اطبع هذه الصفحة


التبصرة في حكم السحر وإتيان السحرة

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد  

سمير بن خليل المالكي

 
بسم الله الرحمن الرحيم

التبصرة في حكم السحر وإتيان السحرة


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وحجة على المخالفين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد ، فهذا بحث مختصر في حكم السحر ، ابتدأته بالتعريف به وبيان بعض أنواعه ، ثم ذكرت مذاهب العلماء في حكمه وحكم الساحر ، وفي النشرة .
ورددت في آخره على رسالة الشيخ العبيكان التي أجاز فيها حل السحر بالسحر .
فأقول ، وبالله التوفيق :

تعريف السحر

قال ابن منظور " السحر عمل تقرب فيه إلى الشيطان وبمعونة منه . و السحر الأُخـْـذة . وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر .
والسحر: البيان في فطنة ، كما جاء في الحديث : إن من البيان لسحراً .
قال ابن الأثير : أي منه ما يصرف قلوب السامعين وإن كان غير حق .
قال الزهري : وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره ... " ا هـ . باختصار من لسان العرب [ سحر ] [ 4 / 348 – 349 ] .
وقال أبوبكر الجصاص في أحكام القرآن في معنى السحر " إن أهل اللغة يذكرون أن أصله في اللغة لما لطف وخفي سببه ، والسَّحر عندهم بالفتح هو الغذاء ، لخفائه ولطف مجاريه .
والسحر الرئة ، وما يتعلق بالحلقوم ، وهذا يرجع إلى معنى الخفاء ، ومنه قول عائشة رضي الله عنها : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري ... " اهـ . باختصار [1/50 ] .
وذكر الشنقيطي في أضواء البيان نحو هذا المعنى في لغة العرب ، ثم قال " اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع ، لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته ، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافاً متبايناً .. " الخ ما ذكره . [ 4 / 444 ] .

أقسام السحر

أطال الرازي في تفسيره في بيان أقسام السحر ، وقد لخصها ابن كثير والشنقيطي في أضواء البيان ، ومنها :
1 - سحر الكلدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب . قال الشنقيطي : ومعلوم أن هذا النوع من السحر كفر بلا خلاف ، لأنهم كانوا يتقربون فيه للكواكب .
2 – الاستعانة بالجن وتسخيرهم ، باستعمال الرقى وغيرها ، وهو المسمى : بالعزائم .
3 – ومنه الحيل التي يستعملها بعض الناس ، فيوهم الآخرين بها ، كاستعمال آلات معينة أو أشياء خفية تخيل للناظر أن الجمادات تتحرك بنفسها .
وهذا سحر التخييل والخداع ، ومنه سحر سحرة فرعون .
4 – استعمال بعض الأدوية المؤثرة في عقول الناس ، إما بإزالتها أو بإسكارها ، حتى إذا غلبوا على عقولهم سهل الاحتيال عليهم .
5 – ومنه أعمال عجيبة تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية ... الخ .
قال الشنقيطي " لا ينبغي عده اليوم من أنواع السحر ، لأن أسبابه صارت واضحة متعارفة عند الناس بسبب تقدم العلم المادي ... " الخ [ ص 450 ] .
قال سمير : يظهر لي أن إدخال مثل هذه العلوم في السحر ليس لكونها من الأمور التي لم تعرف أسبابها من قبل ، ثم عرفت اليوم ، بل لكونها أشبه بالخوارق ، وفيها أسباب خفية عن الأعين ، مثل الساعات والآلات البخارية ونحوها ، وقد كانت معروفة عند علماء ذاك الزمان ، ولم يكن يخفى عليهم حقيقتها ، وهذا ما يدل عليه كلام ابن كثير وغيره .
وابن تيمية تكلم عن علوم الفلاسفة ، وذكر منها الهندسة والرياضيات وشرحها شرحاً وافياً في مواضع كثيرة من كتبه ، وبيّن حذق الأولين بها .
فإدخالها في باب السحر ، كإدخال البيان المرتب والسجع ونحو ذلك في باب السحر للطافتها ، والله تعالى أعلم .
يدل على ذلك إدخال النميمة في أنواع السحر ، وهي معروفة لدى عامة الناس .
قال الشنقيطي بعد أن ساق تلك الأنواع والأقسام " قلت : وإنما أدخل كثيراً من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها ، لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه ، ولهذا جاء في الحديث (( إن من البيان لسحراً ... )) الخ [ ص 451 ] .
وزاد الشنقيطي على تلك الأنواع التي ذكرها الرازي ، أنواعاً أخرى نقلها من كلام ابن الحاج الشنقيطي ، ثم قال " وذكر رحمه الله من علوم الشر أنواعاً كثيرة ، كالخط والأشكال ... " إلى أن قال " والكهانة " .
قال الشنقيطي " وعلوم الشر كثيرة ، منها ما هو كفر بواح ، ومنها ما يؤدي إلى الكفر ، وأقل درجاتها التحريم الشديد . وقد دل بعض الأحاديث والآثار على أن العيافة والطرق والطيرة من السحر .
وعنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه (( من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد )) رواه أبو داود بإسناد صحيح ... " ا هـ . باختصار .
انظر أضواء البيان [ 4 / 444 – 455 ] .
وانظر أيضاً أحكام القرآن للجصاص [ 1 / 50 – 59 ] ، وفتح الباري [ 10 / 222 – 223 ] .
قال سمير : والذي يعنينا من تلك الأقسام ، القسم الذي يستخدم فيه الجن ، أو يتقرب فيه إلى الكواكب ونحوها ، مما هو معروف من أفعال السحرة .

آية السحر في سورة البقرة

قال الله تعالى { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ... } الآية . سورة البقرة [ 102 ] .
ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية الخلاف في قوله تعالى { وما أنزل } هل هو نفي ، فيكون المعنى : ولم ينزل السحر على الملكين .
أو أن " ما " إسم موصول بمعنى " الذي " .
فيكون المعنى : والذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت . وهو الذي رجحه ابن جرير .
قال ابن جرير " فمعنى الآية : واتبعت اليهود الذي تلت الشياطين في ملك سليمان ، والذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، وهما ملكان من ملائكة الله ، سنذكر ما روي من الأخبار في شأنهما إن شاء الله تعالى " .
قال ابن جرير " إن قال لنا قائل : وهل يجوز أن ينزل الله السحر ؟ أم هل يجوز لملائكته أن تعلمه للناس ؟
قلنا له : إن الله عز وجل قد أنزل الخير والشر كله ، وبين جميع ذلك لعباده ، فأوحاه إلى رسله ، وأمرهم بتعليم خلقه و تعريفهم ما يحل لهم مما يحرم عليهم , كالزنا و السرقة و سائر المعاصي التي عرّفهمُوها , و نهاهم عن ركوبها , فالسحر أحد تلك المعاصي التي أخبرهم بها , ونهاهم عن العمل بها ... " .
إلى أن قال " فليس في إنزال الله إياه على الملكين , ولا في تعليم الملكين من علماه من الناس إثم , إذ كان تعليمهما من علّماه ذلك بإذن الله لهما بتعليمه , بعد أن يخبراه بأنهما فتنة و ينهياه عن السحر و العمل به و الكفر .
و إنما الإثم على من يتعلمه منهما و يعمل به ... " .
ثم قال ابن جرير " القول في تأويل قوله تعالى { و ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } , و تأويل ذلك : وما يعلِّم الملكان أحداً من الناس الذي أنزل عليهما من التفريق بين المرء و زوجه , حتى يقولا له : إنما نحن بلاء و فتنة لبني آدم , فلا تكفر بربك ... " .
و ذكر ابن جرير بإسناده إلى ابن جريج أنه قال " لا يجترئ على السحر إلا كافر " .
انظر تفسير ابن جرير [ 1/ 498 ـ 510 ] .
قال سمير : في هذه الآية عدة مسائل :
الأولى : الحكم على متعاطي السحر ، تعليماً وعملاً ، بالكفر .
لأن الله تعالى ذكر أن الشياطين كفروا ، ثم عقب ذلك ببيان أحد أسباب كفرهم ، وهو تعليمهم الناس السحر .
وأكد ذلك بما جاء على لسان الملكين – هاروت وماروت – حين كانا يعلِّمان السحر ويقولان للمتعلّم " لا تكفر " . أي : بتعلم السحر والعمل به .
وأما عن الملكين فإنهما كانا يعلمان ذلك بأمرالله ، لا كما كانت الشياطين تفعل .
ولهذا كان الملكان يذكّران الناس بأنهما فتنة ، وينهيانهم عن الوقوع في الكفر بسبب السحر .
وأكد ذلك في آخر الآية حيث قال { ولقد علموا لمن اشتراه } أي السحر ، { ماله في الآخرة من خلاق } أي نصيب . كما ذكر ابن جرير في تفسيره .
الثانية : أن السحر ضرر محض ، لا نفع فيه من وجه . لأن الله تعالى قال { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } .
وقال تعالى أيضاً { ولا يفلح الساحر حيث أتى } . [ طه 69 ] .
وقال سبحانه { قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفســدين } . [ يونس 81 ] .
وما كان فاسداً فلا نفع فيه .
ولما بين سبحانه أنه لا نفع فيه في الدنيا ، وأنه يضرهم ، بين أن هذا الضــرر إنما هو بقدر من الله ، وما كان كذلك فإنه يلجأ فيه إلى الله تعالى لرفعه وكشفه ، مع الأخذ بالأسباب التي شرعها الله تعالى وأباحها .
الثالثة : أن مآل السحر وأهله في الآخرة الخسران ، فليس فيه نفع في الدنيا ولا حظَّ في الآخرة .

