والمقدَّرَات ( و ما يدخله تدبير أُولي الأمر منها ، فعلى سبيل التبع والتضمُّن ) (17) ؛ ومنه مقادير الزكاة ، وتعيُّن الحدود المقدرة على الجرائم كما هي ، ونحو ذلك ، ويدخل فيه كثير من الأحكام التي يتعين القضاء بها عند ثبوت أسبابها .

النـوع الثاني : أحكام جزئية ، شرعت أو استنبطت لمسائل يتغير مناط الحكم فيها بحسب اقتضاء المصلحة ، زمانا ومكانا وحالا ؛ سواء كان هذا المناط عُرفاً أو علَّة مُتَغيِّرَة ، أو نحو ذلك ؛ وتتجلَّى مسائل هذا النوع في الأحكام المعلَّلة أو التي تقبل التعليل (18) .

ومسائل هذا النوع مندرجة تحت السياسة الشرعية ؛ وهي على أضـرب :

الضـرب الأول : مسائل ثبتت أحكامُها بنصٍّ أو إجماع أو قياس أو استدلال معتبر ؛ لكن من شأنها ألا تبقى على حال ؛ ومن ثم يتغير الحكمُ فيها ، تبعا لتغير مناطه من حال إلى حال ، لا تغيراً في أصل الحكم ؛ بحيث يرى المجتهد أن الحكم تغيَّر في تلك المسائل تبعاً لذلك ؛ فيحكم بحكم يستلزمه هذا التغيُّر ؛ فالحكم الثاني هنا يُسمَّى سياسة شرعية (19) .

وهذا الضرب له صور ، تتعدد بتعدد أسباب تغير الحكم المعتبرة ، و منها :

- تغيَر العرف الذي جاء التشريع موافقاً له . ومنه : إخراج زكاة الفطر في كل بلد من قوت أهلُها ؛ و لا يلزم إخراجها من قوت أهل المدينة النبوية تقيّداً بما ورد ، من تكليف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهلَ المدينة بإخراجها من : التمر والشعير والأقط والزبيب (20) ؛ " لأنَّ هذا كان قوت أهل المدينة ، ولو كان هذا ليس قوتهم بل كانوا يقتاتون غيره ، لم يُكَلِّفهم أن يُخرجوا مما لا يقتاتونه ؛ كما لم يأمر الله عز وجل بذلك في الكفَّارات …" (21) .

وقد تقدم ذكر الكلام في حرمة الفتوى على من لم يعرف حال المستفتي وعرف مجتمعه .

- زوال المصلحة التي جاء الحكم معلَّلاً بها . ومنه : إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للناس في ادَّخَارِ لحوم الأضاحي فوق ثلاث ، بعد نهيهم عن ذلك وأمرهم بالتصدق بما بقي ؛ فإنَّه لما كان العام الذي يليه ، ( قالوا : يا رسولَ الله نفْعَلُ كما فعَلْنا العَامَ الْمَاضِي ؟ ) ، قَالَ : (( كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا )) (22) ، وفي رواية : (( إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا )) (23) ؛ حيث بين أنَّ الحكم الأول قد تغيَّر من المنع إلى الإذن ؛ بزوال علَّة النهي (24) .

- تغير الحال التي قُيِّد الحكم بها . ومنه : الإذن بقتال الكفَّار في العهد المدني ، دون العهد المكي على اختلاف أحواله ، وهكذا الأحكام التي جاء تشريعها على مراحل اقتضاها اختلافُ الأحوال ، لا وجودُ ناسخ ومنسوخ بينها ، فهي من هذا القبيل .

وهو أخطر مجالات السياسة الشرعية فيما ورد فيه أكثر من حكمٍ بدليل نصي جزئي . فنحن نرى العلماء الربانيين الذين يشهد لهم من يعرفهم من الأمة بالصدق والإخلاص والديانة وسعة الأفق الفقهي والتجربة في ميدان العمل الدعوي ، المطلعين على أحوال الأمة - نجدهم يفتون بمشروعية الجهاد بالسنان في مكان وزمان ويمنعونه في آخر موجهين الخيار المناسب من خيارات جهاد القلم والبيان ، ونحن أيضاً نرى العلماء الربانيين يحكمون على قاتلِ كافر بأن له أحكام الشهيد ، وعلى قاتل كافر آخر بأنه عمله يُعدّ من الأعمال التي تجرِّمها الشريعة الإسلامية ويفتون الأمة بدعم المجاهدين والمرابطين في مكان ويحرمون دعم آخرين ويجرِّمون التعاون معهم بأي وسيلة !

وإذا قرأنا كليات الأحكام الإسلامية في هذه المسألة قراءة متكاملة كما هي في أذهان الفقهاء الكبار من السابقين واللاحقين ، فإنا سنجد تسبيبا كافيا في فهم ما قد يظنه بعض الناس تناقضا منهم . وذلك أنَّ أحكام الإسلام التطبيقية تتصف بخصائص عظيمة منها : الواقعية الشرعية .

ولعلّ من المناسب إيراد تطبيق تقعيدي وصفي ، يمكن تنزيله على كثير من قضايا الواقع التي تندرج تحته في كل بلد من البلاد الإسلامية وغيرها ، وذلك في قضية يعد الخطأ في فهمها من أخطر قضايا العصر على أهل الإسلام (25) ، وعرض ذلك بلغة عصرية تُقرٍِّب المراد ، ولا سيما أنّ بعض مسائل هذا الضرب صارت مثار جدلٍ بين فئات جافية التي تلوي أعناق النصوص جهلاً أو تهرباً ، أو لا تقيم لها وزنا وتتستر خلف دعوى تجديد الخطاب الديني في تحريفها أو سوء فهم أصحابها على أحسن حال ؛ وأخرى غالية تجاوزت المشروع بتطبيق النصوص على غير مواردها فأخذت بعضها وأولت الآخر أو ادعت نسخه ، وكلا الفئتين - بغض النظر عن النوايا - قد عانت منها الأمة بعدا عن منهاج ربها ، فجلبت الأولى إلى نفسها وإلى الأمة شقاء البعد عن الله ، وعانت الأخيرة من الشقاء الفقهي وجلبته إلى الأمة ، وقد قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) .

وهذا هو موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى تحت عنوان :
تطبيق السياسة الشرعية على أصل علاقة الدولة الإسلامية بغيرها
 


(3)

ذكرت في الحلقة الماضية المسائلَ الفقهية المندرجة تحت القسم الذي وُكِل تنفيذُه إلى أولي الأمر من الأمراء والحكام العلماء أو العلماء إن خلا الزمان عن حاكم مسلم ( الفراغ السياسي ) ، وتم الحديث عن النوع الأول منه ، وعن النوع الثاني والضرب الأول منه ، ثم عن بعض صوره وكان آخرها الصورة التي : تتغير فيها الحال التي قُيِّد الحكم بها . وأن منها : الإذن بقتال الكفَّار في العهد المدني ، دون العهد المكي على اختلاف أحواله ، وهكذا الأحكام التي جاء تشريعها على مراحل اقتضاها اختلافُ الأحوال ، لا وجودُ ناسخ ومنسوخ بينها ، فهي من هذا القبيل .
وقد وعدت في الحلقة الماضية بإيراد تطبيق تقعيدي وصفي ، يمكن تنزيله على كثير من قضايا الواقع التي تندرج تحته في كل بلد من البلاد الإسلامية وغيرها ، وذلك في قضية يعد الخطأ في فهمها من أخطر قضايا العصر على أهل الإسلام ، وعرض ذلك بلغة عصرية تُقرٍِّب المراد ، ولا سيما أنّ بعض مسائل هذا الضرب صارت محل غواية وفتنة بين فئات من المسلمين مع ما شغّب بسوء فهمه منها أعداء الدين .

بيان فقه السياسة الشرعية المنبثق من أصل علاقة الدولة الإسلامية بغير المسلمين

تقوم حقيقة العلاقة بين الدولة الإسلامية بغير المسلمين على أساس مقصدي ، هو تبليغهم رسالة الإسلام ( الدعـوة ) ، والتعامل معهم وفق ما تمليه الأحكام الإسلامية ، التي تراعي بخاصيتها ظروف متغيرات الزمان والمكان والحال ، وفق قواعد تفسيرية غاية في الدقة ، سبق المرور على أصولها في بيان أسس السياسة الشرعية ؛ ولعلَّ فهم هذه الحقيقة يفسِّر بعض مظاهر الشذوذ الفكري في تصرفات بعض المسلمين ، ولا سيما ممن ليس لديهم فهم كاف لذلك ، سواء من ناحية التنظير أو التطبيق .

