اطبع هذه الصفحة


أدونيس وقشة الغريق ...

رضا أحمد صمدي

 
كثيرون أولئك الذين قضوا حياتهم غرقى في بحار الشهوات والملذات ، فلما حصحص حق الشيب وتكلمت طقطقات العظام المتآكلة حال المشي والقعود والقيام ؛ طفقوا يبحثون عن أي قشة تنقذهم من هذا الغرق المحتوم .

هل رأيتم أولئك الكهول والأشياخ الذين ما كان أهل الحي يرونهم في المساجد حينما كانوا في كامل صحتهم وعنفوان شبابهم ؟؟
هذا الرجل مشط كل شوارع الحي بل والأحياء المجاورة تتبعا للفتيات ليغويهن ويمارس هوايته في الإيقاع بالضحايا واستعراض عضلات الفتوة أمام ضعف الفتيات الغافلات المؤمنات ... الآن حجز مكانا في المسجد لا يفارقه حتى غدت صورته وهو يطأطئ رأسه تاليا كتاب الله غدوا وعشيا علامة فارقة لا يمكن أن تنمحي من ذاكرة كل من خطا أو خطوة داخل المسجد ، ولكن أهل الحي لا يستطيعون أن يمحوا من الذاكرة ذكريات هذا الشاطر الذي كانت سيرته مضرب المثل عند شطار الأحياء وقطاع الطرق !
فماذا يمكنه أن يفعل هذا الرجل تجاه عادة الإنسان .. وما أدري هل نصنفها بأنها عادة حسنة أو سيئة .. إنها نسيان حسنات الغير وتذكر سيئاتهم !!!

أدونيس .. علامة فارقة في العقل الجمعي العربي ... أثر كثيرا في التيارات الفكرية .. حتى إنه ليمكننا القول أنه أحدث أكبر فتنة في صفوف الشباب العربي من المحيط إلى الخليج .. بأشعاره وأقواله ومذاهبه التي لا تقل عن تلك التي أحدثتها أشعار نزار قباني ...
إلحاد ...
سخرية من الغيب ..
انتقاص لثوابت الشريعة ..
هدم الرموز الدينية ..

اشعار أدونيس ساهمت في تكريس ضعف اللغة العربية على مستوى النخبة .. حتى غدت أشعاره الحداثية وطريقته في كتابة الأدب مدرسة يتسابق إليها الأدباء والشعراء العرب كأنها مفخرة لهم وللأدب ..

أدونيس يمارس جلد الذات بطريقة ناعمة... إنه يدغدغ العواطف ويمهد لرجوع حميد للدين وثوابت الدين .. ولكن بطريقته هو ... ومع أتباعه وحوارييه ..

في ندوته الأخيرة في الجامعة الأمريكية في القاهرة ( وتأمل في حكمة اختيار المكان ! ) بعنوان : معوقات الحداثة في الثقافة العربية بعامة والشعر العربي بخاصة .. ألم يكن متوقعا أن يتحدث عن الشعر والأدب .. المفاجأة أن أدونيس قال :
لا يزال الفرد المسلم وأنا أولكم يعيش انعدام التجارب الكبرى في العالم في جميع الميادين.. المسلمون الآن يشكلون خمس سكان العالم ولا يوجد فيهم من يقرأ النص الديني قراءة متفردة
يعني أدونيس يقول لنا إنه يقرأ النص الديني .. كيف يقرأه هذه مشكلة أخرى ، فالجديد فعلا أنه أخبرنا أنه يقرأ النص الديني .. جديدة فعلا ! لكن المشكل عنده هو أنه يقرأ النص الديني مثل كل الناس قراءة جمعية ، يعني يعتمد على فهم الآخرين ... ولا يوجد من يفهم ويأخذ من النص الديني بنفسه ...
هل أدركتم الباقعة ؟؟
الباقعة أن أدونيس يخبرنا أنه الآن يقرأ النص الديني .. وأنه يدعونا أن نقرأ النص الديني بطريقة مختلفة عن كل الناس ... أن نقرأ النص الديني بصورة متفردة .. يعني لا تجعل أي واسطة بينك وبين النص الديني !! لا يكن هناك أثر نبوي أو رواية سلفية أو إرشادات علمية في المساعدة على تفسير القرآن ..

إنها نفس الروح البروتوستانتية التي سرت في الفكر الغربي الذي يعتنق أساطينه المذهب البروتستانتي أصلا ... وقراءة البروتوستانت للعهد القديم والجديد كان ثورة على القراءة الكاثوليكية للنص الديني .
وأدونيس من سدنة المناهج الغربية ودعاتها ... وبما أن البروتوستانتية هي بداية ثورة الغرب على الكنيسة ، وتحرر العلم والحكم من سطوة البابا ظن أدونيس ( ربما ) أن استعمال هذه الطريقة المتفردة في قراءة النص الديني ستعود بالثورة على القديم البالي ...

إنها دعوةُ لعدم سماع العلماء وعدم طاعتهم .. إنها دعوة لجعل الجماهير مستغنية عن العلماء وعن الجثو على الركب لتلقي العلم عنهم ، وتوجيهُهم نحوالنرجسية الفكرية ، ومن أهم ضحاياها الشباب المسلم الذي جعل العلماء مرجعية له في تلقي أمور الشريعة ، خاصة الذين تلقتهم الأمة بالقبول ..

إن هذه المغازلة الظريفة من أدونيس للشباب العربي والمسلم بمثابة القشة التي يظن أدونيس أنها ستنقذه من الأهمال والنسيان بعد استفحال المد الإسلامي .. وخاصة في محيط الصفوة والنخبة الذين كانوا في الماضي من سدنة الحداثة الأدونيسية !

قشة لن تنقذ غريقا في حجم أدونيس ... ولا أظن أن أهل الحي سينسون تاريخ أدونيس .. لا أظنهم سينسون قصائده المارقة التي غناها المغنون ولحنها الملحنون وفيها كفرياته وضلالاته ...

نعم .. إنه سيتعلق بها لا محالة ( أعني القشة ) ولكنني لا أظن أنها ستنجيه من الغرق ... بل سيغرق مع قشته ... وإن غدا لناظره لقريب .



 

رضا صمدي
  • رسائل ومقالات
  • كتب وبحوث
  • صــوتـيـات
  • الصفحة الرئيسية