اطبع هذه الصفحة


حكم النعي والجلوس للتعزية

  

سمير بن خليل المالكي


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير عباد الله أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد فإن مما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم قوله (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا).
(الترمذي حديث رقم 3497).
فالمصيبة في الدين هي المصيبة أما مصائب الدنيا فإن العبد لا ينفك عن أحد أمرين : إما الصبر والاحتساب أو عدم الصبر.
وكل منهما درجات والناس يتفاوتون بقدر إيمانهم وعلمهم وإتباعهم للحق وإن من المصائب الحتمية مصيبة الموت التي كتبها الله عز وجل على العباد مؤمنهم وكافرهم حتى الأنبياء وهم المصطفون الأخيار قال الله عز وجل: (وماجعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) (الأنبياء 34).
وبعض الناس قد يجمع مع هذه المصيبة أعني مصيبة الموت مصائب أخرى في دينه فلا يكتفي بحرمان الأجر لعدم صبره واحتسابه بل يضيف إلى ذلك تحمله للوزر بارتكابه لما نهى الله عزوجل عنه ورسوله.
ولما كان من سوء الأدب مع الله ورسوله أن يتقدم بين يدي حكمهما بأحكام العادات والتقليد لفعل الآباء والأجداد ولما كثر في هذه الأيام مخالفة كثير من الناس للشرع في كثير من المسائل المتعلقة بالموت وددت أن أبين بعض هذه المخالفات معذرة إلى الله ولعلهم يتقون.

المسألة الأولى : النياحة :

*عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة 000الحديث) (أخرجه مسلم 3/45)
*حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (اثنان في أمتي هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت ) (أخرجه مسلم 1/58).
و النياحة هي أمر زائد على البكاء يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بكى على ابنه إبراهيم عند موته قال له عبد الرحمن بن عوف أتبكي أولم تكن نهيت عن البكاء؟
قال ( لا0ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين :صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة الشيطان).
(أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح انظر تحفة الأحوذي 4/87).

وقد ألحق بالنياحة أمور منها :

*الاجتماع عند أهل الميت سواء في منزل أو في مكان مخصص والدليل على ذلك :
*حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة).
(أخرجه أحمد حديث رقم 6905) وأخرجه ابن ماجه (1/490).
وإسناده صحيح على شرط الشيخين وصححه النووي في المجموع (5/320) فقول الصحابي وهو جرير بن عبد الله رضي الله عنه (كنا نعد الاجتماع 000إلخ) له حكم الرفع كما نص على ذلك المحققون فيعد حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا واضح فلا يظن بالصحابة أنهم يحرمون شيئا أو يمنعون منه إلا بدليل شرعي ثم على فرض عدم قبول هذا فنقول بأن حكم الصحابة مقدم على حكم غيرهم من الناس مهما وصل علمهم فكيف إذا اتفقت كلمة العلماء قديما وحديثا على هذا الحكم ؟