وتعامل الدولة الإسلامية مع غيرها - من الدول والكيانات - وفق ما تمليه الأحكام الإسلامية ؛ يختلف باختلاف موقفها من الدعوة الإسلامية ؛ فهو لا يخلو من أحوال يمكن إجمال القول فيها فيما يلي :

الحال الأولى : أن تقتنع تلك الدول والكيانات بالدعوة الإسلامية ، وتتحول إلى الإسلام ؛ وحينئذ فتعامل معاملة بقية المسلمين تماماً ؛ دون أي اعتبار للعرق أو اللون أو حتى المواقف السابقة من الدعوة الإسلامية . وهذا ما يحصل في زمن الفتوحات كما جرى في العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة وما تلاها في عدد من الأقطار كفتوحات الدولة الإسلامية في الأندلس ثم ما جرى بعد ذلك من فتوحات الدولة الإسلامية العثمانية .

الحال الثانية : أن تبقى تلك الدول والكيانات على ما كانت عليه ؛ و تقبل العيش في ظل الحكم الإسلامي ، والانضمام إلى الدولة الإسلامية ؛ وهنا تتمتع رعاياها بحقوق رعايا الدولة الإسلاميـة من غير المسلمين ؛ من الحمايـة الإسلامية والحرية الدينية الأصلية ، مقابل دفع الجزية ، ممن يلزمه دفعها وهو القادر على العمل والكسب من الذكور (25) .

أمَّا غير البالغين ، والنساء ، وكذا غير القادرين على العمل والكسب ؛ كالعجزة والمقعدين ، أو غير المتفرغين لذلك لانقطاعهم في الكنائس و المعابد ، كالرهبان ؛ فهؤلاء يتمتعون بالعيش في ظل الحكم الإسلامي دون أي مقابل ، كما يُفيدون وينتفعون من المرافق والمصالح العامة في الدولة ؛ بل إذا احتاج أحد من هؤلاء للمعونة وجب على الدولة الإسلامية تقديم المعونة له ؛ حتى الذي كان يدفع الضرائب إذا عجز عن دفعها لعجزه عن العمل ، تتوقف الدولة الإسلامية عن مطالبته بالضريبة .

الحال الثالثة : أن تبقى تلك الدول والكيانات على ما كانت عليه ؛ ولا تقبل العيش في ظل الحكم الإسلامي ، وهي على أضرب :

الضرب الأول : أن تكون تلك الدولة أو ذلك الكيان قوياً ؛ فهذا لا يُعطى حكماً تطبيقياً واحداً ؛ وإنَّما يختلف التعامل معه باختلاف ظروف الزمان والمكان والحال ؛ وحينئذ فهو على أقسام :

القسم الأول : الدول والكيانات التي يكون بينها وبين الدولة الإسلامية معاهدات ؛ فهذه يجب التعامل معها وفق ما تم الاتفاق عليه في بنود تلك المعاهدات ؛ والوفاء بذلك وفاء تاماً ، فإنَّ من يخل به - من فرد أو دولة - متوعدٌ في الإسلام ، بالإثم الأخروي والعقوبة الشديدة .

وحينئذٍ ، يجب على المسلمين دولاً ومنظمات وأفراداً الاستمرارُ في أداء رسالة الدولة الإسلامية في الدعوة ، بسلوك الطرق السلمية الممكنة ، للدعوة إلى الله في تلك الدول والكيانات ؛ وسلوك جميع السبل السلمية التي تسلكها الدولة الإسلامية في تقوية إيمان المسلمين في الداخل والخارج ، وإقناع غير المسلمين من رعاياها بالإسلام ؛ والإفادة من جميع القوانين المعمول بها في تلك الدولة أو الكيان المعاهَد في ذلك ، ودعم الجمعيات والمنظمات والأحزاب التي تقدم خدمات للجالياتِ الإسلامية ، وتتعاطف مع قضايا المسلمين . ولا يجوز سلوك طرق حربية عسكرية في ذلك .

وهذا ينطبق على كثير من الدول المعاصرة التي بينها وبين أهل الإسلام معاهدات ، وخاصة تلك الدول التي تجد الجاليةُ الإسلامية فيها قدراً من الحريَّة التي تُمكِّنها من التزام دينها والدعوة إليه تحت سقف مقبول من الحرية في ذلك (27) .

القسم الثاني : الدول والكيانات التي ليس بينها وبين الدولة الإسلامية معاهدات ؛ وهذه لا تخلو :

إمَّا أن تعلن الحرب على الدولة الإسلامية ؛ وحينئذٍ فيجب على الدولة الإسلامية ، وعلى المسلمين ردّ الاعتداء ودفع العدوان ، واسترداد ما قد يؤخذ من الحقوق وما قد يحتل من الأراضي ؛ وهذا الوجوب على نوعين : وجوب عيني على الدولة التي اعتدي عليها مباشرة ، ووجوب كفائي على بقية المسلمين ( الأمّة ) .

وهذا كحال الصهاينة المحتلين في فلسطين والأمريكان المحتلين في العراق . وهو ما يفسِّر لنا فتاوى العلماء الربانيين في مشروعية وفرضية الجهاد فيها .

ومن السياسة الشرعية توقف الوجوب على فئة من المسلمين دون فئة ، إن اقتضته المصلحة الشرعية ، سواء كان بقصد جلب نفع يشرع جلبه أو دفع ضرر يجب دفعه (28) .
وإمَّا أن لا تعلن تلك الدول والكيانات الحرب على الدولة الإسلامية ؛ لكنها تمنع انتشار الدعوة الإسلامية ، وتحجبها عن الشعب ، وتمنع رعاياها من الدخول في الدين الإسلامي ؛ وبهذا السلوك وهذه السياسة ، يعدّ نظام هذه الدولة نظاماً استبدادياً ؛ يعارض حقوق الإنسان ؛ فيسلب الإنسان حقه في حريته الدينية ، و من ذلك حقّه في اختيار الإسلام ؛ كالشأن في الدول التي أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سراياه ورسله لدعوتهم فوقفوا من الدعوة موقف العداء ، فنتج عن سلوك السياسة الشرعية معهم ما عُرِف فيما بعد بالفتوحات الإسلامية .

ومنه في الزمن المعاصر ما كان يُعرف بالاتحاد السوفييتي سابقا ، وبعض الجمهوريات التي ورثته ، وكالحال في كوبا وغيرها من البلدان الاستبدادية ، وهنا يراعى الفقه السياسي الشرعي بالنظر في حال الدولة الإسلامية وإمكاناتها ، وما تكون فيه من حال قد توجد في زمن دون غيره أو مكان دون غيره ؛ وهذا ما سيأتي تفصيله في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى .
 


(4)


جاء في الحلقة الماضية إيراد تطبيق تقعيدي وصفي ، يمكن تنزيله على كثير من قضايا الواقع التي تندرج تحت مسائله في كل بلد من البلاد الإسلامية وغيرها ، وذلك ببيان
فقه السياسة الشرعية المنبثق من أصل علاقة الدولة الإسلامية بغير المسلمين
وأنَّ الأساس المقصدي الذي تقوم عليه حقيقة العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها على أساس مقصدي ، وهو تبليغ رسالة الإسلام لغير المسلمين ( الدعـوة ) ، والتعامل معهم وفق ما تمليه الأحكام الإسلامية ، التي تراعي بخاصيتها ظروف متغيرات الزمان والمكان والحال ، وفق قواعد تفسيرية غاية في الدقة وهذه تتمة ذاك التطبيق (29):

توقفنا في الحلقة الماضية عند الاحتمال الثالث من القسم الثاني المتعلق بالدول والكيانات التي ليس بينها وبين الدولة الإسلامية معاهدات ؛ إذ فيه أن هذه الدول لها أحوال ، وهي :

إمَّا أن تعلن الحرب على الدولة الإسلامية ؛ وتم الحديث عنه .
وإمَّا أن لا تعلن تلك الدول والكيانات الحرب على الدولة الإسلامية ؛ وهنا يراعى الفقه السياسي الشرعي بالنظر إلى الدولة الإسلامية ويضعها في أحوال قد توجد في زمن دون غيره أو مكان دون غيره :

فإمَّا أن تكون الدولة الإسلامية في حال قوة وتمكّن ؛ وهنا تسلك الدولة الإسلامية والأمةُ الطرقَ السلمية أولاً ، للتأثير على هذا النظام وهذا الكيان - مع إشعاره بطريق ثالثة تُفرِض عليه إن لم يقبل الطرق السلمية - من خلال عرض الخيارين التاليين عليه ، وهما :

1) التحول إلى المنهج الإسلامي عقيدة وشريعة ؛ ويتم بذلك الحصول على جميع مزايا النظام الإسلامي ، ومنها المزايا : السياسية ، والعسكرية ، والقضائية ، والاقتصادية .