حكم السحر

اختلف أهل العلم من السلف والخلف في حكم السحر .
فقالت طائفة : السحر كفر .
وفصّل بعضهم في الأمر ، وجعلوا السحر قسمين : كفر ، ومعصية دون الكفر .
قال ابن كثير في تفسيره " وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر ، ويستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار ... "
ثم ساق إسناده إلى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال (( من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم )) .
قال ابن كثير " وهذا إسناد جيد ، وله شواهد أخر " .
وقال ابن كثير أيضاً " وقد يستدل بقوله { ولو أنهم آمنوا واتقوا } من ذهب إلى تكفير الساحر ، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وقول طائفة من السلف .
وقيل : بل لا يكفر ، ولكن حدُّه ضرب عنقه ، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل رحمهما الله .." ثم ساق الإسناد إلى بََجالة بن عبدة قال " كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن : اقتلوا كل ساحر وساحرة .. قال : فقتلنا ثلاث سواحر " .
قال ابن كثير " وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضاً . وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها ، فأمرت بها فقُـتلت .
قال الإمام أحمد بن حنبل : صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وســلم في قتل الساحر " .
ثم ذكر ابن كثير حديث جندب الأزدي المرفوع (( حد الساحر ضربه بالسيف )) ، وذكر أيضاً أثرين آخرين ، ثم قال " وحمل الشافعي رحمه الله قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركاً ، والله أعلم " .
ثم نقل ابن كثير كلام الرازي في أن العلم بالســحر ليس بقبيح ولا محــظور ، وردّ علــيه وقــال " ففي هذه الآية الكريمة تبـشيع لتعلم السحر . وفي الصحيح " من أتى عرّافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد " . وفي السنن (( من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر )) " .
ثم قال " كيف لا يكون محظوراً مع ما ذكرناه من الآية والحديث " ؟ .
ثم قال ابن كثير ، في آخر كلامه عن السحر " فصل : وقد ذكر أبو المظفر يحي بن محمد بن هبيرة رحمه الله ، في كتابه " الإشراف على مذاهب الأشراف " باباً في السحر فقال : أجمعوا على أن السحر له حقيقة ، إلا أبا حنيفة ، فإنه قال : لا حقيقة له عنده " .
واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله ، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يكفر بذلك .
ومن أصحاب أبي حنيفة من قال : إن تعلمه ليتقيه أو ليجتــنبه فلا يكفر ، ومن تعــلمه معتقداً جوازه ، أو أنه ينفعه ، كفر .
وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر .
وقال الشافعي رحمه الله : إذا تعلم السحر ، قلنا له : صف لنا سحرك . فإن وصف ما يوجب الكفر ، مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة ، وأنها تفعل ما يلتمس منها ، فهو كافر. وإن كان لا يوجب الكفر ، فإن اعتقد إباحته فهو كافر .
قال ابن هبيرة : وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله ؟ فقال مالك وأحمد : نعم .
وقال الشافعي و أبوحنيفة : لا .
فأما إن قتل بسحره إنساناً فإنه يُقتل عند مالك والشافعي و أحمد .
وقال أبو حنيفة : لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك ، أو يقر بذلك في حق شخص معين .
وإذا قتل ، فإنه يُقتل حداً عندهم ، إلا الشافعي ، فإنه قال : يقتل والحالة هذه قصاصاً .
قال : وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته ؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم : لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى : تقبل . وأما ساحر أهل الكتاب ، فعند أبي حنيفة فإنه يقتل ، كما يقتل الساحر المسلم .
وقال مالك وأحمد والشافعي : لا يقتل . يعني لقصة لبيد بن الأعصم .
واختلفوا في المسلمة الساحرة ، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل ، ولكن تحبس .
وقال الثلاثة : حكمها حكم الرجل ، والله أعلم ... )) الخ .
انظر تفسير ابن كثير [ 1 / 536 – 548 ] .
قال سمير : الذين قالوا إن السحر كفر , استدلوا بظاهر الآية { إنما نحن فتنة فلا تكفر } .
واستدلوا أيضا بالآية التالية { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عندالله خير لو كانوا يعلمون } .
واستدلوا بالأحاديث و الآثار الواردة في حكم السحر و الكهانة وحدِّ الساحر .
وذهب آخرون إلى أن السحر ليس كفراً إلا إذا تضمن الكفر والشرك , وحملوا معنى الآية والأحاديث على ذلك .
وقد أطال ابن حزم – رحمه الله – في تقرير هذا القول , و أجاب عن أدلة المذهب الأول , وفنـَّـدها.
وأقوى ما استدل به ابن حزم على أن السحر ليس كفراً , حديث (( اجتنبوا السبع الموبقات )) وذكر منها : الشرك والسحر .
قال ابن حزم (( فكان هذا بياناً جلياً بأن السحر ليس من الشرك , ولكنه معصية موبقة , كقتل النفس و شبهها )) .
واستدل أيضاً بحديث " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث .. " الحديث . ثم قال (( فالساحر ليس كافراً كما بينـَّـا , ولا قاتلاً , ولا زانياً محصناً , ولا جاء في قتله نص صحيح فيضاف إلى هذه الثلاث , كما جاء في المحارب و المحدود في الخمر ثلاث مرات , فصح تحريم دمه بيقين لا إشكال فيه )) . انظر المحلى [ 11/394- 401 ] .
قال سمير : ما ذكره ابن حزم و أطال في تقريره من أن الساحر لا يقتل , وأن السحر معصية موبقة ليس كفراً , قد ذكره بعض أئمة السلف . لكن ابن حزم لم يصب في جوابه عن الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة , ولا في جوابه عن الآية , لأنها صريحة في تكفير السحر , كما تقدم من كلام ابن كثير و غيره .
وفي مقابل ما ذكره ابن حزم ، ذكر أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن [ 1 / 61 – 71 ] الخلاف في المسألة ، واختار قول الجمهور في تكفير الساحر ، ونقل كــلام الشافعي ثم قــــــــال " وقول الشافعي في ذلك خارج عن قول جميعهم ... " ا هـ .

كلام الفقهاء في المسألة


1 – قال الإمام الشافعي رحمه الله " وإذا سحر رجلاً فمات ، سئل عن سحره ، فإن قال : أنا أعمل هذا لأقتل ، فأخطئ القتل وأصيب ، وقد مات من عملي ، ففيه الدية ، وإن قال : مرض منه ولم يمت ، أقسم أولياؤه لمات من ذلك العمل ، وكانت الدية . وإن قال : عملي يقتل المعمول به ، وقد عمدت قتله به ، قتل به قوداً " اهـ . انظر مختصر المزني [ ص 255 ] .
وانظر نحو ذلك في روضة الطالبين للنووي [ 9 / 127 ] .
2 – وقال الترمذي في باب ما جاء في حد الساحر بعد أن أخرج حديث (( حد الساحر ضربه بالسيف )) " والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، وهو قول مالك بن أنس .
وقال الشافعي : إنما يُقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر ، فإذا عمل عملاً دون الكفر ، فلم نر عليه قتلاً " اهـ .
3 – وقال في فتح القدير [ 5 / 119 ] " الساحرة تقتل بردتها ، وإن كانت المرتدة لا تقتل عندنا ، لكن الساحرة تقتل بالأثر ، وهو ما روي عن عمر أنه كتب إلى عماله " اقتلوا الســاحر والســاحرة " . زاد في فتاوى قاضيخان : وإن كان يستعمل السحر ويجحد ولا يدري كيف يقول ، فإن هذا الساحر يُقتل ، إذا أُخِذَ وثبت ذلك منه ، ولا تقبل توبته .
وفي الفتاوى : رجل يتخذ لعبة للناس ويفرق بين المرء وزوجه بتلك اللعبة ، فهذا سحر ، ويُحكم بارتداده ويُـقتل .
قال في الخلاصة : هكذا ذكره القاضي مطلقاً ، وهو محمول على ما إذا كان يعتقد أن له أثراً . انتهى " ا هـ .
4 – وقال خليل في مختصره " الردة كفر المسلم بصريح ، أو لفظ يقتضيه ، أو فعل يتضمنه ، كإلقاء مصحف بقذر ، وشد زُنــَّار ، وسحر ، و ...." الخ .
قال في مواهب الجليل " ظاهر كلامه أن السحر ردة ، وأنه يستتاب الساحر إذا أظهر ذلك ، فإن تاب وإلا قتل .
والقول الراجح فيه : أن حكمه حكم الزنديق ، يُـقتل ولا تقبل توبته إلا أن يجيء تائباً بنفسه . انظر ابن الحاجب والتوضيح " .
قال الموّاق " قول مالك وأصحابه : أن الساحر كافر بالله تعالى . قال مالك : هو كالزنديق إذا عمل السحر بنفسه قتل ولم يستتب " .
انظر مواهب الجليل وبهامشه التاج والإكليل [ 8 / 371 ] .
5 – قال ابن قدامة " ويكفر الساحر بتعلمه وفعله ، سواء اعتقد تحريمه أو إباحته . وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر .. " إلى أن قال " وقال أصحاب أبي حنيفة : إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء ، كفر ، وإن اعتقد أنه تخييل لم يكفر .
وقال الشافعي : إن اعتقد ما يوجب الكفر ، مثل التقرب إلى الكواكب السبعة ، وأنها تفعل ما يلتمس ، أو اعتقد حِلّ السحر ، كفر ، لأن القرآن نطق بتحريمه ، وثبت بالنقل المتواتر والإجماع عليه ، وإلا فُسّـق ولم يُكـفّر ، لأن عائشة رضي الله عنها باعت مدبـَّرة لها سحرتها ، بمحضر من الصحابة . ولو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ، ولم يجز استرقاقها ، ولأنه شيء يضر بالناس ، فلم يكفر بمجرده ، كأذاهم " .
قال ابن قدامة " ولنا قول الله تعالى { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } إلى قوله { وما يعلمـان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } .
أي : وما كفر سليمان ، أي وما كان ساحراً كفر بسحره .
وقولهما { إنما نحن فتنة فلا تكفر } ، أي لا تتعلمه ، فتكفر بذلك .. " .
إلى أن قال " وقول عائشة قد خالفها فيه كثير من الصحابة . وقال علي رضي الله عنه ، الساحر كافر . ويحتمل أن المدبّرة تابت ، فسقط عنها القتل والكفر بتوبتها .
ويحتمل أنها سحرتها ، بمعنى أنها ذهبت إلى ساحر سحر لها " .
قال ابن قدامة " وحد الساحر القتل ، روي ذلك عن عمر وعثمان بن عفان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبدالله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبدالعزيز . وهو قول أبي حنيفة ومالك .
ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر ، وهو قول ابن المنذر ، ورواية عن أحمد ، قد ذكرناها فيما تقدم .
ووجه ذلك : أن عائشة رضي الله عنها باعت مدبّرة سحرتها ، ولو وجب قتلها لما حلّ بيعها ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ، كفر بعد إيمان ، أو زنىً بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير حق " .
ولم يصدر منه أحد الثلاثة فوجب أن لا يحلّ دمه " .
قال ابن قدامة " ولنا ما روى جندب بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( حد الساحر ضربه بالسيف )) .
قال ابن المنذر : رواه إسماعيل بن مسلم ، وهو ضعيف .
وروى سعيد وأبو داود في كتابيهما عن بَجالة قال : كنت كاتباً لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس ، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة : اقتلوا كل ساحر . فقتلنا ثلاث سواحر في يوم .
وهذا اشتهر فلم يُـنكَر، فكان إجماعاً ، وقتلتْ حفصة جاريةً لها سحرتها . وقتل جندب بن كعب ساحراً كان يسحر بين يدي الوليد بن عقبة . ولأنه كافر ، فيقتل ، للخبر الذي رووه .. " الخ .
انظر المغني [ 12 / 300 – 305 ] .
6 – قال ابن القيم " فصل : في حكمه صلى الله عليه وسلم في الساحر .
في الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم " حد الساحر ضربة بالسيف " . والصحيح أنه موقوف على جندب بن عبدالله .
وصح عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتله ، وصح عن حفصة أنها قتلت مدبّرة سحرتها ، فأنكر عليها عثمان إذ فعلته دون أمره . وروي عن عائشة رضي الله عنها أيضاً ، أنها قتلت مدبرة سحرتها ، وروي أنها باعتها . ذكره ابن المنذر وغيره " . اهـ .
انظر زاد المعاد [ 5 / 57 ] .
7 – ذكر البخاري في صحيحه في كتاب الطب " باب السحر" ، واستدل بآية البقرة { ولكن الشياطين كفروا } إلى قوله { من خلاق } ، وبقوله تعالى { ولا يفلح الساحر حيث أتى } قال الحافظ ابن حجر في الفتح " وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ، ومتعلمه كافر ، وهو واضح في بعض أنواعه التي قدمتها ، وهو التعبد للشياطين أو للكواكب .
وأما النوع الآخر ، الذي هو من باب الشعوذة ، فلا يكفر به من تعلمه أصلاً .."
إلى أن قال " وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين : إما لتمييز ما فيه كفر من غيره ، وإما لإزالته عمن وقع فيه .
فأما الأول : فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد ، فإذا سلم الاعتقاد ، فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعاً ، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان ، لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل ، بخلاف تعاطيه والعمل به .
وأما الثاني : فإن كان لا يتم ، كما زعم بعضهم ، إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق ، فلا يحل أصلاً ، وإلا جاز للمعنى المذكور ، وسيأتي مزيد لذلك في " باب هل يستخرج السحر " قريباً ، والله أعلم .
وفي إيراد المصنف هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر .. " ا هـ .
انظر الفتح [ 10 / 224 – 225 ] .
8 – قال الإمام أبو بكرابن العربي في تفسيره لآية البقرة ، بعد أن ذكر بــعض أنواع الســـــــحر " والكلُّ حرام كفر . قاله مالك . وقال الشافعي : السحر معصية ، إن قتل بها الساحر قُتل ، وإن أضرّ بها أدِّب على قدر الضرر .
وهذا باطل من وجهين : أحدهما : أنه لم يعلم السحر ، وحقيقته أنه كلام مؤلف يُعظّم به غير الله تعالى ، وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات .
الثاني : أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر ، لأنه تعالى قال { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان } من السحر وما كفر سليمان بقول السحر ، ولكن الشياطين كفروا به وبتعليمه ، وهاروت وماروت يقولان : إنما نحن فتنة فلا تكفر ، وهذا تأكيد للبيان " .
إلى أن قال " قوله تعالى { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } ، هم يعتقدون أنه نفع لما يتعجلون به من بلوغ الغرض ، وحقيقته مضرة ، لما فيه من عظيم سوء العاقبة .
وحقيقة الضرر عند أهل السنة : كل ألم لا نفع يوازيه ، وحقيقة النفع : كل لذة لا يتعقبها عقاب ، ولا تلحق فيه ندامة .
والضرر وعدم المنفعة في السحر متحقق " ا هـ .
9 – قال شيخ الإسلام ابن تيمية " وقد علم أنه محرّم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة ، بل أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله .
وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان وحفصة بنت عمر وعبدالله بن عمر و جندب بن عبدالله ، وروي ذلك مرفوعاً عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد قال الله تعالى { واتبعوا ما تتلو الشياطين .. } الآيات .
فبين سبحانه أن طلاب السحر يعلمون أن صاحبه ماله في الآخرة من خلاق : أي من نصيب ، ولكن يطلبون به الدنيا ، من الرئاسة والمال .. " .
انظر مجموع الفتاوى [ 29 / 384 ] ، وانظر نحوه في [ 28 / 346 ] .
قال سمير : قد رأيت مما تقدم نقله عن أولئك الأئمة ، واختلافهم في حكم السحر وحد الساحر ، أن أدلة من ذهب إلى كفر السحر وقتل الساحر ، وهو قول الجمهور ، أقوى وأظهر من القول الآخر .
وظاهر الآيات تدل على قول الجمهور .
وكذا النصوص من السنة ، ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم " من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " رواه أحمد [ 2 / 429 ] والحاكم [ 1 / 8 ] .
وابن كثير استدل بهذا الحديث على حكم السحر ، مع أنه ذكر فيه الكاهن والعراف ، لأن السحر ضرب من الكهانة .
يؤيد ذلك أثر ابن مسعود (( من أتى عرافاً أو ساحراً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد )) . رواه أبو يعلى [ 9 / 5408 ] ، وقال ابن كثير : إسناده جيد . وجود الحافظ ابن حجر إسناده ، وقال " ومثله لا يقال بالرأي " انظر الفتح [ 10 / 217 ] ، أي له حكم الرفع . وفي صحيح مسلم [ ح 2230 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً " .
قال ابن الأثير (( العراف كالكاهن ، وقيل : هو الساحر )) . جامع الأصول [ 5 / 65 ] .
قال ابن قدامة (( فأما الكاهن الذي له رئيّ ٌ من الجن ، تأتيه بالأخبار ، والعرّاف الذي يحْدس ويتخرّص ، فقد قال أحمد ، في رواية حنبل ، في العرّاف والكاهن والساحر : أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل . قيل له : يقتل ؟ قال : لا ، يحبس لعله يرجع .
قال والعِرافة طرَف من السحر ، والساحر أخبث ، لأن السحر شعبة من الكفر . وقال : الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا ، لأنهما يلبِّسان أمرهما . وحديث عمر : اقتلوا كل ساحر وكاهن ... )) ا هـ .
انظر المغني [ 12 / 305 ] .
قال سمير : قول عمر " اقتلوا كل ساحر وكاهن " قد عزاه الحافظ ابن حجر إلى سنن سعيد بن منصور . انظر الفتح [ 6 / 261 ] .
ومما يؤيد أن السحر من باب الكهانة أيضاً ، حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر مسترقي السمع ، فقال " فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته ، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن ... " الحديث . رواه البخاري [ 8 / 538 ] .
وقد قال الحافظ ابن حجر (( إيراد باب الكهانة في كتاب الطب لمناسبته لباب السحر ، لما يجمع بينهما من مرجع كل منهما للشياطين )) . انظر الفتح [ 10 / 221 ] .
وقال العيني أيضاً (( ثم إنه – يعني البخاري – جمع بين باب السحر وباب الكهانة ، لأن مرجع كل منهما الشياطين ، وكأنهما من واد واحد )) اهـ . انظر عمدة القاري [ 17 / 418 ] .
وفي سنن النسائي [ 7 / 112 ] من حديث أبي هريرة مرفوعاً (( من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ، ومن سحر فقد أشرك ، ومن تعلق بشيء وُكل إليه )) .
وهذا – إن صح – صريح في حكم السحر ، وأنه شرك .
لكن نقل الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد [ ص 401 ] قول الذهبي : لا يصح ، ونقل أيضاً تحسين ابن مفلح له . والله أعلم .