** وهاك أخي المسلم كلام العلماء في المسألة :

1- قال الشافعي : (وأكره المآتم وهي الجماعة إن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة).
انظر كتاب الأم (1/248).
2- وقال النووي (وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته ونقله الشيخ أبو حامد في التعليق وآخرون عن نص الشافعي قالوا يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية قالوا بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها) إلى أن قال (واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث).
انظر كتاب المجموع شرح المهذب (ج5/ص306).
قلت : وقول الأئمة كالشافعي والنووي وغيرهما (اكره كذا) يحتمل كراهة التحريم وكراهة التنزيه والأقرب أن قصدهم هنا كراهة التحريم لأن النياحة محرمة بالاتفاق كما مر معنا من أحاديث وقد كان كثير من السلف يطلق الكراهة على المحرمات تورعا فليس عند المخالفين حجة في ارتكابهم للمنهيات استنادا على قول (أكره كذا ) أو (هذا مكروه).
3- وقال ابن الهمام من علماء الحنيفة (ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله قال كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة).
(انظر فتح القدير لابن الهمام ج2/ص102).
قلت : وهذا نص من إمام الحنفية في وقته على أن اتخاذ الطعام من أهل الميت بدعة مستقبحة واستدل بحديث جرير المتقدم.
4- وقال ابن قدامة (قال أبو الخطاب يكره الجلوس للتعزية وقال ابن عقيل : يكره الاجتماع بعد خروج الروح لأن فيه تهييجا للحزن).
ثم قال: (فأما صنع أهل الميت طعاما للناس فمكروه لأن فيه زيادة على مصيبتهم وشغلا لهم إلى شغلهم وتشبها بصنع أهل الجاهلية).
انظر (المغني و الشرح الكبير ج2/ص413،409)
5-وقال الشيخ محمد الدمشقي (والجلوس للتعزية عند مالك والشافعي وأحمد).
انظر كتاب (رحمة الأمة ص91).
قلت: وقد تقدم عن ابن الهمام الحنفي كراهة اتخاذ الطعام وأما الجلوس للتعزية فقد ذهب كثير من علماء الحنفية إلى كراهته كذا قال سيد سابق في كتابه (فقه السنة ج1/ص564).
ثم قال: (وما يفعله بعض الناس اليوم من الاجتماع للتعزية وإقامة السرادقات وفرش البسط وصرف الأموال الطائلة من أجل المباهاة والمفاخرة من الأمور المحدثة والبدع المنكرة التي يجب على المسلمين اجتنابها).
قلت: هذا عالم من علماء الأزهر وهو سيد سابق يحكي حال الناس اليوم من إقامة السرادقات والاجتماع وفرش البسط وكل واحدة من هذه الأشياء من البدع المنكرة فلو اجتمعوا من غير سرادقات فاجتماعهم منهي عنه كما هو نص الحديث وكلام الفقهاء إلا أنهم إذا زادوا على ذلك الاجتماع بدعا أخرى عظم الخطب وصارت البدعة مركبة من جملة من المناهي فالله المستعان.
6- وقال الشيخ محمد عبدالله العلوي (كانوا يعدون الاجتماع عند أهل الميت بعد دفنه وأكل الطعام عندهم نوعا من النياحة لما في ذلك من التثقيل عليهم وشغلهم مع ما هم فيه من شغلة الخاطر بموت الميت وما فيه من مخالفة السنة لأنهم مأمورون بأن يصنعوا لأهل الميت طعاما فخالفوا ذلك وكلفوهم مشقة الطعام لغيرهم).
انظر (مفتاح الحاجة شرح ابن ماجه ص116).
7- وقال السهارنفوري (واصطناع أهل الميت لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهه بل صح عن جرير رضي الله عنه (كنا نعده من النياحة) وهو ظاهر في التحريم قال الغزالي : (ويكره الأكل منه).
انظر (عون المعبود شرح سنن أبي داود ج14ص99).
8- وقال العلامة ملا علي القاري –وهو من علماء الحنفية – (واصطناع أهل البيت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهه ،بل صح عن جرير رضي الله عنه (كنا نعده من النياحة) وهو ظاهر في التحريم.
انظر كتاب: (تحفة الأحوذي ج4ص77).
قلت: وهذا يؤيد ما ذكرته من قبل أن الكراهة في كلامهم هنا المقصود منها كراهة التحريم لأنه قال (بدعة مكروهه) ثم قال (هو ظاهر في التحريم).
9- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (وأما صنعة أهل الميت طعاما يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة).
(انظر مجموع الفتاوى ج24/316).
10- وقال العلامة ابن القيم (وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره وكل هذا بدعة حادثة مكروهه).
انظر (زاد المعاد ج1/ص527).
قلت: وهنا يذهب ابن القيم إلى أن قراءة القرآن عند قبر الميت أو بعيدا عنه بدعة مكروهه ليست من هدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وسنزيد المسألة توضيحا بعد قليل إن شاء الله تعالى.

