اطبع هذه الصفحة


مَرْثِيَةُ الحَيَارَى بَعْدَ أُفُوْلِ النَّجْمِ الهَادِي
الشيخ الحافظ الإمام القدوة ، شيخ الإسلام ومفتي الأنام ومجدد السنة والإسلام
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله رحمة واسعة وقدس الله روحه ونور قبره .

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

رضا أحمد صمدي

 
الحمد لله وكفى ، وسلاما على عباده الذين اصطفى ، وبعد :
قلقي على مستقبل الأمة صار أعظم من حزني على موت الألباني ، فبعض الأفراد أمة بأنفسهم ، وبعض الأمم غثاء بكثرتهم ، وكلما ماتت تلك القمم كلما صار وصف الغثاء ألزم ، وإذا كان من فضل يذكر للشيخ الألباني رحمه الله فهو إمامته في سنة النبي صلى الله عليه وسلـم .
فما أرض للسنة – في حاضرنا – خصبة الإبقال ، ولا شجرة للحديث – في عصرنا – وارفة الظلال إلا وللألباني يد في إبقالها وإظلالها ، فهو صاحب الغرس الميمون في علوم السنة ، وممد روافدها بسقيه الممنون في صحوة الأمة ، فطاب الغرس المبارك في المكان الخصب ، ونما الزرع الطهور بالماء العذب .
هذه قصيدة من وافر الحزن الذي هو من بحور الأسى أزجيها لكل محب للشيخ الألباني رحمه الله ، واعترافا بفضله علي وعلى كل طلبة العلم في العالم ، فاللهم ارفع ذكر الشيخ الألباني في العالمـين ، وارحمه واغفر له يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
 

الحزنُ أمْضى في الخُطوبِ وأَفْدَحُ  ***  والصَّمْتُ أغنى في الرِّثَاءِ وأَفْصَحُ
والنظم أَضْحَى من جليل مُصَابِنا   ***  نَثْرَاً يَئِنُّ مُعَانِدَاً يَتَقَـــــرَّحُ [1]
لكنَّ قَلْبِيَ هَالَهُ حُزْنُ الــوَرَى   ***  وكآبةُ الأشياءِ تَرْوي تُفْصِـــحُ
قدْ ماتَ مَنْ كانَ الذي يَمْحُو عَنِ الْ   ***  آثـَارِ آثـَارَ الكَذُوْبِ ويَفْضَحُ
يا نَاصِرَ الدينِ الذي في أَمْسِنَـــا   ***  قَدْ كُنْتَ رُوْحَاً للدعاةِ تُــرَوِّحُ
قد كنتَ أصلا في العلومِ جميعِهـا   ***  وبدونكمْ مَضَتِ العُلُوْمُ تَرَنَّــحُ
أمَّا الحديثُ فأنْتَ أَنْتَ بَعَثْتَــهُ   ***  فَغَدَا بما صَنَّفْتَهُ يَتَصَـــرَّحُ [2]
والفقهُ رَوْنَقُهُ حلا وتَيَسَّــرَتْ   ***  أَسْبَابُــهُ وجهودُكم تَتَمَـدَّحُ
أما علومُ النَّقْدِ نَقْـــدِ حديثِنا   ***  فالفضــلُ يعرفُه العليمُ الأرجحُ
مَيَّزْتَ بينَ صحيحِها وضعيفِها   ***  فبهاؤُها قد صـارَ أَبْلَجَ يُفْصِح
قد صارَ قَطْفُ ثِمَارِهَا مُسْتَطْيَبَا [3]    ***  ذُلُلاً جَنَــــا بُسْتَانِهِ يَتَقَزَّحُ [4]
علمُ الحديثِ غَرْسَتَه فَنَمَا أَلا   ***  أَنْعِمْ بِهِ عِلْمَاً يُفِيْدُ ويُفْلِحُ
أنتَ الذي أَحْيَيْتَ في آمالنا   ***  ذِكْرَى الأوائِلِ في غَدٍ يَتَكَلَّحُ
وَرَوَيْتَ مِنْ ظَمَأٍ غَلِيْلَ قُلُوبِنَا   ***  الوَحْيُ أَرْوَى للنُّفُوْسِ وَأَرْوَحُ
بِجِهَادِكـم عُرِفَ الأُلَى [5] سَادُو الدُّنَا   ***  بِجِهَادِكُمْ وجِهَادِهِمْ نَتَسَلَّحُ
أَوَلَمْ يَكُنْ شَأْنُ الحديثِ بِغَابِرٍ   ***  أخبارَ عَنْقَا مُغْرِبٍ [6] تَتَأَرْجَحُ
أَوَلَمْ تكنْ كُتْبُ الحديثِ دَفِيْنَةً   ***  فَنَشَرْتَهَا والنَّشْرُ عِطْرٌ أَفْيَحُ
وخِصَالُكُم كَعُلُوْمِكُمْ في نَفْعِهَا   ***  طَاَبَتْ وطَابَ طَلِيْبُها المُتَرَبِّحُ
قد غَصَّ حَلْقِيَ مَا أَرَى مِنْ مِحْنَةٍ   ***  تَـــذَرُ الحَلِيْمَ لِهَوْلِهَا يَتَرَنَّحُ
مَوْتُ التُّقَاةِ ومَوْتُ كُـلِّ مُعَلِّمٍ   ***  سِمَـةُ الزَّمَانِ بِعَصْرِنَا فَتَلَمَّحُوا
أَوَمَا رأيتُم كيفَ ماتَ تَوَالِيَاً   ***  شَيْخُ الشُّيُوْخِ [7] وحَبْرُنَا المُتَسَبِّحُ [8]
أَوَمَا وَعِيْتُمْ في المَنِيَّــةِ عِبْرَةً   ***  أَوَمَـا يُفِيْقُ جَهُوْلُنَا المُتَمَرِّحُ [9]
كَمْ مُمْرِضٍ عُدْنَاهُ صَارَ مُبَرَّأً   ***  وَمُبَرَّأٍ في غَمْضَةٍ لا يَبْرَحُ
آهٍ عَلَى حَالِ الدِّيَانَةِ في الوَرَى   ***  ذُلٍّ وظُلْمٍ صَارِخٍ يَتَبَجَّحُ
فِتَنٌ كَقِطْعٍ الليلِ في إِغْوَائِهَا   ***  مَا ثَمَّ إلا شَرْعُنَا المُتَصَبِّحُ
يَا قَوْمَنَا قَدْ صَاحَ فيْكُمْ نَاصِرُ الدِّ   ***  دِيْنِ الَّذي كَلِمَاتُهُ تَتَفَصَّــحُ
إنْ رُمْتُمُ مَجْدَاً تَلِيْــدَاً خَالـِدَاً   ***  فَتَأَسَّدُوا وَتَشَجَّعُوا وتَسَلَّحُوا
وسِلاحُكُمْ في عَصْرِكُمْ إنْ تَبْتَغُوا   ***  أَمْرَانِ [10] مَنْ يُعْنَاهُــمَا هُوَ أَفْلَحُ
تَهْذِيْبُ مَنْهَجِ شَرْعِنَــا وَبِنَاؤُهُ   ***  صَرْحَـاً مَنِيْفَا صافيا يَتَوَضَّحُ
والثَّانِ تَرْبِيَةُ الشَّبَابِ عَلَى العُلا   ***  نِعْمَ الـشبابُ الحُرُّ والمُتَكَدِّحُ
ذَيَّــــاكُمُ مِيْرَاثُهُ فَتَحَمَّلُوا   ***  ولِوَاؤُهُ وشِعَارُه فَتَـوَشَّحُوا
كمْ فِتْنَةٍ وبَلِيَّةٍ مَرَّتْ بِنَـــا   ***  وتَمَالأَتْ هِمَمُ اللِّئَامِ تُذَبِّــحُ
فإذا الهَصُورُ بِدِرْعِهِ وسِهَامِه   ***  ومُهَنَّدٍ مُتَأَهِّبَاً ويُلَـــوِّحُ
فانْدَاحَتِ الظَّلْمَاءُ في أَوْكَارِهَا   ***  وتَبَدَّدَتْ بِدَعٌ تَمُوْرُ وتَمْـرَحُ
سَلْ عَالِمَاً سَلْ مُسْلِمَا مُتَنَسِّكَاً   ***  سَلِ البِلادَ سَلِ العِبَادَ ألا اسْمَحُوا
واسْتَعْلِنُوا في جأْرَةٍ مُلْتَاعَةٍ   ***  هَلْ مَاتَ أَلْبَانِيُّنَا المُتَــبَرِّحُ
سَتُجِيْبُكَ الأَرْجَاءُ في إِسْعَـــادَةٍ   ***  مَا مـــَاتَ مَنْ آثارُه تَتَرَوَّحُ
 