2) القَبول بالحكم الإسلامي ، والانضواء تحت رعاية الدولة الإسلامية ؛ مع بقاء من شاء من الرعايا على الديانة التي هم عليها أفرادا كانوا أو جماعات ؛ ويتم بذلك لهؤلاء الحصول على جميع مزايا النظام الإسلامي الخاصة بالرعايا غير المسلمين ، والتي سبق الإشارة إليها .

فإن لم يقبل هذا الكيان بذلك ، فإنّ الدولة الإسلامية تسلك طريق فرض العدل المفقود والحرية المسلوبة ؛ للتأثير على هذا النظام من خلال خيار الدولة الإسلامية الثالث ، وهو :

3) اللجوء إلى الجهاد المشروع من أجل نشر الحرية في اختيار توحيد الله أو ما يعرف في الفقه الإسلامي بـ ( جهاد الطلب ) أو ( جهاد الدعوة ) وغايته إتاحة الحرية الإنسانية ؛ لحماية حق الإنسان في اختيار أن يكون الله عز وجل هو إلهه ، فينضم باختياره إلى الأمة الإسلامية ، أو أن يبقى على دينه ، ويتخلص من الحكم الاستبدادي الظالم ، ويتمتع بالحكم الإسلامي العادل مقابل الضريبة الرمزية التي هي ( الجزية ) التي هي أقل من الزكاة التي يؤتيها المسلم .

والجهاد الإسلامي يتميز عن غيره من أنواع القتال بأنَّه : يتصف بالمثالية الواقعية ؛ لما يشتمل عليه نظامه من ضمانات إنسانية راقية ؛ فلا عنصرية ولا عرقية ولا إبادة . وتمنح السياسةُ الشرعية الدولةَ الإسلامية مرونة في تسمية الجزية ، فيجوز أن تفرض باسم آخر كـ ( الضريبة ) في مقابل الزكاة . ويمكن أن يطلق عليها مسمى الزكاة لو اقتضت الحال ذلك ، وله أصل من عمل الخلفاء الراشدين ليس هذا محل تفصيله .

ففي حال قـوة الدولـة الإسلامية قد تبدأ هي بالقتال ، ولا تقبل المسالمة ولا المهادنة ، حتى يُزال الكيان الظالم الجائر ، الذي يقف في وجه إبلاغ الرسالة ، ويمنع النّاس من التعرف عليها و اتباعها ؛ وفي هذا إعمال للآيات الواردة في ذلك ، والتي اتفق العلماء على الأخذ بها وتطبيقها عند تحقق ظروفها .
ولكنّ هذا الخيار ليس حتماً في حال قوة الدولة الإسلامية ؛ فقد تكون المهادنة والمسالمة لفترة من الزمن تحقق مكاسب عظيمة تفوق مكاسب الحرب والقتال ؛ كما حدث في صلح الحديبية (30) ؛ ومن ثمَّ يشرع للقيادة الإسلامية مهادنة العدو حتى مع القوّة .
وإمَّا أن تكون الدولة الإسلامية في حال ضعف ؛ وهنا يجب عليها سلوك الطرق السلمية الممكنة ، للدعوة إلى الله وإبلاغ الرسالة الخاتمة والدين الحق ؛ وسلوك جميع السبل السلمية الممكنة التي تسلكها الدولة الإسلامية في تقوية إيمان المسلمين في الداخل بشتى صور الدعوة وتهذيب السلوك وتقوية الإيمان وحمايته من أهل الباطل ، وفي الخارج بتقوية إيمان الأقليات الإسلامية ودعوتها للصراط المستقيم ، وإعانتها في تطبيق الإسلام على الوجه الصحيح ، وحل إشكالاتها الدعوية والفقهية ، والسعي في إقناع غير المسلمين من رعايا الدول المسلمة باعتناق الدين الحق ، كما هو الشأن في حال الدولة المعاهدة من خلال المشاريع الدعوية المباشرة أو الموجودة على أرض الواقع بجهود المسلمين فيها أو من خلال دعم الأقليات وحثها على نشر رسالة الإسلام التي تنتمي إليه ، ونحو ذلك مما هو واقع ومعمول به اليوم في صور كثيرة تحتاج مزيدا من الدعم والتواصل .

وفي هذه الحال تقتضي المصلحة الشرعية - في الغالب - عقد معاهدة مع الدول والكيانات الأخرى التي ليس بينها وبينها عهد ؛ فيشرع لها حينئذ المسالمة والصلح - بالمعنى الشرعي الذي يعني الهدنة المؤقتة أو المطلقة ، وليس المعنى القانوني الذي يعني الصلح الدائم – لكف شرها أو تحييدها والانتفاع بما يمكن الانتفاع به من العلاقات ضمن هذا العهد ؛ وتكتفي في سياستها العسكرية بالرد على من يبدؤها بالقتال ، مع العمل على تقوية الجيش الإسلامي وإعداد المقاتلين في الأمة ، ونصر المستضعفين ونشر الدين بالوسائل المشروعة قدر المستطاع ، وهذا يعني أنّ جهاد الطلب ( نشر الحرية ) قد يتأخر مدّة الإعداد للقوة الطالبة ، ولكن جهاد الدفع ( ردّ الغزاة وطرد المحتل ) لا يسقط في هذه الحال ولا يؤخّر ؛ لأنَّه فرض عين ، ولا تصح معه المهادنة (31) .

ومما يندرج تحت ذلك : حال الضرورة ، وذلك أنَّ الضرورة قد توجد مع قوة الدولة الإسلامية وظهورها على غيرها ؛ فقد تمر بضائقة مالية وحالة تزيد الحرب فيها الحال سوءا ، ومع توافر الجند وكثرة العتاد قد يحصل انشغال بحروب المصالح ، كمقاتلة مرتدين ، أو بغاة ، أو دفع كيد الطابور الخامس ، أو نحو ذلك مما لا يسمح بخروج الجند إلى ما وراء الثغور ، لتحقيق أهداف الدولة الإسلامية في نشر الحق والعدل ، وإزالة الكيانات التي تتبنى الظلم والجور ، وتقف في وجه الحرية والعدل ؛ فهنا قد تهادن الدولة الإسلامية تلك الكيانات ، بمال يدفع إليها وتتقوّى به ، أو بغير مال ، أو بمال تدفعه هي دفعاً لما هو أشدّ ضرورة وأعظم ضرراً ؛ كلّ ذلك حسب ما تقتضيه الضرورة الشرعية التي يجب أن يقرِّرها أولو الأمر من العلماء والولاة ؛ على النحو الذي يقرِّره الفقهاء في بيان مشروعية الهدنة ، وبيان مناط تلك المشروعية .

وهكذا تبقى قاعدة : ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت كبراهما إذا لم يتيسر السلامة منهما جميعاً (32) ؛ وتحصيل أعلا المصلحتين ولو بتفويت الدنيا منهما إذا لم يتيسر تحصيلهما جميعاً (33) .

وإذا قرأنا الأحكام الإسلامية في هذه المسألة قراءة متكاملة كما هي في أذهان الفقهاء الكبار ، فإنا سنجد تسبيبا كافيا في فهم ما قد يظنه بعض الناس تناقضا منهم . وذلك أنَّ أحكام الإسلام التطبيقية تتصف بخصائص عظيمة منها : الواقعية الشرعية . وفي هذا التقعيد الفقهي و التطبيق السياسي الشرعي الوصفي ، ما عليك إلا أن تنزّله على ما يوافقه مما تفوه به علماء الشريعة الربانيون المعاصرون من أحكام وفتاوى بشأنه ، لتظهر الخلفية السياسية الشرعية لتلك الأحكام والفتاوى في البلاد على اختلافها ، وهكذا كل ما تفرع عن هذه الأحكام من مسائل جليلة ودقيقة . ولا أظنك بحاجة إلى أن أعرض فتاوى علماء بعينهم الآن ، وإن رأيت ذلك فإني فاعل ذلك في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى .

