اطبع هذه الصفحة


لك الله ياجهاز (انعاش القلب)... لا تتوقف !

سعد بن ضيدان السبيعي

 
من أشق الأمور على النفس فراق الأحبة... فراقا لالقاء بعده إلا في عرصات القيامة..لذا وصف الله الموت في كتابه بأنه (مصيبة)! فكيف إذا رأيت من تحب يلفظ أنفاسه أمامك...ويسلم الروح إلى باريها..وأنت لاتستطيع لها دفعا والا ردا؟!
لقد كان فقيدي نعم الفقيد ..يعز على فراقه...ومرور أيامي وساعاتي...بلى رؤيته.. تستأنس بستشارته....وتستنير برأيه.....وإذا ادلهمت المشكلة وتفاقمت أبشر (بفزعته)....ولولم تندبه وتنخاه! لقد كان لي نعم الموجه والناصح والمحب والمدافع والمشجع والناقد ..
سنوات عديدة ..قضيتها معه ذهبت كأن لم تكن...وهو هو كما عهدته...رأي سديد...وبذل للمال والجاه (على قلت ذات اليد).. إنه لمن الصعوبة بمكان أن تختصر حياة رجل من أعز الرجال...له فضل في صقل شخصيتك... في (مقال).. رجل جمع(صفات مرجلة) أهلته بأن يكون محبوبا من الناس ومحل ثناء وإعجاب عندهم.. إنه بحق (رجل المواقف)... تقلبت به الدنيا... وصوادف الدهر..وريب المنون..حتى أسلمته ...إلى مستشفى الحرس الوطني بالرياض.. وفي آخر أيامه ...وعند ما أزف رحيله ...لزم المستشفى....وكنت مع كل زيارة له أرى نقصا بينا .... حينها أيقت أنه من أبناء الآخرة ...ليس من أبناء الدنيا.. فحرصت أن يكتب وصيته ويستعد فيما بقى من أيامه لما أمامه...وكنت مترددا في طلب ذلك منه...فلم يستطع لساني النطق به..والاقلبي يقوى عليه..
وفي يوم رحيله وفراقه الدنيا جئت إليه فرأيت حينها أولاده الصغار وقد علاهم النحيب ودمعت عيونهم وقد وقفوا عند رأسه محتمين بأمهم التي هى الأخرى لم تألوا جهدا في البكاء والأسى... فقلت لأطفاله مشجعا : أنتم رجال ...والرجل مايبكي ...وقد تغشاني من الحزن ودمع العين ماالله به عليم! فقالت أم أولاده باكية : بت عنده لاتتركه..هو بحاجة لك .. فنظر إلى نظرة وداع أخيرة.. وقد كان مع ذلك كله رابط الجأش قوي القلب لم تدمع عينه مع رؤيته لهذا الموقف الذي لايتماسك له أقوى الرجال..
فاستئذنته بالذهاب لصلاة المغرب ورجعت على عجل وقد بيت النية في المبيت عنده فوجدت غرفته قد اكتظت بالأطباء والممرضين والممرضاات.. وإذ بهم يحاولون محاولات مستميته ومضنية لأنعاش ذلك القلب الرحيم الذي طالما أحبني وأحببته...
حينها وقفت عند رأسه وأنا لاأملك له حول والاقوة ولاأستطيع دفع مابه.. وقفت أنظر إليه وقد مر بخيالي طيف ذكريات جميلة ومواقف مشرفة.
وقفت .. وعيني على ذلك الجسم الهزيل الذي يعاني غصص الموت وسكرته..والأخرى على جهاز الانعاش! حينها سمعت صوتا من داخلي ينادي بحرقة وأسى مسمعا جنباتي صدري... لك الله ياجهاز(انعاش القلب)... لاتتوقف...لاتتوقف!
لك الله ياجهاز(انعاش القلب)... لاتتوقف...لاتتوقف!
تذكرت حينها قول الله ( وقيل من راق وظن أنه الفراق )
و ( فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لاتبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين )..
تلعثم لساني وبردت أطرافي وأطلقت لعيني عنانها وجادت بدمعها... نصف ساعة من الزمن بل تزيد .. لم يقطع ذلك إلا صوت أحد المنعشين لذلك القلب الرحيم يقول:ادع له بالثبات جعل ماجاه كفارة لذنوبه..
غربت شمس الأحد الخامس عشر من شهر جمادى الأولى لعام ثلاثين وأربعمائة وألف وغاب معها شخصه وأفل نجمه وأسدل الستار على حياة رجل شهم...لايعرفه الكثير...ولكن عرفه محدثكم وليس من رأى كمن سمع..
عزائي أنه كسب ثناء حسنا ومحبة من الناس وذكرا طيبا.. وعزائي فوق ذلك كله أنه قدم على رب غفور رحيم كتب على نفسه الرحمه ورحمته سبقت غضبه.


كتبه الداعية بوزارة الشئون الاسلامية :
سعد بن ضيدان السبيعي

 

سعد السبيعي
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • دراسات حديثية
  • دراسات في الفقه
  • دراسات في العقيدة
  • الفوائد العلمية
  • التاريخ والتراجم
  • الصفحة الرئيسية