السحر والكهانة والعرافة

وفي شرح صحيح مسلم للنووي نقل عن القاضي قوله : إن الكهانة ثلاثة أضرب ، ومنها التنجيم . ثم قال " وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة ، وقد أكذبهم كلهم الشــرع ونهى عن تصديقهم وإتــيانهم ، والله أعلم " . انظر شرح حديث رقم 537 .
وذكر أبو بكرالجصاص في أحكام القرآن [ 1 / 64 ] في تفسير آية السحر من سورة البقرة أنواع السحر ، ومنها ما كان معروفاً في " بابل " من قديم ثم قال " ولا يبعد أن يكون في ذلك الوقت من يتعاطى سائر ضروب السحر الذي ذكرنا , وكانوا يجرون في دعواهم الأخبار بالغيوب ... , وكذلك كهان العرب , يشمل الجميع اسم الكفر لظهور هذه الدعاوى منهم , وتجويزهم مضاهاة الأنبياء في معجزاتهم .. " .
وسئل شيخ الإسلام عن التنجيم , فأطال الكلام عليه , وذكر أنه من السحر , و استدل بحديث " من أتى عرافاً فسأله عن شئ ... " الحديث , ثم قال " والعراف , قد قيل : إنه اسم عام للكاهن والمنجِّم والرمَّـال ونحوهم , ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق .
ولو قيل : إنه في اللغة اسم لبعض هذه الأنواع , فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي , كما قيل في اسم الخمر والميسر ونحوهما " اهـ . المجموع [ 35 / 173 ] .
وقال شيخ الإسلام في موضع آخر " وصناعة التنجيم , صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة , بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل , قال الله تعالى { ولا يفلح الساحر حيث أتى } .
وقال { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } .
قال عمر وغيره : الجبت السحر .
وروى أبو داود في سننه بإسناد حسن عن قبيصة بن مخارق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( العيافة و الطرق و الطيرة من الجبت )) .
قال عوف , راوي الحديث , : العيافة زجر الطير , و الطرق : الخط يخط في الأرض . وقيل بالعكس .
فإذا كان الخط ونحوه , الذي هو من فروع النَّجامة من الجبت , فكيف بالنجامة ؟
وروى أحمد و أبو داود و ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر , زاد ما زاد )) فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر ، وقد قال الله تعالى { ولا يفلح الساحر حيث أتى } ، وهكذا الواقع ، فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .
وروى أحمد ومسلم في الصحيح عن صفية بنت عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً )) .
والمنجـِّم يدخل في اسم العراف عند بعض العلماء ، وعند بعضهم هو في معناه .
فإذا كانت هذه حال السائل ، فكيف بالمسئول ؟
وروى أيضاً في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي قال : قلت يا رسول الله : إن قوماً منا يأتون الكهان ، قال (( فلا تأتوهم )) . فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان الكهان ، والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء ، وحكي ذلك عن العرب .
وعند آخرين هو من جنس الكاهن وأسوأ حالاً منه فلحق به من جهة المعنى " . اهـ . باختصار . المجموع [ 35 / 192 – 194 ] .
وذكر الإمام البغوي في شرح السنة [ 12 / 177 ] حديث (( العيــافة والطّرْق والطيرة من الجبت )) ، أخرجه أبو داود [ 3907] .
وقال " وقال ابن سيرين : الجبت الساحر ، والطارق : الكاهن " اهـ .
وذكر البغوي في باب " الكهانة " من شرح السنة [ 12 / 182 ] حديث (( من أتى عرافاً فسأله عن شيء ... )) الحديث .
ثم قــال " فالكاهن هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ، ويدعي معرفة الأسرار ، ومطالعة علم الغيب .. " إلى أن قــال " ومنهم من يسمي المنجِّم كاهناً . وقد روي عن ابن عباس أن رســـول الله صلى الله عليه وســلم قال (( من اقتبس علــماً من النجوم اقتبس شعبــة من الســحر )) . " .
قال سمير : حديث ابن عباس هذا أخرجه أحمد في المسند [ ح 2000 ] وأبوداود [ 3905 ] .
وقال الشنقيطي في أضواء البيان [ 2 / 197 ] " ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة والكهانة والعرافة والطرق والزجر والنجوم ، وكل ذلك يدخل في الكهانة ، لأنها تشمل جميع أنواع ادعاء الاطلاع على علم الغيب . وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال " ليسوا بشيء " ا هـ .
قال سمير : حديث (( ليسوا بشيء )) متفق عليه . انظر جامع الأصول [ 5 / 63 ] .
وذكر ابن منظور في لسان العرب [ 13 / 363 ] في مادة " كهن " ، قول ابن الأثير " وقوله في الحديث (( من أتى كاهناً )) ، يشتمل على إتيان الكاهن والعراف والمنجم " .
وذكر ابن منظور أيضاً [ 9 / 238 ] في مادة " عرف " حديث (( من أتى عرافاً أو كاهناً .. )) ثم قال " أراد بالعراف المنجم أو الحازي ، الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه " ا هـ .
قال سمير : فتبين مما تقدم نقله عن الأئمة دخول الساحر في حكم العراف والكاهن ، " بطريق العموم المعنوي " كما قال شيخ الإسلام ، بل هو أولى بالحكم ، لأن السحر أشد من الكهانة والعرافة وأعظم ، كما قال الإمام أحمد " الساحر أخبث " .