وثمة تفاصيل تحت هذا التطبيق تتفرع عن مسائل مندرجة عنه أو عن مسائل من مجالات سياسية أخرى ، سيأتي الحديث عنها في حينه إن شاء الله تعالى .
وفي الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى سيكون الحديث عن صور أخرى من صور الضرب الأول من النوع الثاني .
 


(5)
[ من صور الضرب الأول والثاني وتطبيقاتهما المعاصرة ]

جاء في الحلقة الماضية إيراد تطبيق تقعيدي وصفي ، يمكن تنزيله على كثير من قضايا الواقع التي تندرج تحته في كل بلد من البلاد الإسلامية وغيرها .

وفي هذه الحلقة نواصل الحديث – إن شاء الله تعالى - عن صور أخرى من صور الضرب الأول من النوع الثاني ، فمن تلك الصور أيضاً :

- تغيُّر الحكم التطبيقي لتغيُّر العلَّة التي بُني عليها ؛ بالنظـر إلى تغير حال الناس أو تغير الحال في محل الحكم .

(34) ومن أمثلته التي يذكرها أهل العلم : ما ورد من أمر عثمان رضي الله عنه بالتقاط ضوالّ الإبل لمصلحة أهلها ؛ مع أنَّ النَّصَّ جاء آمراً بتركها (35) ؛ لتغير المصلحة التي بني عليها المنع ؛ فالأمر بتركها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يحقق المصلحة منه ؛ لغلبة الصلاح في الناس حيث تترك ضالة الإبل حتى يجدها ربُّها .
وأمّا في زمن عثمان رضي الله عنه فقد حصل تغيّر في حال الناس أورث خوفاً على أموال الرَّعيَّة من أن تمتدّ إليها يد الخيانة ؛ فرأى عثمان رضي الله عنه أن المصلحة حينئذ في الأمر بالتقاطها وتعريفها ، كسائر الأموال ، ثم تباع ، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها ، إذ لم يعد الأمر بتركها يحقق المصلحة منه على الوجه الأصلح ؛ ولو عادت علَّة المنع من الالتقاط كما كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لعاد الأمر بالمنع من الالتقاط (36) .
ومنها : وقف عمر رضي الله عنه لسهم المؤلفة قلوبهم لما نتفت علة التأليف في القوم الذين كانوا يؤلفون إلى بعض عهد الصديق رضي الله عنه .

ومن أمثلته المعاصرة : مشروعية التقاط لقطة الحرم بغرض تسليمها مباشرة إلى الجهة المختصة بحفظ ما يلتقط من أموال الحجاج والمعتمرين والزوار ؛ لما يترتب على ذلك من تحقيق المقصد الشرعي بحفظ المال ، وإمكان إيصاله إلى صاحبه ، أو مراجعة صاحبه للجهة المختصة لتسلّم ماله المفقود منها ، ولا سيما مع غلبة الظن بفقدها لتركها عرضة للسرّاق وضعاف النفوس ممن يتصيدون غفلة الزائرين وانشغال الطائفين والعاكفين والركع السجود .

ومنها : مسألة منع بيعِ واقتناءِ أطباق البث الفضائي ، ثم الإذن بها بضوابط تتعلق بالمشاهِد والمشاهَد ؛ وإنَّما منعها من منعها من أهل العلم الكبار في حينه ، لانحصار استعمالها في الشرّ في وقتٍ ، وغلبته فيما بعد ؛ ثم لمَّا ظهرت القنوات النافعة ، لم نجد الفتوى التي تأذن فحسب ، بل وجدنا الفتوى التي تحض على الاشتراك في القنوات الصادرة عن لجان شرعية ، كقناة المجد ، وقناة الناس في وضعها الحالي ، مثلاً، وهذا كلّه من حرص أهل العلم على فتح الذرائع المشروعة ، وتشجيع البَدَل المشروع ، ونشر الخير نشراً آمناً من الخلط والمزج بالشرّ ما أمكن ذلك .

ومنها : مسألة تعليم المرأة في المملكة العربية السعودية تعليما نظامياً ، فلم يمنعه شرعاً أحد من العلماء المعتبرين - كما يزعم بعض النَّاس - وغاية ما في الأمر أنَّ الاختلاط - في بعض البلدان - بين الجنسين كان هو السِّمة العامة لتعليم النساء نظاميا في تلك الحقبة التي مُنِع فيها ، ولذلك استنكره - حينها - كثير من المواطنين حميَّة وغيرة من غير فتوى ؛ فلمَّا اتفق العلماء والولاة على ضمانات خلو التعليم من مفسدة الاختلاط وتوابعها ، مثل قلة الاحتشام وما يترتب عليه -لم يكتف العلماء بالسماح بتعليم المرأة ، بل قادوا هم مؤسستها الحكومية ، وأشرف عليها مفتي الديار ورئيس القضاة حينها الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله .

- ومن تلك الصور : تغيُّر الحكم التطبيقي المبني على العرف ؛ لتغير العرف الذي بني عليه الحكم الأول . ومن أمثلته : تعجيل المهر بعضه أو كله ، أو تأجيله ؛ بحسب العرف ، وما يترتب على ذلك لدى القضاة ، من اعتبار الزوجة ناشزاً أو غير ناشز إن هي امتنعت عن الدخول في طاعة الزوج (37) .

الضرب الثاني : مسائل ثبت في كل واحدة منها أكثرُ من حكم ، بنص أو إجماع أو قياس ؛ بحيث يجتهد أولو الأمر في اختيار الأصلح (38) منها - شرعا - للواقعة المماثلة .

ومن أمثلته : أحكام المهادنة التي مرّ ذكرها في التطبيق السابق ، وكذا الخيارات المصلحية في أحكام الأسرى .

ومن أمثلته المعاصرة : فتوى شيخنا العلامة / عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - في الصلح مع اليهود ، فقد نال منه بها قومٌ ، ظنّاً منهم أنَّ الشيخ قد أخطأ ، مع أنَّ فتواه رحمه الله جاءت على الأصول الفقهية المعتبرة في مشروعية الصلح بمعنى ( الهدنة ) .
والشيخ رحمه الله قد بيّن حرمة الصلح الدائم مع اليهود ، وأكَّده في الفتوى ذاتها ، وفي بيانه لمراده - رحمه الله - في فتاوى لاحقة (39) ، وهذا الفرق يدركه العلماء ورجال السياسة ؛ ولذلك نجد اللجان الشرعية في حركة حماس الإسلامية ، تبني موقفها الحالي من الامتناع عن الصلح على موقف الكيان الصهيوني من عدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الذي هو جزء من الأمة المسلمة في أرضه كلها وماله ، وهو ما يفسِّر عدم جنوح قيادات الكيان الصهيوني للسلم ؛ بينما لو فعل ذلك ، فلن تجد حركة حماس ما يمنعها شرعا من الصلح ( الهدنة ) مع هذا الكيان .

هذا ما ما ناسب ذكره في هذه الحلقة . وفي الحلقة القادمة سيكون الحديث إن شاء الله تعالى عن الضرب الثالث من هذا النوع ، وذلك الضرب هو : مسائل ورد بشأنها أحكام شرعية ، لكن احتف بها ما يقتضي عدم فعلها ، أو استثنائها من أحكام نظائرها . وهو من أهم مجالات السياسة الشرعية وأكثرها تطبيقا في واقعنا المعاصر ، ولذلك سأورد إن شاء الله تعالى في الحلقة القادة جملة مهمة من التطبيقات العصرية .
والله الموفق .
 


(6)
[الضرب الثالث وبعض تطبيقاته العصرية ]

الضرب الثالث : مسائل ورد بشأنها أحكام شرعية ، لكن احتف بها ما يقتضي عدم فعلها ، أو استثنائها من أحكام نظائرها . ولذلك أسباب ، منها :

1) عدم فعل المشروع – من حيث الأصل – بالنظر إلى ما يؤول إليه الحال عند تطبيق الحكم .
ومن أمثلته التشريعية : قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة – رضي الله عنها - : (( يَا عَائِشَةُ لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ )) (40)فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مشروع من حيث الأصل ، لكن لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ناظراً إلى ما يؤول إليه من مفسدة – في وقته – أعظم من مصلحة نقض الكعبة وردِّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً باستعظامهم ما لم يعهدوه (41) .