وقبل ختام البحث في مسألتي الاجتماع و صنعة الطعام أحب أن أنبه إلى مسائل :

الأولى : أن مجرد الاجتماع في منزل أو مكان لاستقبال الناس ليعزوهم منهي عنه والصحيح أن يذهب كل إلى شغله فإن قيل كيف يتسنى للناس تعزيتهم ؟ أليس الأولى اجتماعهم في مكان واحد (أعني أهل الميت) وفي وقت محدد حتى يخفف على الزائر و المزور.
قلت : منشأ المشكلة هي عدم التحاكم إلى السنة وإلا فمن قال إنه يلزم كل هذه المشقة ؟
ثم ما هو العزاء ؟
أليس هو التخفيف على أهل الميت وتسليتهم في مصابهم ؟
فإن كان كذلك فيكفي إذا حصول ذلك بأي وسيلة من كتابة أو مكالمة عبر الهاتف خصوصا لمن كان بعيدا على مسافة سفر وأما إذا أراد أن يأتي بنفسه فليس المنزل متعينا لذلك.
إنني لا أنهى أحدا عن زيارة أقاربه وتعزيتهم ولكني أقول إن المسألة أصبحت أشبه بالمراسم التقليدية التي تؤدى لإرضاء الناس جريا على العادة المستحكمة حتى خلت في كثير من الأحيان منها روح المواساة والتعزية الحقيقية انظر إليهم وهم في صف العزاء سواء بعد الدفن الميت مباشرة عند المقبرة أو حال جلوسهم على الكراسي فيمر عليهم الناس يربتون على الأكتاف (عظم الله أجرك) (أحسن الله عزاك) هكذا كنا نسمعها كلمات لا يشعر بمعناها القائل فضلا عن المقول له 00000
والذي يؤكد أنها أعمال اعتادوها فقدت معنى القربة إلى الله تعالى أنك تجد الرجل يشهد الصلاة على الميت وربما يشهد الدفن أيضا ثم إذا انتهى عزاهم بهذه الصفة المعروفة اليوم ثم يذكِرونه بأن العزاء في منزل فلان بحارة كذا !!!!
وقد يكون له أصدقاء في العمل أو في المدرسة إن كان طالبا أو مدرسا فيعزيه فيقول له العزاء في منزلنا سبحان الله ! أو لا يكفي أن يعزيه في عمله وفي مسجده أو سوقه أو في أي مكان حتى يحضر إلى مكان العزاء لعمل الواجب المزعوم ؟ !!
قد يكون لبعضهم عذر في تجشمهم المشاق لحضورهم إلى المنزل لكونهم لم يعلموا بموت الميت في حينه ولم يشهدوا صلاة ولا دفنا ، لكن ما هو عذر أولئك الذين شهدوا أو حضروا أو قابلوا أقرباء الميت في مكان ما فعزوهم ؟!!
إنها العادة المستحكمة لاغير.
ولذا صرت تلمح أثر الضيق وعلامات الهم والغم مرتسمة على أقرباء الميت من الذي يقوم بمراسم العزاء ومن يصنع الطعام ومن أين النفقة على ذلك كله ؟ !!
وهما أمران أحلاهما مر : إما أن يكون عندهم ما يفيض عن قوتهم لصنع هذه الاحتفالات فيكون إنفاقا للمال في غير وجهه فهم مسئولون عنه يوم القيامة.
أو يتحملون حسنة الآخرين سواء عن طريق الإحسان والتبرع أو الإقراض إلى أجل مسمى.
فما أدري ما الذي دعاهم إلى كل ذلك والله عزوجل لم يكلفهم ما لا طاقة لهم به ؟!!
وأشد من ذلك كله أن يصرف من تركة الميت التي صارت ملكا للورثة فتنفق على هذه البدع فيكون أخذا لمال الورثة من غير حق فإن كان الورثة راضين بذلك فهم مسئولون عن هذا المال الضائع في غير حقه وإن كان في الورثة قاصرون فبأي حق يتعدى على مال اليتيم والله تعالى يقول: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) ؟ (النساء10).