السحر والرقى

المقصود من الرقى هنا ، أي المنهي عنها ، وهي التي فيها شرك ، أو ما لايفهم معناه ، مما يتعاطاه السحرة والكهنة والمنجمون .
وقد جاء في الحديث (( إن الرقى والتمائم والتــولة شــرك )) رواه أحــمد [ 3615 ] وأبــوداود [ 3883 ] والبغوي في شرح السنة [ 12 / 57 ] .
قال البغوي " التولة ضرب من السحر . قال الأصمعي : وهو الذي يحبب المرأة إلى زوجها .. ".
إلى أن قال " والمنهي من الرقى ما كان فيه شرك ، أو كان يذكر مردة الشياطين ، أو ما كان منها بغير لسان العرب ، ولا يدرى ماهو ، ولعله يدخله سحر أو كفر .
فأما ماكان بالقرآن وبذكر الله عز وجل ، فإنه جائز مستحب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه بالمعوذات .. " الخ . [ 12 / 159 ] .
وقال النووي في شرح باب الطب والمرض والرقى ، من صحيح مسلم " قال المازري : جميع الرقى جائزة ، إذا كانت بكتاب الله أو بذكره ، ومنهي عنها إذا كانت باللغة الأعجمية ، أو بما لا يدرى معناه ، لجواز أن يكون فيه كفر ... "
ثم قال النووي " قال القاضي : وجاء في حديث في غير مسلم : سئل عن النشرة ، فأضافها إلى الشيطان .
قال : والنشرة معروفة مشهورة عند أهل التعزيم ، وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها ، أي تخلِّي عنه .
وقال الحسن : هي من السحر . قال القاضي : وهذا محمول على أنها خارجة عن كتاب الله تعالى وأذكاره ، وعن المداواة المعروفة التي هي من جنس المباح .
وقد اختار بعض المتقدمين هذا ، فكره حل المعقود عن امرأته .
وقد حكى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن رجل به طب ، أي ضرب من الجنون ، أو يؤخذ عن امرأته ، أ يحلُّ عنه أو ينشر ؟
قال : لا بأس به ، إنما يريدون به الإصلاح ، فلم ينه عما ينفع .
وممن أجاز النشرة الطبري ، وهو الصحيح .. " اهـ . شرح مسلم [ ص 1366 – 1367 ] .
قال سمير : سيأتي الكلام عن النشرة بعد قليل ، والغرض هنا بيان العلاقة بين الرقى والسحر ، وقد علمت وجه العلاقة والشبه بينهما ، لأن الساحر إنما يستعمل رقى وتعاويذ ونحوها في سحره ، والراقي بمثل هذه الأمور الشركية كالساحر في الحكم ، وكانت العرب من قبل تستعمل الرقى الشركية ، التي هي من جنس السحر ، لمداواة المجنون والمصروع ونحوهما ، فنهى الشرع عن مثل هذه الرقى وجعلها من باب الشرك .
والخلاصة : أن السحر والتنجيم والعرافة والكهانة والرقى الشركية ونحوها ، هي من باب واحد ، وكلها محرمة ، يحرم تعاطيها والمداواة بها ، ويحرم الذهاب إلى من يزعم أنه يجلب بها النفع أو يرفع بها الضر ، والله أعلم .

حكم حل السحر بالسحر

هذه المسألة كنا نظن أنه لا يحكى فيها خلاف ، خاصة عندنا هنا في هذه البلاد التي من الله تعالى عليها بدعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب ، عليه رحمة الله .
فحكم السحر والساحر والنشرة ، مما يتعلمه أبناؤنا وبناتنا في الصفوف الأولى في مراحل التعليم ، ويكرر لهم ذكره في خطب الجمعات وفي غيرها من المناسبات ، حتى استقر في أذهان الخاصة والعامة حكم تلك المسائل ، واطمأنت قلوبهم لها ، كما هو ظاهر .
وقد مرت عقود والناس فيها هنا لا يعرفون إلا القول الراجح الموافق للكتاب والسنة ولآثار السلف ولقول جماهير العلماء من الخلف ، وهو أن السحر كفر ، وأن الساحر كافر ، ولا يجوز حل السحر بالسحر.
وضرر السحر والسحرة ، ومفسدتهم في الدين والدنيا ، مما لا يخفى على عاقل ، ولا يحتاج إثباته إلى دليل .
لكننا ابتلينا بطائفة ممن ينتسب إلى العلم والإفتاء ، ممن أعجبه رأيه وأخذ يعمل فكره في استخراج الآراء الشاذة المخالفة للنصوص الصريحة ، والانتصار لها والإفتاء بها للعوام ، دون النظر إلى عواقب الأمور ، ولا أخذ مشورة ولاة الأمور من العلماء والأمراء ، الذين هم أعلم منه بما يصلح أن يفتى به وما لا يصلح .
وسنذكر هنا ما قاله أهل العلم في هذه المسألة ، حتى يعلم ذلك المفتي أن من سبقه أعلم منه بها ، وأن اختيارهم للقول الصحيح في منع حل السحر بالسحر ، والإنكار على من قصد السحار لطلب النشرة ، لم يكن عن جهل بالقول الشاذ الذي اختاره هو ، وظنه أرجح من اختيارهم .
ذكر ابن قدامة حكم حل السحر بالسحر ، فقال (( وأما من يحُلّ السحر ، فإن كان بشيء من القرآن ، أو شيء من الذكر والأقسام والكلام الذي لا بأس به ، فلا بأس به .
وإن كان بشيء من السحر ، فقد توقف أحمد عنه . قال الأثرم : سمعت أبا عبدالله سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر ، فقال قد رخّص فيه بعض الناس . قيل لأبي عبدالله : إنه يجعل في الطنجير ماءً ويغيب فيه ويعمل كذا ، فنفض يده كالمنكِر ، وقال : ما أدري ماهذا .
قيل له : فترى أن يؤتى مثل هذا يحل السحر ؟ فقال : ما أدري ماهذا ؟ .
وروي عن محمد بن سيرين أنه سئل عن امرأة يعذبها السحرة ، فقال رجل : أخط خطاً عليها ، وأغرز السكين عند مجمع الخط ، وأقرأ القرآن . فقال محمد : ما أعلم بقراءة القرآن بأساً على حال ، ولا أدري ما الخط والسكين ؟ .
وروي عن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته ، فيلتمس من يداويه ، فقال : إنما نهى الله عما يضر ، ولم ينهَ عما ينفع .
وقال أيضاً : إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل .
فهذا من قولهم يدل على أن المعزِّم ونحوه ، لم يدخلوا في حكم السحرة ، لأنهم لا يُسمّوْن به ، وهو مما ينفع ولا يضر .. )) ا هـ . انظر المغني [ 12 / 300 – 305 ] .
قال سمير : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سُحر ، كما روت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، والحديث مشهور ، وقد جاء في حديثها " قلت يا رسول الله أفلا استخرجته ؟
قال : قد عافاني الله ، فكرهت أن أثير على الناس فيه شراً .. " .
وفي لفظ " قال : فاستخرج . قالت : فقلت : أفلا – أي تنشّرت - ؟
فقال : أما والله فقد شفاني ، وأكره أن أثير على أحد من الناس شراً " .
وقد بين الحافظ في الفتح اختلاف الرواة في بعض ألفاظ هذا الحديث ، ومنه سؤال عائشة رضي الله عنها هل هو عن استخراج السحر ، أم عن النشرة ؟
قال الحافظ (( قال ابن بطال : ذكر المهلب أن الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور ، فأثبته سفيان ، وجعل سؤال عائشة عن النشرة ، ونفاه عيسى بن يونس ، وجعل سؤالها عن الاستخراج ، ولم يذكر الجواب ، وصرح به أبو أسامة .. )) .
ثم ذكر الجمع بين الروايات ، بأن يحمل الاستخراج المثبت على الجف ، والمنفي على ما حواه الجف ، حتى لا يراه الناس فيتعلمه من أراد استعمال السحر . انظر الفتح [ 10 / 235 ] .
وقد بوب البخاري في صحيحه بقوله : باب : هل يُستخرج السحر ؟
قال البخاري (( وقال قتادة : قلت لسعيد بن المسيب : رجل به طبٌّ ، أو يؤخّذ عن امرأته ، أ يُحلُّ عنه أو يُنشّر ؟
قال : لا بأس به ، إنما يريدون به الإصلاح ، فأما ما ينفع فلم يُنه عنه )) .
قال الحافظ (( أورد الترجمة بالاستفهام إشارة إلى الاختلاف ، وصدر بما نقله عن سعيد بن المسيب من الجواز إشارة إلى ترجيحه )) .
ثم ذكر الحافظ رواية قتادة عن سعيد بن المسيب التي علقــها البخاري ، وذكر أنهــا وردت بلفظ " إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع " .
وفي لفظ (( عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأساً إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه . قال قتادة : وكان الحسن يكره ذلك يقول : لا يعلم ذلك إلا ساحر . قـال : فقال سعيد بن المسيب : إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع )) .
قال الحافظ (( وقد أخرج أبو داود في " المراسيل " عن الحســن رفعه " النشرة من عمل الشيطان " ، ووصله أحمد و أبوداود بسند حسن عن جابر . قال ابن الجوزي : النشرة حل السحر عن المسحور ، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر .
وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور فقال : لا بأس به . وهذا هو المعتمد .
ويجاب عن الحديث والأثر بأن قوله " النشرة من عمل الشيطان " ، إشارة إلى أصلها ، ويختلف الحكم بالقصد ، فمن قصد بها خيراً كان خيراً ، وإلا فهو شر .
ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره ، لأنه قد ينحل بالرقى والأدعية والتعويذ ، ولكن يحتمل أن تكون النشرة نوعين .. )) .
ثم قال الحافظ ابن حجر (( قوله " أو يُنشّر " ، بتشديد المعجمة ، من النُّشرة ، بالضم ، وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحراً أو مساً من الجن ، قيل لها ذلك ، لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من الداء .
ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في " باب الرقية " في حديث جــابر عند مســلم مـــرفوعاً " من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل " . ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث " العين حق " في قصة اغتسال العائن .
وقد أخرج عبدالرزاق من طريق الشعبي قال : لا بأس بالنشرة العربية التي إذا وطئت لا تضره ، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كلٍّ ، ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به .
وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبِّه : أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر ، فيدقه بين حجرين ، ثم يضربه بالماء ، ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ، ثم يغتسل به ، فإنه يذهب عنه كل ما به ، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله )) .
قال الحافظ (( و ممن صرح بجواز النشرة : المزني ، صاحب الشافعي ، وأبو جعفر الطبري وغيرهما .
ثم وقفت على صفة النشرة في كتاب " الطب النبوي " ... )) إلى آخر ما نقله ، وفيه ذكر طريقة من طرق النشرة والحل ، وليس فيها سحر ولا رقى مجهولة ، بل هي بنحو ما تقدم ذكره عن الشعبي ووهب بن منبه . انظر الفتح [ 10 / 233 – 234 ] .
قال سمير : هاهنا عدة مسائل :
الأولى : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سحر ، لم يلجأ إلى ساحر ليحل عنه السحر ، مع أنه مكث مدة يعاني من السحر ، قيل أربعين ليلة ، وقيل ستة أشهر .
قال الحافظ في الفتح [ 10 / 226 ] " وهو المعتمد " .
ثم جاء الملكان فأخبراه بمكان السحر ، فاستخرجه وشفاه الله منه .
وفي رواية ذكرها الحافظ في الفتح [ 10 / 230 ] (( فاستخرج السحر من الجف من تحت البئر ثم نزعه فحله ، فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم )) .
وفي رواية أنه وجد في الطلعة تمثالاً من شمع ، تمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا فيه إبر مغروزة ، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة ، فنزل جبريل بالمعوذتين ، فكلما قرأ آية انحلت عقدة .... )) .
فدل ذلك على أن شفاءه صلى الله عليه وسلم كان بسببين من الأسباب التي شرعها الله وهما : استخراج السحر ، وقراءة المعوذتين .
الثانية : أن الذين أباحوا حل السحر بالسحر ، ليس معهم دليل ، لا من كتاب ولا من سنة ، ولا إجماع ، ولا قياس ، ولا قول صحابي .
وغاية ما عندهم هو قول التابعي الجليل سعيد بن المسيب .
ولم يقل أحد من أهل العلم ، إن قول التابعي حجة في دين الله .
وهذه كتب الأصول لدينا قد ذكرت الأدلة المتفق عليها ، وهي الكتاب والسنة والإجماع ، ثم الأدلة المختلف فيها ، ومنها القياس وقول الصحابي وعمل أهل المدينة والاستحسان ونحوها .
لكنهم لم يذكروا أن قول التابعي دليل شرعي يحتج به في شرع الله .
ومعلوم أنه لو قال بهذا القول صحابي ، لوجب رده لمخالفته للنصوص ، فكيف بقول التابعي ، وقد خالفه غيره من التابعين ، فما الذي جعل قول ذاك حجة ؟!
حتى إذا قيل إن هذا الأثر قد قال به البخاري وأحمد بن حنبل وغيرهما من الفقهاء ، فإنه لا يجعله حجة في دين الله ، كما تقرر في الأصول ، ولا ينبغي أن يختلف في هذا .
وهذا كله على فرض أن هؤلاء الأئمة ، ابن المسيب وغيره ، يجيزون حل السحر بالسحر .
الثالثة : وعندنا كتاب الله ، يحكم بأن السحر كفر ، فكيف يجرؤ أحد أن يعارضه بقول سعيد بن المسيب و غيره ؟
فإن قال لنا قائل بنحو قول سعيد بن المسيب (( إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع )) أو قال (( إنما يريدون به الإصلاح )) .
قلنا : لكن الله تعالى قال { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } .
فأثبت الضرر ونفى النفع عن السحر .
قال ابن العربي في أحكام القرآن (( والضرر وعدم المنفعة في السحر متحقق )) ا هـ .
ونقول أيضا ً : إن الله تعالى ذم السحر في كل آية ورد فيها ، فقال { ولا يفلح الساحر حيث أتى } ومن كان هذا حاله فكيف يرجى منه الشفاء والفلاح ؟ .
وقال سبحانه { قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين } .
فالساحر مفسد ، فكيف يرجى منه النفع والصلاح ؟
ثم عندنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد نهانا فيها عن السحر بأبلغ عبــارة ، فقــــــال " اجتنبوا " !
فكيف يعارض قول رســول الله صلى الله عليه وســلم بقول سعيد وغيره ، والله تعـــالى يقــــول { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }
وقد أكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله عن مسترقي السمع (( حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن .. فيكذب معها مائة كذبة )) .
فالساحر كذاب مفترٍ ، فكيف يوثق به وبسحره ؟
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (( من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد )) .
وهذا ، وإن لم ينص فيه على الساحر ، لكنه نص على من هو مثله أو دونه في المفسدة ، ولهذا رأى أهل العلم ، أن الساحر يدخل في هذا الحديث ، كما تقدم نقل كلامهم .
ويؤيد ذلك أيضاً أثر ابن مسعود " من أتى عرافاً أو ساحراً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " .
وقد تقدم أن هذا الأثر جود إسناده ابن كثير وابن حجر ، وقال الأخير " ومثله لا يقال بالرأي " .
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان قال (( فلا تأتوهم )) .
رواه مسلم [ 1748 ] .
ويدخل في ذلك الساحر ، كما تقدم ، فكيف يصح الإفتاء بالذهاب إلى السحرة لحل السحر ؟ .
الرابعة : ثم جاءت الآثار تؤيد ما سبق ، حين أمرت بقتل الساحر .
ولا يصح أن يؤمر بقتل الساحر ، ويطلب منه حل السحر ، كيف يصح الجمع بينهما ؟
حتى من لا يرى قتل السحرة ، فإنه يعلم أنهم مجرمون مفسدون في الأرض ، عصاة بغاة ، مرتكبون للموبقات ، فلا يستقيم أن يسألوا حل السحر ، وشفاء المسحور .
لأن في ذلك إعلاءً لشأنهم ، وإعظاماً لقدرهم ، فالمريض هو الضعيف المحتاج ، والطبيب هو المتحكم في العلاج ، كما هو ظاهر لكل عاقل .
فكيف - بالله – يصلح أن يأتي المؤمن أو المؤمنة ، إلى من حكم عليه أكثر السلف بالردة والزندقة ، وحكم عليه الآخرون بأنه من الكذبة الفجرة ، فيسأله منفعة أو دفع مضرة ؟! .