وقد بيَّن الشاطبي رحمه الله أنَّ الإمام مالكاً رحمه الله ، قد راعى قاعدة : ( النظر إلى المآل ) ، عندما شاوره أبو جعفر المنصور أن يهدم ما بنى الحجاج من الكعبة ويردَّها على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم عملاً بهذا الحديث ، كما كان قد صنع عبد الله بن الزبير في خلافته ، فقد قال له : " أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيَّرَه ؛ فتذهب هيبته من قلوب النَّاس " ، فصرفه عن رأيه فيه خشية أن يؤول بناء الكعبة إلى التغيير المتتابع باجتهاد أو غيره ، فملك يبني ليكون بناؤها على القواعد من أعماله ومآثره وآخر يهدم ليجعل إعادتها من أعماله ومآثره مثلا ؛ فلا يثبت بناء الكعبة على حال (42) .

2) حصول ما يقتضي استثناء الواقعة من أحكام نظائرها .
ومن أمثلته المهمة : أنَّ النجاشي الملك الصالح رحمه الله ، كان يتحرى العدل ما أمكنه ذلك ، وكان يحكم يما يمكنه من الشرع ، ومما ثبت في ذلك ما روته أم حبيبة _رضي الله عنها_ أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ مع شرحبيل بن حسنة. رواه أبو داود واحتج به وصححه غير واحد من أهل العلم .

وكان النجاشي معذوراً فيما لم يمكنه الحكم به من شريعة الإسلام ؛ لكونه بدار كفر لا شوكة له فيها ، وخوفه على دينه ، وعدم علمه بكثير من الأحكام الشرعية ، وعجزه عن الحكم ببعض ما بلغه .
قال الشيخ أبو العباس ابن تيمية _رحمه الله تعالى_ : " لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها، بل الوجوب بحسب الإمكان، وكذلك ما لم يعلم حكمه، فلو لم يعلم أن الصلاة واجبة عليه وبقي مدة لم يصل ، لم يجب عليه القضاء في أظهر قولي العلماء ، وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر ، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، وكذلك سائر الواجبات من صوم شهر رمضان وأداء الزكاة وغير ذلك " (43) .

ومن ذلك ما أفتت به اللجنة الدائمة أن من " أمن على نفسه من الفتنة في دينه ، وكان حفيظاً عليماً يرجو الإصلاح لغيره ، وأن يتعدى نفعه إلى من سواه وألا يعين على باطل ، جاز له العمل في الدول الكافرة ، ومن هؤلاء يوسف _عليه الصلاة والسلام_ ، وإلا لم يجز " (44) .
ومنها : تأخير إقامة الحدود في حال الغزو وقد ورد به النص (45) ؛ درءاً لمفسدة اللجوء للكفار ، ومناصرتهم على المسلمين ، أو كشف أسرار المسلمين لهم .

ومن أمثلته أيضاً : عدم إقامة حدّ السرقة في أوقات المجاعات (46) ؛ درءاً للحد بشبهة الضرورة إلى المسروق .

ومنه : فتوى بعض العلماء بجواز التسعير في بعض الحالات (47) .

ومن أمثلته المعاصرة : التوقف عن جهاد الطلب ( الدعوة ونشر الحرية ) - لا ابتداع القول بإلغائه - مع إمكان النكاية في العدو في بعض الظروف والأحوال ، كما إذا غلب على الظّنّ تسبب ذلك في جلب لعدو إلى بلاد المسلمين ، أو القضاء على المكتسبات الدعوية التي تحقق مقاصد الجهاد في البلد الذي يراد إعلانه فيه .

ومن صوره : منع العلماء الربانيين والولاة المخلصين بعضَ الراغبين في الجهاد من المسلمين من بعض البلاد أو الأقليات الإسلامية إلى بلاد يوجد فيها جهاد شرعي يقوم به أهلها ؛ إذا بني المنع على ما يؤول إليه ذهابهم من أضرار على البلاد التي ينتمون إليها أو المسلمين الذي يعيشون بينهم ، بما يعود في المآل على أصل المشروعية في الحال المذكورة بالبطلان ، أو لكون تلك الأضرار مما يجب درؤه شرعا .

ومن أمثلته وتطبيقاته المعاصرة : جواز التجنس بجنسية بلد غير إسلامي في حالات استثنائية يقدرها العالم الرباني ، مع أن الأصل منع البقاء في بلاد الكفر والقبول بجنسيتها .

ومنها : جواز المشاركة في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية في بلد كافر بانتخاب مسلم أو انتخاب كافر هو الأقل ضررا على المسلمين أو الأعدل فيما يتعلق بالمسلمين .

ومنها : المشاركة في المظاهرات التي يراد بها التعبير عن حق أو دفع ظلم أو نفع المسلمين في البلدان التي تأذن للناس بها ، وذلك بضوابط معينة ، ولو مع غير المسلمين (48) .

وفي الحلقة القادمة – إن شاء الله تعالى - نكمل بإيراد أمثلة أخرى وذكر تنبيهات مهمّة في طريقة طريقة ذكر العلماء لمثل هذه الصور ، وكيفية الإفادة الشرعية من مثل هذه الأحكام مما ورد عن أهل العلم الربانيين .
 


(7)
[تتمة الضرب الثالث وذكر مزيد من تطبيقاته العصرية]


ومن أمثلة المسائل والوقائع التي تستثنى من أحكام نظائرها أيضاً : ما يفتي به بعض العلماء من منع المسلم من رعايا الدول الإسلامية من الزواج بالنساء الغربيات من أهل الكتاب ، إلا في حالات استثنائية ، مع أن الأصل جواز نكاح نساء أهل الكتاب ؛ وذلك لما يترتب على الزواج منهن اليوم من آثار لا تحمد عقباها على الزوج وذريته .

ومنها : منع الأنظمة عندنا في المملكة العربية السعودية من زواج بعض أصحاب المناصب المهمة كأصحاب الوظائف العسكرية والأمنية ، بغير السعوديات ، مع أن الأصل حل زواج المسلمات من أي بلد وأي عرق ، ومع أن الأصل أيضا حل النساء المحصنات من أهل الكتاب من أي بلد وأي عرق .

ومنها : تدخّل ولي الأمر في شؤون الأفراد في كل ظرف يغلب على الظنّ فوات مصلحة شرعية عامَّة بعدم التدخل فيه ، كمنع التدخل في أصل حق التملك ، في مسألة منع الاحتكار ، أو حق التصرف في السلعة بالبيع بالثمن المشروع في الأصل ، كما في الإلزام بالتسعير ، وهكذا التدخل بإجراءات توقف ضررا عاما في الناس .
ولعلَّ منها : التدرج في تنفيذ ما يجب تنفيذه من تطبيقات الشريعة مما يعسر تطبيقه بجملته ، و ذلك في ضوء قول الله عز وجل : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) [التغابن :16] . وقد مرّ ذكر حال النجاشي رحمه الله في ذلك وما استنبطه العلماء من قصته . ويلحق به كل مخلص من فرد أو جماعة ، قدر أن يعمل لهذا الدين بما يحقق مقاصده ولو بالتدرج ، دون تنازل عن الثوابت ، أو تهاون في الأصول ، أو عمل ما يعود على أصل تشريعي أو حكم شرعي بالبطلان .

وأمثلة هذا الضرب كثيرة ، بل يمكن القول - والله تعالى أعلم - : إنَّ جلّ فروع أنواع الاستحسان بالاجتهاد ، مندرجة تحت هذا الضرب من المسائل ، وهو باب واسع خطير .

ومن هنا نلحظ أن أهل العلم ولا سيما الأوائل منهم ، لم يكونوا يقرِّرون أحكاماً عامّة في هذا الباب ، لكنهم يفتون في كل مسألة وواقعة منه وفق الظرف والحال وما يحتف بذلك من مؤثِّرات في الحكم .

وكذلك لم نجد العلماء الربانيين يأخذون من تلك الفتاوى والتصرفات الاستثنائية أحكاما نهائية عامّة ، فلم نر منهم من قال - مثلاً - إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ألغى حدّ السرقة ! كما يزعم بعض تلاميذ المستشرقين وتلاميذ تلاميذهم في هذا العصر .

