اطبع هذه الصفحة


مجلس الحكماء

رضا أحمد صمدي

 
الحمد لله الذي جعل العاقبة للمتقين ، وأخلف عليهم في الغابرين ، وجعل لهم قدم صدق في العالمين ، وأصلي وأسلم على إمامهم وسيد طريقتهم ، من خاف الله في السر والعلن ، وقام بدين الله حق القيام حتى أتاه اليقين ، وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وأزواجه الأطهار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد :
يقول الله تبارك وتعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ، ويقول عز وجل : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ) ، ويقول عز من قائل : ( إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم ) ، ويقول سبحانه : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ومعصية الرسول ) ، ويقول سبحانه : ( وأن هذه أمتكم أمة واحدة ) ويقول سبحانه : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ، ويقول سبحانه : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ، ويقول سبحانه : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ، ويقول صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ، ويقول صلى الله عليه وسلم : ( إن يد الله على الجماعة ) ...

ثم أما بعد ....فلا يخفى على أحد من أهل الإسلام أن أعداء الدين قد جمعوا العدة في حربه ، وحزبوا الأحزاب في ضربه وقصمه ، واتضحت معالم المعركة مع الدول التي تناصب الإسلام العداء ، وإن استترت ببعض الشعارات الموهمة واختبأت وراء بعض العبارات الخادعة .
ومثل هذا الحال نذير لأهل ملة الإسلام أن ينفضوا عنهم أثقال الأوزار في عقائدهم وعاداتهم ومعاملاتهم ، وأن يصدقوا اللجأ إلى الله تعالى ، وأن يعتصموا بحبله ويتمسكوا بأهداب دينه ويتخلوا عن التفرق والنزاع ، ويقيموا على أرض صلبة من التفاهم والتعاون والتكامل .
وكما لايخفى على أحد أيضا أن جيل الصحوة الذي بدأ مسيرة الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى في كل الميادين ، ونادى بتطبيق شرعه تبارك وتعالى ونصرة الدين في كل حين ؛ يعاني الكثير من الوهن بسبب ما اعتوره من تمزق وتفرق ونزاع .
ولا شك أن بعض هذا التمزق والنزاع والتفرق مرده إلى اختلاف في الرؤى ، بعضها يحتمله الخلاف في دين الله وبعضه لا يحتمله ، وبقي الجميع على هذه الحالة من التباعد ، ينظر بعضهم إلى بعض ، يخطئون ولا ينصحون ، بل يتهاجرون ويتباغضون ، والجميع دعواهم واحدة وطريقتهم واحدة ...
والكثير منهم قد يختلف في أمور شرعية ، غالبها ليس من أصل الدين ومعتقده ، وما كان من أصل الدين فإنه لم تقم أية مبادرة لتفهيم المخالف بحقيقة خطئه ، بل بقي التهاجر السمة الغالبة على الفرقاء مع أن الأصل أنهم أتباع دين واحدة ويعتصمون بآصرة واحدة هي آصرة الإيمان ومعتقد أهل السنة والجماعة ...
ومثل هذا الحال يقتضي من جميع الغيورين على الأمة أن يهبوا لنجدة الدين ، وأن يضغط كل واحد على عواطفه واتجهات تفكيره ، وأن يقبل الجلوس مع المزعموم أنه خصمه ، وأن يقبل التناصح معه على مقتضى القواعد الشرعية ...
ومجرد إمكانية الجلوس على مبدأ الأخوة الإسلامية ؛ يعتبر خطوة راشدة في اتجاه إذابة الخلافات أي توحيد الصف نحو الحق الصراح ، وإن لم يحدث الاجتماع على الرأي فلا أقل من أن تجتمع القلوب وأن تتعاهد على العمل لدين الله تعالى مسوقة بشرعه متمثلا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ...
إننا ندعو جميع المنتمين إلى هذه الصحوة ، علماء ودعاة ومربين وشبيبة وأشبال رجال ونساء إلى أن يقفوا وقفة واحدة مع الجماعة والوحدة والائتلاف ، وأن يعملوا على التناصح في كل الميادين والمجالس والمنتديات ، ليتم جمع الصف ، وتكوين قاعدة من الرأي العام يجنح إلى السلم بدلا من حالة الحرب ، أو اللاسلم واللاحرب ، التي تعيشها صحوتنا .
وليس من خيار آخر في سبيل بدء الاستعداد للصراع الحضاري مع أعداء الدين إلا أن نستعد بتنقية الصف من أية خلافات جوهرية ، وأن نتعالى على المصالح الذاتية ، وأن نوجد لأنفسنا آلية راقية وصيغة جامعة تقود الجميع نحو التفاهم ومن ثم التكامل والتعاون ...
إنه ليس بكثير على جيل الصحوة المبارك الذي وقف وصمد أمام حملات التغريب لعشرات السنين ، واستطاع أن يحافظ على هذا الدين نقيا ، وجعله يتغلغل في كل شرائح المجتمع ، ليس كثيرا عليه أن ينهض نهضة أخرى ليزيل كل أتربة الوهن التي علقت بتجاربه خلال السنين الفائتة .
إن أهل السنة والجماعة هم نقاوة المسلمين ، وما لم تكن هذه النقاوة ذات صفاء من كل كدر ، وطهارة من كل خبث ، فإن الأمة الإسلامية ستظل رهينة ضعفها ووهنها ، حبيسة وضعها البائس ، تستجدي من الغير أن ينصرها ، وترجو من الآخر أن يفكر ويحل ويعقد لها.
إن هذا الاجتماع هو البداية لتكوين أهل الحل والعقد الذين لهم الولاية على هذه الأمة من مشرقها إلى مغربها ، وإليهم المصير في تحديد مصير هذه الأمة في مشكلاتها وتحدياتها .
وهذه الكلمات دعوة لجميع من يهمه أمر الصحوة المباركة ، ويقض مضجعه حال الأمة الإسلامية أن يهب لنصرة الدين وينفر للعون في سبيل رأب الصدع وجمع الكلمة كخطوة أولى في سبيل إعداد الجيل نحو صراع طويل الأمد مع أعداء الله تعالى ...
إن الصوت المعبر عن هذا الدين الحق والمنهج الصحيح يجب أن يكون صوتا متناغما لا نشاز فيه ، ويجب أن يفهم جميع المتربصين لهذا الدين أن أهل السنة والجماعة الممثلين لهذه الأمة حق التمثيل يصدرون عن رؤية واحدة ، ويتحركون نحو هدف واحد ، وإذا تحقق هذا ، فإن الله عز وجل كفيل أن ينصرنا بقذف الرعب في قلوب الأعداء ، إذا ما رأوا وحدتنا واجتماعنا والتئامنا في صف واحد ...
نسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمنا ويلهم جميع علماء المسلمين ودعاتهم وقادتهم إلى ما فيه عز الإسلام والمسلمين . والحمد لله رب العالمين .

 

رضا صمدي
  • رسائل ومقالات
  • كتب وبحوث
  • صــوتـيـات
  • الصفحة الرئيسية