رسالة العبيكان في
حل السحر بالسحر

لم يكتف الشيخ العبيكان بما أفتى به الناس في القناة الفضائية ، وأضل بها ما لايحصى عدده من العامة ، وأثار به البلبلة ، بل ألف رسالة أتى فيها بالعجائب ، كما سترى .
قال الشيخ (( ومن المؤسف أن بعض الذين تكلموا في هذه المسألة رادين هذه الفتوى ، أخذوا يستدلون بما لا دليل فيه ويخلطون بين الساحر والكاهن والعراف ، ويستدلون بقوله " أتى كاهناً أو عرافاً ... " )) الخ .
قال سمير : من المؤسف حقاً أن يجهل الشيخ أثر ابن مسعود المتقدم ، الذي جود إسناده ابن كثير وابن حجر ، ويجهل استدلال الأئمة بحديث " من أتى كاهناً أو عرافاً .. " على مسألة السحر ، ويجهل كذلك ما قاله الأئمة من أن السحر باب من الكهانة ، وأن الساحر أخبث ، وأن دخوله في هذا الحديث من باب أولى .
ومن المؤسف ، أيضاً ، أن يتكلم الشيخ في هذه المسألة ويفتي بما يخالف النصوص الصريحة ، وبما يخالف ما عليه أئمة السلف والخلف .
ومن عجائب ما جاء في رسالة الشيخ العبيكان , قوله " و أقول لمن قال : إن هذه الفتوى تقتضي السماح للسحرة بمزاولة عمل السحر , بأن هذا الكلام باطل , بل المطلوب القضاء على السحرة , وهذا ما تقضي به أنظمة بلادنا المباركة , ولكن هناك من يقوم بمزاولة العمل سراً منذ سنين طويلة , ولم تستطع الســلطة القضاء التام عليهم , كما أننا نعلم أن الســـحرة في دول كثيرة بعضها عربية إســـلامية , يقومون بمزاولة عملهم بدون معارض , فلو استطعنا القضاء على جميع الســحرة في العالم لما احتجنا إلى الفتوى بذهاب المســحور عند الضــرورة إلى أولئك الســحرة " اهـ .
قال سمير : لا أدري , هل الشيخ موافق للأنظمة " المباركة " , في القضاء على السحرة , أم هو يخالفها , كما يظهر من فتواه ؟ وإذا رأى – فضيلته – أن القضاء على السحرة , بمعنى إقامة حد الردة عليهم , أو بسجنهم و تعزيرهم , ومنعهم من مزاولة السحر , كما هو الحال عليه عندنا , وكما ينبغي أن يكون في كل مكان , لأن شرع الله لا يخص مكاناً دون مكان , فإذا رأى الشيخ أن هذا هو المطلوب فعله مع كل السحرة , في شرع الله , وأن أئمة المسلمين يلزمهم تطبيق هذا الشرع ، فكيف يبيح بعد ذلك أن يلجأ المؤمنون إلى أولئك السحرة لحل السحر بالسحر ؟
ثم إن كان أولئك المجرمون المفسدون في الأرض مستخفين عن أعين السلطة ، ويعملون السحر في الخفاء ، كما يعلم الشيخ ، فكيف يصح أن يتستر عليهم أهل هذه البلاد ؟
أليس الواجب الشرعي على كل مؤمن ومؤمنة ، إذا عرف مكان أحد من هؤلاء السحرة أن يدل عليه السلطة حتى تخلص العباد والبلاد من شرهم ؟
أم يرى الشيخ – أصلحه الله – أن يذهب إليهم هؤلاء المؤمنون ليعينوهم على جرمهم وفسادهم ، ويدفعوا إليهم أموالهم ، وربما أعانوهم على شركهم أيضاً ، كــذبح قربان ونحوه ، مما اشتهر ذكره ، ولا إخاله يخفى على فضيلة الشيخ خبره ؟
ثم أليس في مثل تلك الفتوى العجيبة افتئات على ولاة الأمر من العلماء والأمراء ، حيث يجاهر الشيخ بمخالفتهم ومعارضة أنظمتهم ، التي وصفها الشيخ بأنها مباركة ؟
كيف تكون مباركة أيها الشيخ ، وأنت تقول : اذهبوا أيها الناس إلى أولئك السحرة المستخفين عن أعين العدالة والسلطة ، وترددوا إليهم ، ولا حرج عليكم في ذلك ، من باب الضرورة ؟ !
ولو قال لك أحد المصابين بالسحر ، إني وجدت ساحراً فهل أذهب إليه ليحل السحر عني أم أذهب إلى السلطة لأبلغهم عن مكانه حتى يقبضوا عليه ، فبماذا تجيبه ؟
إن أجبته بالأول ، فقد نازعت الأمر أهله ، وإن أجبته بالثاني فقد ناقضت نفسك وخالفت فتواك .
ثم نقول للشيخ : إن في ذلك فتحاً لأبواب من المفاسد والشر ، وإعانة للمجرمين بل والمشركين ولا يبعد أن يقوم بعض الناس بإيواء السحرة والتستر عليهم ، حتى يحلوا عنهم السحر ، وقد صح في الحديث (( لعن الله من آوى محدثاً )) . رواه مسلم [ 1978 ] .
وأي حدث أعظم من الشرك والسحر والإفساد في الأرض . ويكفينا من ذلك كله قــول الله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } .

شد الرحل لحل السحر

وأما قول الشيخ إن السحرة متوافرون في دول كثيرة ، فإن معــناه : أن من أصابه شيء من السحر ، وعجز عن أن يجد ساحراً يحل عنه السحر في هذه البلاد ، فليشد رحله إلى أي بلد من تلك البلدان التي تسمح للسحرة " بمزاولة عملهم بدون معارض " !
ولا أدري هل يعلم فضيلته خطر مثل هذا القول ؟
أيصح أن يسافر المسلمون من بلاد التوحيد , لا لكسب العلم , و لا لتجارة ولا لمنفعة مباحة , بل ليبحثوا عن السحرة ويطلبوا منهم النشرة ؟
سبحان الله ! أي فساد سيجره مثل هذا القول الذي يزعم قائله أنه ينصح به المسلمين , ويستدل بقوله صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة " ؟!
أي نصيحة يا شيخ , و أنت تسوق الناس إلى بلدان يكثر فيها الكفر و الشر , وينتشر فيها الشعوذة والكهانة و السحر ؟ .
وأي نصيحة تلك التي تزعمها ، وتستدل عليها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تجاهر بمخالفته وعصيان أمره ، حيث قال (( اجتنبوا السبع الموبقات )) وذكر منها السحر ، وقال (( من أتى كاهناً أو عرافاً .. )) وقال عن الكهان (( فلا تأتوهم )) وقال أيضاً (( ليسوا بشيء )) ؟ .