اللهم ارحم الألباني بعدد ما نشر من حروف سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، واغفر للألباني بعدد السنن التي عمل بها كل مسلم ومتسنن ، وارفعه بكل صحيفة خطها درجة في عليين ، يا أرحم الراحمين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .
 

كتب
الفقير إلى عفو البر الرحيم العلي
المعتز بالله أبو محمد رضا بن أحمد بن يونس الصمدي السلفي
عشية الخميس 28 جمادى الآخرة 1420 هـ
بانكوك – تايلند
 

--------------------------------
[1] 1 يتقرح أي يتألم .
[2] يتصرح أي يصير صرحا شامخا وبناء عاليا .
[3] مستطيبا إشارة إلى مشروع حياته رحمه الله : الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب .
[4] يتقزح أي يتنوع .
[5] الألى : الذين .
[6] عنقاء مغرب طير كانت تزعم العرب وجوده في غرائب أساطيرها فغدت حكايته مضرب مثل لكل من أتى بما لا يعرفه الناس
[7] هو الشيخ العلامة الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله .
[8] هو الشيخ الإمام الألباني رحمه الله .
[9] البطر المتكبر .
[10] إشارة إلى الركنان الأصيلان لأي إصلاح دعـوي ، دعا إليهما رحمه الله ولخصهما في كلمتين هما : التصفية والتربية ، أي تهذيب الدين وتنقيته مما دخل فيه من الخرافات والبدع والأحاديث المكذوبة والموضوعة وما انبنى عليها من أعمـال ، وتربية شباب الأمة على الالتزام بشرع الله تعالى على منهج سلف الأمة الصالح .

 

رضا صمدي
  • رسائل ومقالات
  • كتب وبحوث
  • صــوتـيـات
  • الصفحة الرئيسية