وعليه فإنَّ كل مسألة من المسائل الممثل بها هنا ، لا يؤخذ منها جواز تطبيقها من كل أحدٍ وفي كل ظرف ، بل لا بد من الرجوع إلى أهل العلم ، والصدور عنهم في تقرير المشروعية من عدمها في كل مسألة مماثلة بعينها .

وهذه الأمثلة تعود في طريقة استنباطها إلى أحد أسس السياسة الشرعية التي تستند إلى أسس أخرى ، فهي من مسائل ( الاستحسان ) ووجه الاستحسان فيها هو مستند المشروعية التي عدل بها عن نظائرها لكون وجه الاستثناء فيها أقوى من وجه إبقائها على حكم النظائر الأخرى .

هذا ما ما ناسب ذكره في هذه الحلقة . وفي الحلقة القادمة سيكون الحديث إن شاء الله تعالى عن النوع الثالث ، وهو : أحكام وقائع أو إجراءاتٍ وأمور إدارية ، لم يوقف لها على دليل جزئيِ خاصِ ، من نصٍّ أو إجماع أو قياس .
 


(8)
النوع الثالث : ما لم يرد فيه نص جزئي خاص

النوع الثالث : ما لم يرد فيه نص جزئي خاص

بعد الانتهاء من الحديث والتمثيل للنوعين الأول والثاني ، من المسائل الفقهية المندرجة تحت القسم الثاني من مجالات السياسة الشرعية في المسائل والأحكام - وهو الذي وكل تنفيذه إلى أولي الأمر ، ولا يفتات عليهم فيه – يأتي الحديث هنا عن النوع الثالث من هذه المسائل ، وبيانه في هذه الحلقة على النحو التالي :

النـوع الثالث : أحكام وقائع أو إجراءاتٍ وأمور إدارية ، لم يوقف لها على دليل جزئيِ خاصِ ، من نصٍّ أو إجماع أو قياس .

وتعالج أحكام هذا النوع من بالاستنباط الاجتهادي ، وذلك بإعمال طرق ( الاستدلال ) ولا سيما التي سبق ذكرها في المطلب الأول من المبحث الثاني وهي ما يعرف بـ ( الأدلة المختلف فيها ) أو ( الأدلة التبعية ) أو طرق استثمار النصوص ، أو ( الاستدلال ) وهو المصطلح المرتضى في هذه الدراسة وهي ما وُصِفت أيضا بأسس السياسة الشرعية .

ومن أمثلة هذا النوع : من الأحكام والوقائع :

- توظيف ولي الأمرِ الأموالَ ، على الأغنياء لدفع خطر طارئ على البلاد ، إذا لم تف خزينة الدولة مع ما يجب جبايته من الزكاة والصدقة وما يجب الحفاظ عليه من المال العام ، بما يُحتاج من مالٍ لدفع الخطر ، وهو مقيد بالشروط التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى .

ومنها : اتخاذ الإجراءات الرادعة ، التي تحول دون تساهل الناس في أحكام الشرع ، ومن ذلك إساءتهم لاستعمال ولاياتهم الشرعية الخاصة مثلا ، ومن أمثلته : الإجراء الذي اتخذه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، بإمضاء طلاق الثلاث بلفظة واحدة كما لو كانت ثلاثا ، من غير تغيير للحكم الأصلي ، وهو وقوعه الثلاث طلقة واحدة . فهو إجراء تعزيري لا حكم شرعي أصلي ؛ وليس في هذا الإجراء الذي اتخذه عمر رضي الله عنه مخالفة للشرع كما قد يُظنّ ، وغاية ما فيه : أنّ عمر رضي الله عنه منع المطلق ثلاثا بلفظ واحد من مباح وهو مراجعة الزوجة ، ومن المتقرِّر في علم السياسة الشرعية أن لولي الأمر أن يمنع الناس من بعض المباحات إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة ، ومن يتأمل عبارة عمر رضي الله عنه يجد فيها هذا المعنى ، فقد قال رضي الله عنه : ( إنَّ الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ! فأمضاه عليهم ) رواه مسلم .

فتأمل قوله : ( كانت لهم فيه أناة ) وقوله ( فلو أمضيناه ) .

- ومنها : كل ما يدخل في باب الجرائم التي يستحق مرتكبها التعزير شرعا ، من حيث تنظيم تفصيلاتها وتنظيم تقدير عقوباتها بحد أعلى وآخر أدنى ، كالأنظمة التي تحدد عقوباتٍ لمرتكبي جريمة الرشوة أو جريمة تزوير في المحررات أو تزييف النقود ، أو اختلاس المال العام ، أو إساءة استعمال السلطة واستغلال النفوذ ، وغير ذلك من الجرائم التي تتعلق بالموظفين العموميين . شريطة أن يتولى تنظيم ذلك ألو الأمر المختصين الشرعيين وأهل الخبرة ، وأن يكون الحكم فيها للقضاء الشرعي ، وعلى هذا جرى العمل لدينا في المملكة العربية السعودية فيما يعرف لدى المختصين في الأنظمة بالجرائم المنظمة في المملكة العربية السعودية .

- ومن أمثلتها أيضا : طلب ولي الأمر - أو من يقوم مقامه عند عدمه - من بعض الجنود أو الفدائيين ، تنفيذ عمليات عسكرية فدائية ، ولو تيقن الجنديُّ أو المجاهد المسلم فيها قتل نفسه تبعا لنكايته بالعدو بنية الجهاد ، لا قصداً للتخلص من الحياة ، ولهذا أدلته وشواهده في القرآن الكريم والسنة الصحيحة .

وينبغي أن يُتفطن إلى أن المسألة أوسع من الصورة الحالية في العمليات الاستشهادية في فلسطين مثلا ، فلو نظّم ولي الأمر فرقا فدائية استشهادية ضمن فرق الجيش الإسلامي ، لكان لهذا وجهه من السياسة الشرعية ، وله شروط وقيود مهمّة ليس هذا محلّ التفصيل فيها ، وإنما قصدت التمثيل هنا ليس إلا .
بل لولي الأمر حتى لو لم ير مشروعية العمليات الاستشهادية أن يدرب فرقة من الجيش على ذلك لحال الضرورة ، وسواء كان ذلك في قطاع البرية أو البحرية أو الجوية .
ولولي الأمر أن يقصر ذلك على مسألة الردع بمثل هذا التقسيم إن لم ير مشروعية ذلك ، ويكون صنيعه هذا من باب السياسة الشرعية .

- ومنه تصنيع الأسلحة الكيماوية ، وبناء المفاعلات النووية ، لغرض الردع ، والمعاملة بالمثل في حال الاعتداء على الدولة الإسلامية ؛ لا لغرض البدء بذلك .

ومنـه : من الإجراءات والأمور الإدارية (49) :

- إنشاء الدواوين (50) ؛ وتنظيم شؤون الموظفين ، وتنظيم إدارة الأعمال ، وتنظيم مرور السيارات ، وإجراءات التقاضي ، وعيكلة الأجهزة التنفيذية والقضائية ، وغير ذلك من النظم ، إذا كانت على وجه لا يخالف الشرع ولا يخرج عن قواعده ؛ فإنها حينئذ تكون من الأنظمة الوضعية المشروعة ، أي : التي ينظمها البشر ويسنونها ، مما هو داخل في السياسة الشرعية ؛ وتختلف أحكامها في المشروعية باختلاف حاجة الأمة إليها .

- وكذلك ما يندرج في الإجراءات من وسائل تنفيذ العبادات ، من مثل تنظيم بناء المساجد ، و وضع شروط لتعيين الأئمة والمؤذنين ، وتنظيم دفع الحجيج في المشاعر (51) ، وتحديد أعداد الحجيج بنسب معينة ، بما يكون سبباً في تيسير الحج وتقليل المخاطر ؛ وغير ذلك من الإجراءات والتنظيمات التي تشرع لولي الأمر من طريق المصالح المرسلة ، و قاعدة : فتح الذرائع (52) ، وغيرها من المستندات الشرعية المعتبرة ؛ وهذه الأمور لا بأس باستفادتها من أي مصدر ، ولو من تجارب الأعداء من غير المسلمين .

وقد تحدث فقهاء السياسة الشرعية عن أمثلة قد لا يخطر على بال بعض طلبة العلم فضلا عن غيرهم . ومما ذكروه في ذلك تحديد معايير للجودة ، وترتيبات لحماية المستهلك ، بتفاصيل تثير الدهشة .