لا تداووا بحرام

ونقول للشيخ أيضاً : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أمته عن التداوي بحرام في غير ما حديث , ومنها :
1 – حديث أبي الدرداء (( ..... فتداووا ولا تداووا بحرام )) رواه أبو داود [ 3874 ] .
2 – وحديث وائل بن حجر أن طارق بن سويد سأل النبي عن التداوي بالخمر , فقال صلى الله عليه وسلم (( ليست بدواء ولكنها داء )) رواه مسلم وأبو داود والترمذي . انظر جامع الأصول [ 7 / 538 ] .
3 – حديث أبي هريرة (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث )) .
رواه أبو داود والترمذي . انظر جامع الأصول [ 7 / 539 ] .
4 – حديث أم سلمة (( إن الله عز وجل لم يجعل شفاءكم في حرام )) رواه أبو يعلى [ 12/402 ] وصححه ابن حبان [ 1397 موارد ] .
و ذكره البخاري معلقاً موقوفاً على ابن مسعود . انظر فتح الباري [ 10 / 78 ] .
و إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد منع التداوي بالخمر , وهي أخف إثمــاً ومفســدة من السحر , فكيف بالتداوي بالسحر , لحل السحر ؟
وقد ردّ الشيخ العبيكان على من استدل بأحاديث النهي عن التداوي بحرام فقال " وأقول لمن يستدل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التداوي بالحرام ، بأن حل السحر ليس من تعاطي الأدوية المحرمة المأكولة والمشروبة ، فالحديث هو في التداوي بأكل الطعام المحرم أو شرب ماهو محرم ، كالخمر ، ولو على سبيل التداوي ، أما السحر فهو : بحلِّ عقد وإتلاف ما وضع فيه السحر واستخراجه ، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد يعطي الساحر للمسحور أدوية مباحة من الأعشاب ونحوها ، وإنما المحرم أن يقوم المسحور هو بفعل محرم ، مثل الذبح لغير الله أو تعليق ما يتضمن المحرم ، ونحو ذلك " ا هـ .
قال سمير : أولاً : النهي عن التداوي بالحرام ، ليس خاصاً بالمأكول والمشروب ، بل هو عام في كل دواء وعام في كل انتفاع ، حتى طلاء السفن .
ففي الصحيحين من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له (( أرأيت شحوم الميتة ، فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ، فقال : لا ، هو حرام .. )) الحديث . صحيح البخاري [ 2236 ]. وصحيح مسلم [ 3 / 1207 ] .
قال الحافظ " منهم من حمل قوله " هو حرام " ، على الانتفاع ، فقال : يحرم الانتفاع بها ، وهو قول أكثر العلماء ... " . انظر الفتح [ 4 / 425 ] .
ثانياً : السحر نوع من الأمراض ، فيدخل في هذا الباب أيضاً ، ولهذا ورد في الحديث بلفظ " ما وجع الرجل " ؟ قال الملك الآخر " مطبوب " .
والعرب تسمي المسحور مطبوباً ، تفاؤلاً ، كما قال الحافظ في الفتح [ 10 / 228 ] ، وزاد " قال ابن الأنباري : الطب من الأضداد ، يقال لعلاج الداء طب ، والسحر من الداء ، ويقال له طب " .
وورد في الحديث أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم (( أما أنا فقد شفاني الله )) ، ويؤيده رواية عائشة عند البيهقي في الدلائل " فكان يدور ولا يدري ما وجعه " ، ورواية ابن عباس عند ابن سعد " مرض النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عن النساء والطعام والشراب فهبط عليه ملكان " . انظر الفتح [ 10 / 227 ] .
ولهذا أورد البخاري حديث السحر في كتاب الطب من صحيحه , وقال الحافظ (( إيراد باب السحر في كتاب الطب لمناسبته ذكر الرقى وغيرها من الأدوية المعنوية )) . الفتح [ 10/221 ] .
وقال البغوي في شرح السنة [ 12 / 187 ] عن السحر " وهو من أعظم الأدواء " ا هـ .
وقال ابن القيم (( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر الذي سحرته اليهود به , قد أنكر هذا طائفة من الناس , وقالوا : لا يجوز هذا عليه , وظنوه نقصاً و عيباً , وليس الأمر كما زعموا , بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من الأسقام والأوجاع , وهو مرض من الأمراض , و إصابته به كإصابته بالسُّمِّ , لا فرق بينهما ... ))
إلى أن قال (( قال القاضي عياض : والسحر مرض من الأمراض , وعارض من العلل يجوز عليه صلى الله عليه وسلم , كأنواع الأمراض .. )) .
إلى أن قال (( والمقصود ذكر هديه في علاج هذا المرض , وقد روي عنه فيه نوعان :
أحدهما , وهو أبلغهما , استخراجه و إبطاله .. فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب .
والنوع الثاني : الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر .. )) .
ثم قال ابن القيم (( ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية , بل هي أدويته النافعة بالذات , فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية , ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها و يقاومها من الأذكار والآيات والدعوات ، التي تبطل فعلها وتأثيرها , وكلما كانت أقوى و أشد , كانت أبلغ في النشرة .. )) اهـ . باختصارمن زاد المعاد [ 4/113-116 ] .
قال سمير: تأمل قول ابن القيم " بل هي أدويته النافعة بالذات " . فإنه صريح في حصر حل السحر بالأدوية المشروعة وترك ما سواها .
والتداوي من السحر إن كان من باب الرقية ، فهو أيضاً لا يشرع إلا بما هو مباح .
فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما نهى أمته عن التداوي بالحرام ، وعن الانتفاع به ، كذلك نهاهم عن الرقى بالشرك أو بما لا يعرف معناه من الكلام ، كما تقدم .
جاء في الصحيح قوله صلى الله عليه وسـلم (( اعرضـوا عليّ رقــاكم ، لا بأس بما ليس فيه شرك )) . رواه مسلم [ 2200 ] .
وفي سنن أبي داود [ 3883 ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إن الرقى والتمائم والتولة شرك )) .
قال ابن الأثير " التولة ، بكســر التاء وفتح الواو ، ما يحبب المرأة إلى زوجــها من أنــواع السحر )) . جامع الأصول [ 7 / 575 ] .
قال ابن حجر " وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته ، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره ، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها ، بل بذات الله تعالى " .
ثم ذكر ابن حجر حديث (( إن الرقى والتمائم والتولة شرك )) ، وذكر أن التولة ضرب من السحر . انظر الفتح [ 10 / 195 ] .
ثالثاً : إن باب العلاج بالرقى أضيق من باب العلاج بالأدوية المباحة ، كما يظهر من النصوص ، فالنهي عن التداوي بالمـحرم منها أظهر من غيرها من الأدوية المحرمة ، والسحر أضيق منها كلها ، لأنه محرم كله .

كلام ابن تيمية

ولشيخ الإسلام كلام نفيس عن الرقية بالقرآن ، ومما قاله رحمه الله " وأما الاستعانة عليهم – أي الجن – بما يقال ويكتب ، مما لا يعرف معناه ، فلا يشرع ، لا سيما إن كان فيه شرك ، فإن ذلك محرم ، وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك . وقد يقرأون مع ذلك شيئاً من القرآن ويظهرونه ، ويكتمون ما يقولونه من الشرك .
وفي الاستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله . والمسلمون ، وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات ، كالميتة والخنزير ، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال ، لأن ذلك محرم في كل حال ... " مجموع الفتاوى [ 19 / 61 ] .
قال سمير : ولا ريب أن الساحر أخبث من أهل العزائم ، ولا يحل السحر بالسحر إلا إذا تقرب إلى الجن بالشرك .
وكلام شيخ الإسلام صريح في منع حل السحر بالسحر ، الذي فيه شرك وكفر ، وأنه مما لا نزاع فيه ، بخلاف التداوي بالمحرمات الأخرى .

كلام ابن القيم

ولابن القيم أيضاً كلام نفيس عن النهي عن التداوي بالحرام ، فقال ، رحمه الله ، بعد أن سرد الأحاديث في ذلك " المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلاً و شرعاً , أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث و غيرها , وأما العقل , فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه , فإنه لم يحرِّم على هذه الأمة طيباً عقوبة لها , كما حرمه على بني إسرائيل بقوله { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } .
و إنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه , وتحريمه له حمية لهم , وصيانة عن تناوله , فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام و العلل , فإنه و إن أثـَّر في إزالتها , لكنه يُعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه , فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب .
و أيضاً , فإن تحريمه يقتضي تجنبه و البعد عنه بكل طريق , وفي اتخاذه دواءً حض على الترغيب فيه وملابسته , وهذا ضد مقصود الشارع , وأيضاً , فإنه داء , كما نص عليه صاحب الشريعة , فلا يجوز أن يتخذ دواء .
و أيضاً , فإنه يكسب الطبيعة و الروح صفة الخبث , لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالاً بيناً .. )) الخ . انظر زاد المعاد [ 4 / 143- 144 ] .
قال سمير : وهذا الكلام النفيس من شيخي الإسلام , ابن تيمية وابن القيم , صريح في منع النشرة بالسحر و التداوي منه به , كما هو ظاهر . وانظر كلام الحافظ في الفتح [ 10 / 78 - 80 ] .

الفهم الصحيح لكلام ابن المسيب

قد قدمنا من النصوص ما يكفي في الرد على من أباح النشرة بالسحر , وذكرنا أنه لو فرض أن ابن المسيب و البخاري و أحمد وغيرهم من الأئمة أباحوا ذلك , فإن قولهم مردود بالنصوص الصريحة في المنع والتحريم . وهذا كله على فرض أنهم قالوا بجواز حل السحر بالسحر . لكن الصحيح أنهم لم يجيزوا ذلك .
يدل عليه كلام الحافظ في الفتح [ 10 / 233- 234 ] , حيث ذكر كراهة الحسن للنــشرة وقوله " لا يعلم ذلك إلا ساحر " وجواب ابن المسيب له " إنما نهى الله عما يضر ... " الخ , فقال الحافظ " ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره , لأنه قد ينحلُّ بالرقى والأدعية و التعويذ , ولكن يحتمل أن تكون النشرة نوعين " .
قال سمير : فالحافظ وجَّه كلام ابن المسيب , بأن معناه أن يُنشَّر عن المسحور بالرقى المباحة .
و أكد ذلك ابن حجر بقوله بعد ذلك (( ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في باب " الرقية " في حديث جابر عند مسلم مرفوعاً " من أستطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " .
ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث " العين حق " , في قصة اغتسال العائن )) .
ثم ذكر الحافظ قول الشعبي في النشرة العربية ، وهي " أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كلٍ ، ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به " .
وذكر الحافظ أيضاً صفة أخرى للحلِّ ، وصفة للنشرة ، وليس فيها أي سحرأو شرك .
ويؤيده أيضاً قول ابن حجر ، الذي نقلناه من قبل حين ذكر أن إزالة السحر عمن وقع فيه ، إن كان لا يتم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق ، فلا يحل أصلاً . الفتح [ 10 / 225 ] .
فجعل الحافظ كلام ابن المسيب في النشرة من السحر ، من باب النشرة من العين ، وهي مشروعة ، أو النشرة العربية ، وهي مباحة .
وأما النشرة بالسحر ، فقد صرح بتحريمها ، كما هو ظاهر كلامه – رحمه الله .
ويؤيد ذلك أن الذين ذكروا النشرة عن المسحور ، ونقلوا كلام ابن المسيب في إباحتها ، إنما قصدوا النشرة المباحة ، ولهذا قال البغوي ، بعد أن ذكر حديث (( النشرة من الشـــــــــــيطان )) " والنشرة ضرب من الرقية ، يعالج بها من كان يظن به مس الجن .. " ثم ذكــر قول الحســـــن " النشرة من السحر " ، وقول سعيد بن المسيب " لا بأس بها " . ثم ذكر البغوي أن المنهي من الرقى ما كان فيه شرك .. الخ . انظر شرح السنة للبغوي [ 12 / 159 ] .
ويؤيد ذلك أيضاً ، أنه جاء في أثر ابن المسيب قوله " من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل " .
انظر شرح السنة للبغوي [ 12 / 190 ] .
قال سمير : ومعلوم أن الساحر ليس أخاً للمؤمن عند أكثر العلماء ، لأنه كافر زنديق ، فدل ذلك على أن سعيد بن المسيب لم يقصد الساحر الذي يكفر بسحره ، وإنما قصد من يحسن النشرة بالمباح . والله أعلم .

