اطبع هذه الصفحة


معيار التفريق بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية (1)

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

د. سعد بن مطر العتيبي

 
السياسة الشرعية بمدلوليها العام والخاص هي : كل حكم أو إجراء وتدبير تُساس به الكافَّة (1) ، على مقتضى النظر الشرعي (2) ( أي تطبيق الشريعة الإسلامية وقوانينها ) .
والسياسة الوضعية في النظر الإسلامي الشرعي هي : كل سياسة تُحمل فيها الكافَّة ، على غير مقتضى النظر الشرعي (3) ( أي لا يراعى فيها تطبيق الشريعة الإسلامية وقوانينها ) .

وهذا التوصيف ينطلق من معيار علمي عملي هو : النظر في السياسات المقننة أو التي عليها العمل ، التي يُعَبَّر عنها بـ( النظام السياسي ) ؛ الذي يقصد به نظام الحكم في أي بلد من البلاد ، و يتناول شرحه ما يُعرف بـ( علم القانون الدستوري ) (4) ؛ فالسياسات الوضعية ، رديف لما يُعرف في هذا العصر بـ" الدساتير الوضعية " ، وما يتفرع عنها (5) ، مِمَّا لا تُقِرُّه الشريعة الإسلامية ؛ إذ إنَّ ما تقرُّه الشريعة الإسلامية يعدّ حقاً ولو صدر من غير المسلمين .
وهي داخلـة في مصطلح ( القانون ) بمدلوله الواسع ، الذي هو : " مجموعة القواعد و المبادئ والأنظمة ، التي يضعها أهل الرأي (6) ، في أمَّةٍ من الأمم ؛ لتنظيم شؤون حياتهم الاجتماعية ، والاقتصادية ، تنظيماً آمِراً مُلْزِماً ، استجابةً لمتطلبات الحياة وسدّاً لحاجاتها " (7) .

وتعريف النظام السياسي بـ ( النظام الدستوري ) ، يقوم على ما يعرف بـ ( النظرية القانونية التقليدية ) ، التي تستند إلى قاعدتي : الدولة ( السلطة ) ، ونظام الدولة ، التي تعتبر أوضح معايير التعرّف على الأنظمة السياسية ، وتقييمها ، وأسلمها ، حيث تعتمد على حقيقة واقعة رسمية ، هي : أنَّ النظام السياسي هو النظام الدستوري بذاته (8) ؛ إذ النظام السياسي هو : " الشكل الخارجي للسلطة العامّة وما يحيط به من قواعد تُحَدِّد شكل الدولة أو الحكومة ووظائفها القانونية ، وكيفية ممارسة السلطة من خلال دراسة النصوص الواردة في الدستور " (9) .
والدّستور هو : مجموعة القواعد التي يرجع إليها في تنظيم الدولة والمجتمع (10) .

ويستند التصنيف السابق للدول والسياسات وفق معيار الدستور ، في النظر الفقهي الشرعي إلى التقسيم الفقهي للدول في القانون الدولي الإسلامي :
إذْ يقسم الفقهاء الدول إلى : دولة إسلامية : يحكمها المسلمون ، وتنفذ فيها الأحكام الإسلامية ، ويكون النُّفُوذ فيها للمسلمين ، ولو كان غالب أهلها من غير المسلمين . ودولة غير إسلامية أو دولة كفر ، وهي : كل دولة يحكم فيها بغير القانون الإسلامي ، ويتأكد ذلك بأن يتولى قيادتها رئيس غير مسلم .

ويُلحَظ أنَّ المعتبر في التمييز بين الدّولة الإسلامية وغيرها : وجود السلطة ، وسريان الأحكام ؛ فإذا اجتمعت السلطة الإسلامية التي تُنَفِّذ أحكام الإسلام ، وتبسط الأمن في البلاد ، كانت سياسة إسلامية ودولة إسلامية ؛ وإذا اجتمعت السلطة وتنفيذ الأحكام الوضعية ، كانت سياسة غير إسلامية ودولة غير إسلامية .
فمعيار وصف السياسة والدَّولة بأنَّها إسلامية أو غير إسلامية : القوانين التي يُحكم بها ؛ فإن كانت قوانين إسلامية فهي دولة إسلامية ، وإن كان جل أهلها من غير المسلمين ؛ وإن كانت قوانين غير إسلامية فهي دولة غير إسلامية ، وإن كان جُلّ أهلِها من المسلمين .
وإن جمعت دولة صفاتٍ من الدولتين ، أَخَذَت من حُكمِ كلٍ منهما ما يلتحق بها ؛ فيصير لها حال ثالثة من حيث المعاملة .
وهذا المعيار - السابق ذكره - هو المهمّ في الدراسات الفقهية والتنظيمية .