ومن يقرأ في كتب الحسبة بمختلف أنواعها ومسمياتها يجد من ذلك عجبا .

وخلاصة القول : أنَّ كلّ ما صدر عن أولي الأمر ، من أحكام وإجراءات ، منوطة بالمصلحة ، فيما لم يرد بشأنه دليل خاص ، مُتَعَيِّنٌ - فهو داخل في مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة ، كما مرَّ بيانه في تعريفها ؛ والله تعالى أعلم .
 

-------------------------
(1) يحسن مراجعة حلقة مدلول السياسة الشرعية لاستحضار مدلولي السياسة الشرعية ، قبل الدخول في موضوع المجالات ليسهل على طالب العلم استجماع كلياته .
(2)ينظر : وسطية الإسلام وواقعيته ، للأستاذ الدكتور حسين الترتوري :47 وما بعدها ، مكتبة دنديس : الخليل .
(3)ينظر : الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام ، للقرافي :158 ؛ و أنوار البروق في أنواء الفروق ( الفروق ) ، له أيضاً :4/48 .
(4)نصَّ على ضبط الأسباب والأوصاف الثلاثة الأولى وأفادها العلامة القرافي – رحمه الله – في جوابه على السؤال ( الثاني والثلاثون ) : ما ضابط ما يفتقر إلى حكم الحاكم ولا يكفي فيه وجود سببه الشرعي … ؛ فبيَّن أنَّ مُوجِب الافتقار إلى حكم الحاكم ثلاثة أسباب ، فبيَّنها بالأمثلة ، كعادته . ينظر : الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام : 151-161 . وينظر : تبصرة الحكام ، لابن فرحون : 1/109 وما بعدها .
(5)الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ، للقرافي :153 .
(6)ينظر : المصدر السابق ؛ ومعين الحكام ، للطرابلسي : 41 .
(7)المصدر السابق ، للقرافي : 162 و ما بعدها .
(8)ينظر : المصدر السابق ، للقرافي : 157،80-81 ؛ والفروق ، له : 4/52 ؛ وإدرار الفـروق على أنواء الفروق ، لابن الشاط : 4/52 ، وهي حاشية على " الفروق " مطبوعة معه ؛ و المغني ، لابن قدامة [ مع الشرح الكبير ] : 4/511 ؛ و مختصر الفتاوى المصرية ، لأبي العباس ابن تيمية : 356 ؛ و فتاوى ابن الصلاح : 284- 289، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي ، دار الوعي : حلب ، ومطبعة الحضارة العربية : القاهرة .
(9)قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، لعز الدين ابن عبد السلام : 405 ، ط1-1413، تحقيق/ عبد الغني الدقر ، دار الطباع : دمشق . و ج2 ص 47 من طبعة دار القلم بتحقيق الشيخين : د. نزيه حماد ود. عثمان ضميرية ( وهي الطبعة الأكمل ، والله أعلم ) .
(10)ينظر : الإحكام في أصول الأحكام ، للآمدي :4/203 ، تعليق الشيخ / عبد الرزاق عفيفي ، المكتب الإسلامي : دمشق ، بيروت ؛ وجمع الجوامع ، لتاج الدين السبكي [مع شرح المحلي بحاشية البناني] : 2/391 ، دار الفكر : بيروت ؛ والمختصر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، لابن اللحام : 166 ؛ والمصادر السابقة .
وعدم نقض الاجتهاد المستوفي لشروطه إذا اتصل به حكم حاكم ، من القواعد المقررة لدى العلماء في الجملة ، وإن اختلفوا في طريقة تأصيله ؛ وقد حكى الاتفاق على هذه القاعدة عدد من أهل العلم ، منهم الآمدي ، وتاج الدين ابن السبكي ، وابن اللحَّام ، في المصادر السابق ذكرها هنا . وواقع كتب الفقه وشروحها تشهد لذلك ، وإن وقع خلاف في بعض التفريعات .
(11)ينظر : موجبات نقض الأحكام ، في المصادر السابقة .
(12)ينظر تعداداً لكثيرٍ من هذه المسائل : الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ، للقرافي :180-190 ؛ وتبصرة الحكام ، لابن فرحون : 102-109 ؛ ومعين الحكام ، للطرابلسي : 38-41 .
(13)الأحمية : جمع حمى ، وهو الحريم ؛ لأنَّه يُحْمَى ، أي : يُحفظ . ينظر : طلبة الطلبة ، للنسفي : 103. وصفته في الأصل : أن يحمي إنسان أرضاً من الموات ، يمنع النَّاس رعي ما فيها من الكلأ ؛ ليختص بها دونهم . وكانت العرب في الجاهلية تعرف ذلك ؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لما فيه من التضييق على الناس ومنعهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق ، و جاءت الشريعة بضبط ذلك بضوابط ؛ فليس لأحد من الناس سوى أئمة المسلمين ، وليس لهم أن يحموا لأنفسهم شيئا ، ولكن لهم أن يحموا مواضع لترعى فيها خيل المجاهدين ، ونعم الجزية ، وإبل الصدقة ، وضوال الناس منها ، التي يقوم الإمام بحفظها لهم ، وماشية الضعيف من الناس ؛ على وجه لا يستضر به من سواه من الناس . وينظر : المغني مع الشرح الكبير : 6/185( ط دار الفكر) .
(14)الذخيرة ، للقرافي :10/43 ، والقاعدة معروفة مشهورة .
(15)ينظر : الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ، للقرافي : 158.
(16) ينظر : الموافقات ، للشاطبي : 5/12 ؛ وإن كان ما تتطلبه صحة التطبيق من إجراءات قد داخلا في السِّيَاسـة الشَّرعيَّة ، لكنه داخل في النوع الثاني .
(17)ينظر أمثلة ذلك في : تبصرة الحكام ، لابن فرحون : 1/114 .
(18)ينظر : تقاسيم أبي حاتم محمد بن حبان التميمي (ت/354) في كتابه : المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع ( صحيح ابن حبان ) ، وتلخيصها في خطبة الكتاب التي هي : الفصل الثاني من : الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ، للأمير علاء الدين الفارسي ؛ حيث ضمنها هذا الكتاب : 55 ، ت/ الشيخ : أحمد محمد شاكر/ مكتبة ابن تيمية . فمن القسم الأول : الأنواع : (3،4،16،55،79) ، ومن الثاني : (17) ، ومن الثالث : (34) ، ومن الرابع : (8 ، 11، 24، 40، 42) ، ومن الخامس : ( 3 ، 9 ، 16 ، 38 ، 41 ) .
وإنما أشرت إلى تاريخ وفاة المؤلف رحمه الله لبيان سبق علمائنا في مجال التقسيم الفقهي الدقيق الذي يتباهى به أهل القانون اليوم .
(19)ينظر : المدخل إلى السياسة الشرعية ، لشيخ مشايخنا الشيخ عبد العال عطوه رحمه الله : 45 . مع بعض التصرف .
(20)رواه البخاري : ك/ الزكاة ، ب/ الصدقة قبل العيد ، ح(1510) وغيره ؛ ومسلم : ك/ الزكاة ، ب/ زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير ، ح(985) ؛ وجاء التصريح بالفرض في حديث ابْنِ عمر - رضِي اللَّه عنهما - أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ( فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ …) . رواه البخاري : ك/ الزكاة ، ب/ صدقـة الفطر على العبد وغيره من المسلمين ، ح(1504) ؛ ومسلم ، الموضع السابق ، ح (984) .
(21) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 25/69 .
(22) رواه البخاري : ك/ الأضاحي ، ب/ ما يؤكل من لحوم الأضاحي ، وما يُتَزوَّدُ منها ، ح(5569) ؛ ومسلم : ك/ الأضاحي ، ب/ بيان ما كان النهي عن أكل لحـوم الأضاحي بعد ثلاث في الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء ، ح(1974) . والجَهد : المشقـة والفاقة ، وتعينوا : من الإعانـة .
(23) رواه مسلم : الكتاب والباب السابقين ، ح(1971) .
(24)ينظر : إكمال المعلم بفوائد مسلم ، للقاضي عياض : 6/424،426، ط1-1419، ت/ د. يحيى إسماعيل ، دار الوفاء : مصر ، ومكتبة الرشد : الرياض .
(25) كنت أود تأخير التطبيقات حتى لا يتأثر تسلسل التنظير الفقهي ، إلا أنني رأيت إلحاح كثير من الإخوة بطرح التطبيقات أثناء التنظير ، ولذا سأدخل بعض التطبيقات أخذاً برأيهم وتحقيقا لطلبهم ، وذلك مع معالجة انقطاع التسلسل بمحاولة تلخيص التقسيم بعد التطبيقات المطوّلة ، ثم المتابعة للتنظير إن شاء الله تعالى .
(26) فيطالب بإعطاء ( الجزية ) ، التي هي أشبه بالضرائب الرمزية ، وهذا مما يدفعه للعمل ، ومن ثم يساهم في الحد من البطالة ، فلا يبقى عاطلاً عن العمل مع قدرته عليه ؛ ويتمتع حينئذ بالحماية الإسلامية ، والإفادة من المرافق والمصالح العامة .
(27) وتحت هذا القسم كثير من قضايا السياسة الشرعية التي سيأتي التمثيل ببعضها فيما بعد إن شاء الله تعالى ، ومنها ما يتعلق بالدولة الإسلامية أو برعاياها أو بالجاليات الإسلامية في تلك البلاد .
(28) ومنه منع العلماء في المملكة العربية السعودية و العراق ، ذهابَ الشباب الراغب في الجهاد من المملكة إلى العراق ، مع أن الجهاد فيه جهاد مشروع ؛ وذلك لما يترتب على ذهاب بعض الأفراد من ضرر كبير يغلب على الظن وقوعه ، في حال السماح بذهاب الشباب للعراق قصد الجهاد ؛ ويتمثل ذلك في مخاطر كثيرة ، منها ما يعود إلى بلاد الإسلام المستقلة : كإيجاد مسوغ لقوى الظلم والطغيان في العراق للاعتداء على البلاد والعباد والمقدسات ، و وضع قلب العالم الإسلامي مأرز الإسلام في دائرة المخاطر التي لا تقارن بمخاطر عدم ذهاب بعض المتطوعين ؛ ومنها ما يعود للمجاهدين في العراق بوصفهم بأوصافٍ تخدِم المحتل ، مع عدم حاجتهم إليها ، والكلام في بيان المفاسد التي تترتب أو يغلب على الظن ترتبها ، يطول .
(29) تحسن قراءة الحلقة الماضية (21) ولو من بداية الحديث عن القسم الثاني .
(30) ينظر : مسائل من فقه الكتاب والسنة ، لعمر الأشقر : 261،262 .
(31) ينظر : المعيار المعرب ، للونشريسي : 2/207 - 209 .
(32) ينظر : المنثور في القواعد ، للزركشي :1/348 وما بعدها ؛ والأشباه والنظائر ، لابن نجيم : 98 .
(33)ينظر : المنثور في القواعد ، للزركشي :1/345 ؛ وقواعد الأحكام في مصالح الأنام [ في عدة مواضع ، منها ] :96-97 ؛ ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة ، للشيخ عبد العزيز بن باز : 5/293 . وقد بين هذه القاعدة وأكثر التمثيل لها العز ابن عبد السلام رحمه الله في : قواعد الأحكام .