كلام الشيخ سليمان

وقال الشيخ سليمان بن عبدالله في تيسير العزيز الحميد [ 418 ] ، تعليقاً على أثر سعيد بن المسيب " وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا ؟
فأما أن يكون ابن المسيب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر ، فلا يُظن به ذلك ، حاشاه منه ، ويدل على ذلك قوله : إنما يريدون به الإصلاح . فأي إصلاح في السحر ؟ بل كله فساد وكفر ، والله أعلم " ا هـ .
وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله " وروي عن الحسن أنه قال : لا يحل السحر إلا ساحر .
قال ابن القيم : النشرة حلُّ السحر عن المسحور ، وهي نوعان ، حل بسحر مثله ، وهو الذي من عمل الشيطان ، وعليه يحمل قول الحسن ، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان ، بما يحب ، فيبطل عمله عن المسحور .
والثاني : النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية المباحة ، فهذا جائز " .
قال الشيخ سليمان في الشرح " هذا الثاني هو الذي يحمل عليه كلام ابن المسيب ، أو على نــوع لا يدرى هل هو من السحر أم لا ؟
وكذلك ما روي عن الإمام أحمد من إجازة النشرة ، فإنه محمول على ذلك ، وغلط من ظن أنه أجاز النشرة السحرية ، وليس في كلامه ما يدل على ذلك .
بل لما سئل عن الرجل يحل السحر قال : قد رخص فيه بعض الناس .
قيل إنه يجْـعل في الطنجير ماءً ويغيب فيه ؟ فنفض يده وقال : لا أدري ما هذا ؟ قيل له : أفترى أن يؤتى مثل هذا ؟ قال : لا أدري ما هذا ؟
وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه ، وكيف يجيزه ، وهو الذي روى الحديث إنها من عمل الشيطان ؟
ولكن لما كان لفظ النشرة مشتركاً بين الجائزة والتي من عمل الشيطان ، ورأوه قد أجاز النشرة ، ظنوا أنه قد أجاز التي من عمل الشيطان ، وحاشاه من ذلك .. "
انظر تيسير العزيز الحميد [ 418 – 420 ] .

هل طلب العلاج من الواجبات

وهاهنا مسألة نضيفها إلى ما تقدم ، رداً على من ظن أن الضرورة تبيح التداوي بالمحرم ، بل بالسحر الذي هو كفر وشرك .
فنقول : قد اختلف علماء السلف في حكم التداوي بالمباح ، هل هو واجب أو مستحب أو الأولى تركه والصبر على البلاء بالمرض .
قال ابن عبدالبر " واختلف العلماء في هذا الباب ، فذهبت منهم طائفة إلى كراهية الرقى والمعالجة ، قالوا : الواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاماً بالله تعالى وتوكلاً عليه وثقة به وانقطاعاً إليه ، وعلماً بأن الرقية لا تنفعه ، وأن تركها لا يضره .. "
ثم ذكر أنهم احتجوا بحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حســاب ولا عذاب ، وجاء فيه " لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " رواه البخاري ومسلم . جامع الأصول [ 7 / 571 ] .
قال ابن عبدالبر " فلهذه الفضيلة ذهب بعض أهل العلم إلى كراهية الرقى والاكتواء ، والآثار بهذا كثيرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وممن ذهب إلى هذا : داود بن علي وجماعة من أهل الفقه والأثر ... "
ثم نقل الآثار في ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء والربيع بن خيثم وسعيد بن جبير والحسن البصري وغيرهم .
ثم قال ابن عبد البر " وذهب آخرون من العلمــاء إلى إباحة الاسترقاء والمعالجة والتداوي ، وقالوا : إن من سنة المسلمين التي يجب عليهم لزومها ، لروايتهم عن نبيهم صلى الله عليه وسلم الفزع إلى الله عند الأمر يعرض لهم ، وعند نزول البلاء بهم في التعوذ بالله من كل شر ، وإلى الاسترقاء وقراءة القرآن والذكر والدعاء .
واحتجوا بالآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في إباحة التداوي والاسترقاء .
منها : قوله صلى الله عليه وسلم (( تداووا عبادالله ، ولا تداووا بحرام ، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواءً .. )) .
ثم ساق عدة أحاديث في التداوي بالحجامة وبالحبة السوداء وبالكمأة والرقية بالمعوذات ، ونحو ذلك .
ثم قال " والذي أقول به أنه قد كان من خيار هذه الأمة وسلفها وعلمائها قوم يصبرون على الأمراض حتى يكشفها الله ، ومعهم الأطباء ، فلم يعابوا بترك المعالجة .
ولو كانت المعالجة سنة من السنن الواجبة لكان الذّم قد لحق من ترك الاسترقاء والتداوي ، وهذا لا نعلم أحداً قاله . ولكان أهل البادية والمواضع النائية عن الأطباء قد دخل عليهم النقص في دينهم لتركهم ذلك .
وإنما التداوي – والله أعلم – إباحة على ما قدمنا ، لميل النفوس إليه ، وسكونها نحوه ، { ولكل أجل كتاب } ، لا أنه سنة ، ولا أنه واجب ، ولا أن العلم بذلك علم موثوق به لا يخالف ، بل هو خطر وتجربة موقوفة على القدر ، وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء .. " اهـ . باختصار . انظر التمهيد [ 5 / 265 – 279 ] .
قال سمير : فإذا كان هذا حكم التداوي عند السلف ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمربه بقوله (( تداووا )) ، لكنهم فهموا منه الإباحة لا الوجوب .
ومن قال بالإباحة ، أو بالوجوب أو الاستحباب ، فإنه خصه بالأدوية المباحة ولم يتجاوزها إلى العلاج بالمحرمات ، فضلاً عن الشرك والموبقات .
ومن هنا تعلم خطأ الشيخ العبيكان ، وتعجله في فتواه التي زعم أنه نصح بها الناس .
ومن عجائب ما جاء في رسالة العبيكان " الساحرة " ، قوله " ومن الأمور العجيبة أن الذين يحرمون ذلك ، لا حلَّ لديهم سوى أمر الناس بالصبر ، ولا شك أن الصبر مطلوب ، ولكن لا يتعارض مع بذل الأسباب ، فالنبي لم يأمر المريض بالصبر فقط ، بل قال (( تداووا عبادالله )) ، وقال في الجارية (( استرقوا لها فإن بها النظرة )) ... " الخ .
قال سمير : أولاً : أدخل الشيخ حديث (( تداووا عبادالله )) في مسألة السحر ، مع أنه ذكر من قبل أن السحر ليس من الأمراض ، فتناقض !
ثانياً : أنه استدل بأول الحديث (( تداووا عبادالله )) وحذف آخره ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( ولا تداووا بحرام )) ، وهو حجة عليه لا له . وهذا يشبه من وقف على آية { فويل للمصلين } ولم يكملها .
وقوله صلى الله عليه وسلم في الرقية أيضاً (( استرقوا لها .. )) قد جاء في الحديث الآخر (( لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً )) .
وفي الحديث الآخر أيضاً (( إن الرقى والتمائم والتولة شرك )) .
ثالثا : قوله " لا حلّ لديهم سوى أمر الناس بالصبر " ، ليس صحيحاً ، فإنهم أجازوا حل السحر بالأسباب المشروعة ، وقد ذكروها في كتبهم ، ومنها :
1 – الرقية بفاتحة الكتاب وبالمعوذات وبسورة البقرة ، وبغيرها من الآيات .
2 – الرقية بالأذكار الواردة في السنة .
3 – العلاج بالحجامة .
4 – النشرة المباحة بأوراق السدر وبالعسل وبماء زمزم ونحوها .
5 – الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أثر السحر .
6 – استخراج السحر .
فكيف يزعم الشيخ أنه لا حلَّ لديهم سوى أمر الناس بالصبر ؟
رابعاًً : والأمر بالصبر أمر بما شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما لا يكاد يحصى عدده من النصوص .
وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم تلك المرأة السوداء التي اشتكت إليه أنها تصرع وتتكشف ، وسألته أن يدعو لها ، والدعاء مشروع ، لا خلاف في ذلك ، لكنه صلى الله عليه وسلم رغّبها في الصبر ، لتنال الحسنى في الآخرة ، فقال لها (( إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك )) .
قالت " أصبر " . ثم قالت " فإني أتكشف ، فادع الله أن لا أتكشف ، فدعــا لها " . رواه البخاري [ 10 / 99 ] ومسلم [ 2576 ] .
ومثله حديث الأعمى الذي جاءه يسأله أن يدعو الله ليرد إليه بصره . رواه الترمذي [ 5/ 569 ] .
ومثله حديث خباب حين شكوا للرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو الله لنا ؟ فذكر لهم صبر المؤمنين من قبلهم على البلاء ، رواه البخاري [ 7 / 126 ] .
فإذا كان هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن سأله الدعاء لكشف الضر ، من مرض وغيره ، والدعاء سبب مشروع ، فحثهم صلى الله عليه وسلم على الصبر ، ورغب فيه ، ووعد عليه الجنة ، فكيف لا يؤمر بالصبر على ترك التداوي بالكفر والسحر ؟ .