وقد قسم العلامة ابن خلدون السياسات الوضعية إلي قسمين :

القسم الأول : السياسات الطبيعية أو الملك الطبيعي .
وهي : التي تحمل فيها الكافة على مقتضى الغرض والشهوة . فهي تتبع طبع الحكّام من حيث شهواتهم وأغراضهم ، دون مراعاة لشرعٍ مستقيم أو عقـل سليم .
ومثالها في هذا العصر ما يعرف بالسياسة الاستبدادية (الدكتاتورية) ؛ وهي : نهج سياسي يقوم على حكم الفرد أو القلة للشعب وسياستِه في كل صغيرة وكبيرة ، قهرا دون إرادة ، ولا تخضع الحكومة فيه لنظام شرعي ولا لقانون وضعي معين ، ولا توجد فيه قيود على سلطات الحاكم وتصرفاته ، فهو الذي يصدر القوانين والأوامر واللوائح ، ويغيِّرها ويبدِّلها ، وفق ما يري ويهوى بل ويغير الدّستور ويبدِّله ؛ سواء كان الحكم عسكرياً أو مدنيا .
فأحكام هذه السياسات ، مستبِدَّة قاهرة ، مائلة عن الحق غالباً ؛ يحمل فيها النَّاس على ما ليس في طوقهم من الأغراض والشهوات ، ومن ثم تعسر الطاعة ؛ فيفضي ذلك إلى الخلل والفساد دفعة ، وتنقضي الدولة سريعاً ؛ بما ينشأ من الهرج والقتل ؛ نتيجة تعسُّرِ الطاعة وانتشار الظلم ؛ ولهذا أوجب ذوو الرأي الرجوع في السياسات إلى قوانين سياسية مفروضة ، على الكافَّة ، فينقادون لأحكامها ، وهو القسم التالي من قسمي السياسات .

القسم الثاني : السياسات العقلية أو الملك السياسي أو السياسات المدنية .
وهي : التي تحمل فيها الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ، ودفع المضار ؛ فهي سياسة تنظيمية عقلية دنيوية فقط ، تقوم على مجموعة الأحكام التي اصطلح أو تعارف شعب ما على لزوم الانقياد لها ، وتنفيذها ؛ لتنظيم الحياة المشتركة في هذا الشعب .
ومثال تلك السياسة في هذا العصر : السياسات " الديمقراطية " الغربية ، التي تستند إلى جملة من الأفكار والمبادئ ، التي أهمها : مبادئ الثورة الفرنسية ؛ حيث صارت صفة " الوضعية " مذهباً فكرياً ونظرية سياسية ، لا مجرد آليات كما قد يظن البعض .
والمراد هنا الديمقراطيات الغربية ، التي مظهرها : الديمقراطية النيابية : التي يمارس الشعب فيها مظاهر السيادة - مصدرية الأحكام والتشريعات - بواسطة مجلس نواب يرشحهم الناخبـون من الشعب ؛ فهي عند منظريها : حكم الشعب بالشعب ، حيث يحتفظ فيها الشعب بحـق التدخل المباشر لممارسة السيادة عن طريق وسائل مختلفة ، كحق الاقتراع ، والاستفتاء ، والاعتراض ؛ وهي سياسات بدأت تفقد ميزاتها بالتدخل في تغيير مسارها بالتزوير تارة وبالضغوط تارة وبالأحكام القضائية تارة أخرى ؛ و ها هي الديمقراطية الأمريكية تفتـح محاكم عسكرية في مطلع القرن الجديد !؟ وتقبض على العرب والمسلمين ؛ لتطبق عليهم قاعدة معكوسة ، كانت مثار سخرية الأمريكي يوماً ما ، تقول : المتهم مدان حتى تثبت براءته !؟

ومن أمثلة تلك السياسات – كذلك - : السياسات " الماركسية " غير الاستبدادية ؛ أو الاشتراكية العلمية ، المذهب السياسي الاقتصادي ، الذي نادى به ( كارل ماركس ) رداً على " الاشتراكية " التي : سماها الخيالية – بشَّرَ فيها بإقامة مجتمع ينعم بالمساواة السياسية والاقتصادية التامة ، والماركسية تقيم حكماً غليظاً يتصرف في كافة أمور المواطنين ، مع أنها تدعو لزوال الدول ؟‍ وتقوم على الحتمية التي لا ترد وقد ثبت فشلها عياناً وتهاوت أمام العالمين .
وتوصف هذه السياسات في الاعتقـاد الإسلامي بأنها أحد صور الشرك في الطاعة والانقياد أو التشريع ، حيث يُمنح المخلوقون حق التشريع المطلق ، الذي هو كالخَلْق ، من خصائص الله تعالى : ( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ 54) [ الأعراف] ؛ إذ يمنع الإسلام تشريع الإنسان للإنسان تشريعاً مطلقاً . ويشير القرآن الكريم إلى سبب تعدد السياسات غير الشرعية ونتائجها على البشرية في آيات ، منها الآية الخامسة من سورة ق : ( بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ ) ؛ فها هي النظريات السياسية تُستحسن فتقدس ثم ما تلبث أن يَتَبَدَّى انتكاسها ؛ فتُنْتَقص ، ثم تُنبذ شيئاً فشيئاً حتى يَحلّ غيرُها محلَّها ، وهكذا دواليك ، أمر مريج مختلط ؛ وانتكاسات متتالية ، نهايتها الانهيار التام ، بل ربما العداء الشديد لها من قيادات الجيل الجديد (11) .