(34) ينظر : الموطأ ، للإمام مالك : ك/الأقضية ، ب/ القضاء في الضوال ، ح (51) .
(35) في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله أعرابيٌّ : كيف ترى في ضالة الإبل ؟ فقال : (( دعها فإن معها حذاءها و سقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها )) ، رواه البخاري : ك/ اللقطة ، ب/ ضالة الغنم ، ح(2428) ؛ ومسلم : ك/ اللقطة ، في أول أحاديثها ولم يوضع فيه تحت باب ، ح (1722) .
(36) ينظر : رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ، لشيخنا د. يعقوب الباحسين : 362 .
(37) ينظر : السياسة الشرعية في الفقه الإسلامي ، لعبد الرحمن تاج : 82 ؛ و المدخل إلى السياسة الشرعية ، لعبد العال عطوه : 45 . ونشوز المرأة : عصيانها لزوجها ، وامتناعها عنه . ينظر : المصباح المنير ، للفيومي : (نشز) .
(38)ينظر : إجابة الغزّالي على سؤال المصيصي في : البحر المحيط ، للزركشي :6/258-259 ؛ و خطبة ابن حبان لكتابه : المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع ، وهي في : الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ، لعلاء الدين الفارسي :55 ؛ وينظر : مقدمة أستاذنا د. فؤاد عبد المنعم لكتاب : السياسة الشرعية ، لإبراهيم بن يحيى خليفة المشهور بِدده أفندي : 66 ؛ ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية ، لشيخنا د. يعقوب الباحسين :361 ؛ ونظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي ، لعبد السلام العسري :213 .
(39)ولعلّ من أسباب سوء فهم بعض طلبة العلم ، عدم إدراكهم للفرق بين مصطلح الصلح في الشريعة الإسلامية ، وفي القانون الدولي ، وبيانه : أنَّ المراد بـ ( الصلح ) بالمعنى القانوني الدولي ، هو : عقد اتفاق دائم بين الأطراف المتصالحة . بخلاف معنى الصلح في المصطلح الشرعي الذي يعد رديفا للهدنة في المصطلح الشرعي الفقهي الإسلامي وفي القانون الدولي . وقد بينت ذلك بتفصيل في الجواب على سؤال عن حكم التطبيع مع الكيان الصهيوني نشر في موقع المسلم من قبل ، وهذا رابطه :  http://www.almoslim.net/rokn_elmy/show_question_main.cfm?id=10379

(40) رواه البخاري ، ك/ الحج ، ب/ فضل مكة وبنيانها … ح(1586) ؛ ومسلم ، ك/ الحج ، ب/نقض الكعبة وبناؤها ، ح(1333) . وفي رواية : (( فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأرْضِ )) رواه البخاري : الموضع السابق ، ح(1584) .
(41) ينظر : الموافقات ، للشاطبي :5/181 .
(42) ينظر : الموافقات ، للشاطبي :5/181 ؛ و4/113 . وينظر : إكمال المعلم بفوائد مسلم ، للقاضي عياض : 4/428 ؛ و صحيح مسلم بشرح للنووي :9/89 .
(43) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : :19/225.
(44)فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء :2/75 .
(45)ينظر : إعلام الموقعين ، لابن القيم : 3/14-61 ؛ وتنظـر المسألـة في : المغني ، لابن قدامة [ مع الشرح الكبير ] :10/528-530
(46)ينظر : إعـلام الموقعين ، لابن القيم :3/14-16، وينظر المسألة فـي : المغني ، لابن قدامة [ مع الشرح الكبير ] :10/286 .
(47)الحسبة في الإسلام ، لابن تيمية : 40-49 .
(48)ينظر هذا الرابط : http://www.almoslim.net/rokn_elmy/show_question_main.cfm?id=8716

(49)ينظر : جواب الغزالي على سؤال المصيصي . البحر المحيط ، للزركشي : 6/258-259 ؛ وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ، للعلامة / محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (ت/1393) : 2/377 ، [ الكهف : 26] ، ط1-1417، عناية/صلاح الدين العلايلي ، دار إحياء التراث العربي : بيروت ؛ وتعليق /د. محمد الأشقر ، على : المستصفى ، للغزالي : 1/416 .
(50)الدواوين : جمع ديوان ، وهو : اسم يطلق على الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء ، ثم أطلق على : الدفـاتر التي تستخدم في تسيير المصالح المختلفة في إدارة الدولة من الأموال ، والأعمال الإدارية والعسكرية ، وغيرها ، كما يطلق على الأماكن التي توجد بها هذه المصالح ، وموظفي الدولة . وقد اختلف في أصل الكلمة ، هل هي عربية أو معربة ؟ وصوَّب بعض العلماء القول بأنَّها عربية ؛ بأنَّها من دونت الكلمة : إذا ضبطتها وقيَّدتها ؛ لأنَّه موضع تضبط فيه أحوال الناس وتدوَّن .
(51)ينظر : سن الأنظمة في الدولة الإسلامية ، د. يوسف الخضير : 403-405 .
(52)ينظر : الحسبة في الإسلام : 32 ؛ وص : 148 .


نشر في موقع المسلم http://www.almoslim.net/

 

د.سعد العتيبي
  • مقالات فكرية
  • مقالات علمية
  • أجوبة شرعية
  • الصفحة الرئيسية