الصارم المشهور

ومن العجيب أيضاً في رسالة الشيخ العبيكان ، تسميتها ب " الصارم المشهور على من أنكر حل السحر بسحر عن المسحور " !
فكيف يسوغ أن يشهر السيف على منكري حل السحر بالسحر ، وهم جمهور أئمة المسلمين من السلف والخلف ، ووافقهم على ذلك أكثر العلماء وطلبة العلم وكثير من العوام أيضاً ، فهم ينكرون ذلك أشد الإنكار ، لما تقدم ذكره من نصوص القرآن والسنة والآثار ، ولما ركـِّـب فيهم من الفطرة في اجتناب السحر والسحرة ، ولما تقرر عندهم أيضاً ، أن السحر لا يأتي بخير ، وأن السحرة هم أخبث الناس وأفسد الناس ، ولا يكاد يخالف أحد في ذلك ، إلا من غلب على عقله أو اتبع هواه فأرداه .
ولقد عكس الشيخ العبيكان القضية ، وقلبها رأساً على عقب ، فإن الآثار قد جاءت بإشهار السيف على السّحار لا على المؤمنين الأخيار !
ولقد علمت مما تقدم – أخي القارئ – أن منكري حل السحر بالسحر ، هم جماهير العلماء من السلف والخلف ، فكيف ساغ للشيخ العبيكان أن يختار لرسالته مثل هذا العنوان ؟
ولا يعفيه قوله " ولا أقصد بهذا العنوان من خالف من العلماء ، ورأى التحريم ، كما سيأتي ، ولكن من أنكر القول الآخر وعنف القائلين بالجواز من الأئمة والفقهاء ، لقــلة علمه وســفاهة رأيه " !
قال سمير : وهذه فلسفة كمضغ الماء ، فإن من المعلوم بداهة أن أصحاب القول الآخر من العلماء ممن يرى تحريم حل السحر بالسحر ، منكرون لمذهب المبيحين له غاية الإنكار ، ويعدونه من المذاهب الضعيفة الشاذة التي تعارض نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة .
ويكفي في بيان ضعف هذا المذهب مخالفته للنصوص الصريحة في المنع والتحريم .
وقد تقدم بيان أن الأئمة الذين حكي عنهم إباحته ، كابن المسيب والإمام أحمد وغيرهما ، لم يقصدوا حل السحر بالسحر .
فلم يبق من القائلين به إلا عدد قليل ، زادهم العبيكان ضعفاً وقلة .
ومن العجائب أنه وقع فيما أنكره على غيره من العلماء ، حيث ذكر أنهم " أنكروا القول الآخر وعنفوا القائلين بالجواز " ، فقابلهم الشيخ بما هو أشد من ذلك ، بمثل هذا العنوان الذي اختاره لرسالته ، ولم يوفق في اختياره .
وبوصفه مخــالفيه ب " قلة العلم وسفاهة الرأي " !! والله تعالى أعلم بمن هو أولى وأحق بهذا الوصف .

نـشــر الجـهـل

قال الشيخ العبيكان في رسالته " وأقول لمن اعترض على نشر هذه الفتوى بين العامة والاقتصار على إفتاء من يحتاج إلى ذلك في السر ، إن هذا لا يتفق مع قوله تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } .
وقوله صلى الله عليه وسلم (( من كتم علماً يعلمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار )) ... " .
قال سمير : أصلح الله الشيخ ! كيف يزعم أن نشر فتوى مخالفة لنصوص القرآن ، ومنها قوله تعالى { فلا تكفر } وقوله { ولا يفلح الساحر } وقوله { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } ومخالفة لنصوص السنة المشهورة ، يدخل في معنى تلك الآية التي تأمر ببيان ما نزل الله تعالى وتحرم كتمانه ؟ وأين وجد الشيخ في كتاب الله جواز حل السحر بالسحر ؟ وغاية ما جاء به الشيخ هو : أثر واحد عن تابعي ، وآراء عن علماء لا يحتج بشيء منها ، ولا تدخل في معنى الآية بوجه من الوجوه .
فكيف وقد ظهر بأن الشيخ لم يفهم ذلك الأثر ، وحمله على غير ما يحتمل ، فوقع في جهلين :
الأول : الجهل بمعنى الآية حيث أدخل فيها ما لا يصلح دخوله من المذاهب والآراء التي تصيب وتخطئ .
الثاني : الجهل بمعنى الأثر ، فحمَّـله ما لا يحتمل ، حيث زعم أن معناه " حل السحر بالسحر " .
وأما استدلاله بحديث (( من كتم علماً .. )) فهو مثل الاستدلال بالآية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد به العلم الذي ورثه لأمته .
فهل ورد عنه صلى الله عليه وسلم حديث ، ولو ضعيف أو موضوع ، يبيح حل السحر بالسحر ؟ ولو صح الاستدلال بالآية والحديث على نشر كل علم ، لصح الاستدلال بهما على نشر العلوم الفاسدة والآراء المبتدعة والمذاهب المخالفة .
ولن يعدم أن يجد المخالفون من يوافقهم في أقوالهم ، وربما استند بعضهم إلى أثر عمن سلف ، فهل يصيره ذلك ديناً وعلماً يجب نشره ويحرم كتمه ؟
هذا وقد جاء في الحديث (( إن من البيان سحراً وإن من العلم جهلاً ... )) الحديث . رواه أبو داود [ 5012 ] .
فمثل هذا النوع من العلم ، الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالجهل ، لا يصلح نشره وإعلانه ، بل يلزم إخفاؤه وكتمانه .
وقد ذكر أهل العلم أن معنى حديث (( من كتم علماً يعلمه )) ، أي العلم الواجب .
قال ابن الأثير " وذلك في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه ، ويتعين عليه فرضه ، كمن رأى كافراً يريد الإسلام فيقول : علموني ما الإسلام وما الدين ؟ ... " إلى أن قال " فمن منعــه استحق الوعيد ، وليس الأمر كذلك في نوافل العلم التي لا يلزم تعليمها " ا هـ . باختصار .
جامع الأصول [ 8 / 13 ] .
قال سمير : فإذا كانت نوافل العلم المشروعة المنصوص عليها في الكتاب والسنة لا تدخل في معنى هذا الحديث ، فكيف يدخل فيها الآراء والأقوال ، وكيف إذا كانت مخالفة لنصوص الكتاب والسنة ؟
والذي يصلح أن يستدل به هنا من أحاديث العلم ، في نقض هذه الفتوى ، قوله صلى الله عليه وسلم في حديث قبض العلم (( ... حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا )) . رواه البخاري ومسلم . انظر جامع الأصول [ 8 / 35 ] .

القــواعد الحســان

ثم نقول بعد كل ما تقدم ذكره ، إن قواعد الشــريعة وأصولها الحسان تنقض فتوى العبيكان ، ومن ذلك :
القاعدة الأولى : " المحكم يقضي على المتشابه " .
إن محكمات النصوص من القرآن والسنة تمنع حل السحر بالسحر ، وقد نصت على تحريم السحر واجتنابه وتحريم إتيان السحرة ، بألفاظ عامة أو مطلقة ، ولم ينسخها أو يخصصها أو يقيدها شيء ألبتة ، ومعلوم من قواعد الشريعة أن أقوال الأئمة ، ولو كثرت ، فإنها لا تنسخ النصوص ولا تخصص عامها ، ولا تقيد مطلقها .

القاعدة الثانية :
" إذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال " .
وقد ورد الاحتمال على أقوال من أباح النشرة بالسحر ، كما تقدم ، ومعلوم أنها لو كانت نصوصاً شرعية ، وورد عليها مثل ذلك الاحتمال في معناها ، لبطل الاستدلال بها ، فكيف وهي مجرد أقوال لا تنهض للاستدلال .

القاعدة الثالثة :
" إذا تعارض حاظر ومبيح قدم الحاظر " .
ونصوص الكتاب والسنة حرمت السحر ، وحرمت إتيان السحرة والكهان ، وسؤالهم وتصديقهم ، ووصفته بالكفر ، وهو وإن لم يكن مخرجاً من الملة ، فإنه يدل على التشديد والتغليظ في النهي ، وأنه من الكبائر ، كما هو ظاهر .
ولو فرض أن مع المبيحين للنشرة بالسحر ، نصوص شرعية ، فإنها مبيحة ، وتلك حاظرة ، والحاظر يقدم على المبيح .

القاعدة الرابعة :
" درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة " .
ومعلوم قطعاً ، أن في إباحة النشرة بالسحر من المفاسد العظيمة في الدنيا والدين ، منها : تسلط الشياطين على عباد الله المؤمنين ، وتكثير سواد السحرة المفسدين ، وفيه تعطيل لإقامة الحدود على السحرة ، إلى غير ذلك من المفاسد الظاهرة المتحققة .
وأما المصلحة المرجوة من ذلك فهي غير متحققة ، بل هي أوهام عند التحقيق ، لأنه قد لا يكون المريض مسحوراً ، فيوهمه الساحر بأنه مسحور لينال منه أكبر قدر من المنافع الدنيوية .

وربما كان الساحر هو الذي قام بسحر ذلك المسحورأو أعان على ذلك ، فيحتال عليــه بأنواع الحيل ، كما هو معلوم ، فيظل المسحور رهينة في يد الساحر ، يوجهه حيث شاء .
وربما احتج علينا الشيخ ببعض القواعد ، مثل " المشقة تجلب التيسير " ، و " الضرورات تبيح المحظورات " ، فأقول باختصار : إن التيسير لا يصلح أن يكون بالهوى ، وإنما له ضوابط شرعية أخرى معتبرة ، وإلا لردت نصوص كثيرة ، ولأهملت واجبات وفرائض ، بمثل هذه القاعدة .
ثم إن التيسير لا يكون بما حرم الله تعالى وسماه كفراً وحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم وذم متعاطيه ، وأغلظ على السائل والمسئول ، والطالب والمطلوب .
وإنما التيسير فيما شرعه الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم ، من الأمور، وقد شرع التداوي بالرقى والمعوذات والأذكار المتحقق نفعها في الدنيــا والآخــرة ، وليس فيها أدنى مشقة ولا ضرر ، بل هي منفعة محضة .
وكذلك الأمر في النشرة المباحة ، فليس فيها إنفاق مال كثير، والجهد فيها قليل .
وأما المشقة فهي متحققة في إتيان الكهنة والسحرة ، كما لا يخفى ، والضررحاصل في المال ، ومترجح في الحال والمآل .
وأما الضرورات التي تبيح المحظورات ، فإنها مقيدة ، فليس كل ضرورة تبيح محظوراً ، فالشرك والكفر من المحظورات ، ولا يباح من الكفر إلا ما نطق به اللسان في حال الإكراه .
وقتل النفس والزنا من المحظورات التي لا تبيحها ضرورة ، والسحر من هذا الباب أيضاً .
ولا يصح أن يستباح محظور بما يجلب ضرراً أشد ، وإثماً أعظم .
وضرر إتيان السحرة لحل السحر ، أعظم من أثر السحر على المسحور .
وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم التداوي بالحرام والانتفاع به .

خاتمــــة

وبعد ، فإني أسأل الله تعالى أن يبصرنا بالحق ويهدينا إلى سبيل الرشاد ، وأن يجعل ما علمناه حجة لنا لا علينا ، وأن يصلح نياتنا وأعمالنا ، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم .
وأقول للشيخ العبيكان ، ولغيره ممن تصدى لإفتاء العامة في الفضائيات وغيرها ، لا تغتروا بكثرة المستمعين ولا الموافقين من العوام ، فإنها لا تدل على صحة الفتوى ، فربما كانت موافقة لأهواء الناس فاستجابوا لها وفرحوا بها ، وإنما العبرة بإصابة الحق ، لا بكثرة الموافقين من الخلق .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
 

وكتب / سمير بن خليل المالكي المكي الحسني
جوال 0591114011
1 / 12 / 1430هـ



 

سمير المالكي
  • الكتب والرسائل
  • الصفحة الرئيسية