وإلى الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى .


---------------------------
(1)الكافَّة : الجميع من الناس . ينظر : الصحاح ، للجوهري : باب الفاء ، فصل الكاف . والمراد هنا : الأمَّة المسوسة " المحكومة " .
(2)ينظر : مقدمة ابن خلدون : 191 ؛ وبدائع السلك في طبائع الملك ، لابن الأزرق : 1/291.
(3)نفس الإحالة السابقة .
(4)ينظر على سبيل المثال : القانون الدستوري والأنظمة السياسية ، لعبد الحميد متولي : 1/24 ؛ والنظم السياسية والقانون الدستوري ، لحسين عثمان : 14 .
(5)ينبغي التنبه إلى أن القواعد الدستورية لا تنحصر في ( القانون الدستوري ) . ينظر : القانون الدستوري والمؤسسات السياسية ، لأندريه هوريو :1/284 ؛ والقانون الدستوري والأنظمة السياسية ، لعبد الحميد متولي : 1/ 21 ، الحاشية رقم (1) والقانون الدستوري والنظم السياسية ، لعبد الحميد متولي ، وسعد عصفور ، ود. محسن خليل : 15-16 .
(6)ينظر بدائع السلك في طبائع الملك ، لابن الأزرق :1/291 .
(7)مدخل الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة ، لعبد الله العجلان ، ونبيل طاحون : 19-20 .
(8)ينظر : الوسيط في القانون الدستوري العام ، آدمون رباط : 2/126،577 وما بعدها ، بواسطة : الدساتير والمؤسسات السياسية ، د. إسماعيل الغزال :11 .
(9)الدساتير والمؤسسات السياسية ، لإسماعيل الغزال : 10 .
(10)الدُّستور ، كلمة مُعَرَّبة عن الفارسية ، وأصلها فيها : الأساس أو القاعدة ؛ قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط : " الدستور ، بالضم : النسخة المعمولة للجماعات التي منها تحريرها ، مُعَرَّبة ، ج[ جمعها ] : دساتير ". باب الراء ، فصل الدال . كما تطلق على الأصل والقانون ، والوزير الكبير الذي يرجع في أحوال الناس إلى ما يرسمه . ينظر : قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل ، للمحبي : 2/ 28 . وجاء في المعجم الوسيط : الدستور : القاعدة يعمل بمقتضاها ، والدفتر تكتب فيه أسماء الجند ، ومرتَّباتهم . معربة ؛ وفي الاصطلاح المعاصر : مجموعة القواعد الأساسية التي تبين شكل الدولة ، ونظام الحكم فيها ، ومدى سلطتها إزاء الأفراد ، جمعها : دساتير ، محدثة . ينظر : كلمة : دستور .
واصطلاح (القانون الدستوري) حديث النشأة ، يُرجَعُ تاريخُه إلى سنة : 1834م ، عندما أنشئ - لأوَّل مرَّة - كرسي لمادة " القانون الدستوري في كلية الحقوق بباريس ، في فرنسا ، ويحتمل أنها نُقِلت عن الإيطاليين ؛ وكانت موضوعاته تُبحث تحت عنوان (القانون العام) أو (القانون السياسي)" ؛ وانتشرت هذه التسمية في مصر سنة : 1923م ، وقد كان الشائع استعمال (القانون النظامي) أو (القانون الأساسي) ، وقد شاع استعمالها في دساتير الدول العربية الحديثة ، وإن كان يستعمل فيها الاصطلاحان معاً . و النظام الأساسي هو الذي اعتمد في تسمية دستور المملكة العربية السعودية ؛ حيث سُمِّي ( النظام الأساسي للحكم ) ، ينظر الأمر الملِكي ذي الرقم أ/90 ، بتاريخ 27/8/1412.
(11)فها هي ( الديمقراطية ) – أنفس ما يظن عموم الغربيين - ومن غرّهم تقلبهم في البلاد - أنَّهم وصلوا إليه من السياسات الوضعية – تُعاب وتُنتقص من أربابها ؛ بل في دار نشأتها ، مع ما تحاط به من هالات إعلامية ؛ ويمكن تلخيص العيوب التي رصدها " بعض الغربيين المعروفين في وقت مبكر ، ومنهم : بوسكيه وفاتييه في كتابهما : ( الإنسان في المجتمع المعاصر ) على ( الديمقراطية ) - فيما يلي : " الصراعات الدائمة بين الأحزاب المنقسمة على بعضها .. الحكومات التي لم يتجاوز متوسط بقائها في الحكم طيلة نصف قرنٍ ثمانيـةَ أشهر .. المنافسات الحمقاء بين المواطنين .. عـدم وجود سياسة متجانسة لمدى طويل .. البطء الشديد في تقدم مستوى حياة الجماهير المتمثل في صور منها : سياسة الإسكان ، وعدم كفاية التربية المدنية ، والاقتصادية ، والاجتماعية " .



نشر في موقع المسلم http://www.almoslim.net/

 

د.سعد العتيبي
  • مقالات فكرية
  • مقالات علمية
  • أجوبة شرعية
  • الصفحة الرئيسية