* وبدعة الاجتماع إلى أهل الميت أنشأت بدعا أخرى وهي إطعام الحاضرين وضيافتهم فتجدهم يخبرون من يريدونه الحضور للعشاء همسا بقولهم (حياك الله العشاء الليلة) أو كلمة نحوها وأما اليوم الثالث فهو عندهم يسمى (قطع العزاء) والوليمة فيه وجبة للغداء وأحيانا غداء وعشاء.
وقد تمتد هذه البدعة أعني إطعام الوفد إلى أيام أخر مثل الأربعين والحول أي بعد أربعين يوما يجمعونهم للأكل وكذا يصنعون في كل عام ما يسمى بالحول وهو مرور سنة كاملة على وفاة الميت يطبخون فيه طعاما مخصوصا عادة يتكون من اللحم والأرز و الحمص وقد يضيفون إليها أطعمة أخرى معروفة عندنا هنا في مكة وبلاد الحجاز.

* ومن البدع إتيان قرابة الميت بقارئ أو أكثر ليقرأ القرآن أو بعضه أو سورة يس ويهب ثوابها للميت تالله إنها لبدعة ظاهرة لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له صوابا على سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء القرآء إنما يقرؤون من أجل المال فأنى لهذا العمل القبول حتى يهدوه إلى الميت ؟!!
نعم نحن لا ننكر وجود الخلاف بين العلماء قديما وحديثا في مسألة القراءة هل يصل ثوابها إلى الميت أو لا يصل ؟ لكن محل الخلاف فيما لو قرأ إنسان ابتغاء مرضاة الله لا بأجرة وأنا أقول لا إنكار على من قرأ في بيته من أقرباء الميت خاصة إذا كانوا أبناءه وبناته ويكون عملهم هذا خفية لا يطلعون عليه أحدا من الناس ويرجون من الله تعالى قبوله منهم ثم إهداء ثوابه إلى ميتهم لا ننكر على هؤلاء لكن الإنكار ينصب على أولئك الذين يستأجرون من يقرأ لهم على ميتهم هل ثقلت عليهم القراءة – على خفتها – أم ضاق عليهم الوقت ؟!!
وما الذي شغلهم عن نفع ميتهم بالدعاء والقراءة والعمل الصالح إلا هذه البدعة وما ترتب عليها : اجتماع وإطعام وضيافة؟!!
إنها العادة المستحكمة والتقليد الموروث لا غير !!!

* قال الإمام البركوي في كتابه (الطريقة المحمدية) في الفصل الثالث في أمور مبتدعة وباطلة أكب عليها الناس :
ومنها (الوصية من الميت باتخاذ الطعام والضيافة يوم موته أو بعده وبإعطاء دراهم لمن يتلو القرآن لروحه أو يسبح أو يهلل له وكلها بدع منكرة باطلة والمأخوذ منها حرام للآخذ وهو عاص بالتلاوة والذكر لأجل الدنيا) انتهى.

* وأختم هذا الفصل بكلام للشيخ علي محفوظ أحد علماء الأزهر يقول رحمه الله (وأما اجتماع الرجال في المآتم لداعية الحزن على الميت فمعلوم أيضا ما يستلزمه هذا الاجتماع عادة من النفقات الطائلة لغرض المباهاة والرياء بإعداد محل الاجتماع وإحضار البسط و الكراسي المذهبة ونحوها ولا شك في حرمة ذلك لما فيه من إضاعة المال لغير غرض صحيح ولا يفيد الميت شيئا ويعود بالخسارة على أهله إذا لم يكن في الورثة قاصر فما بالك إذا كان فيهم قاصر وقد يتكلفون ذلك بالقرض بطريقة الربا نعوذ بالله من سخطه ، وأن ما يقع بعد الدفن من عمل المأتم ليلة أو ثلاثة مثلا لا نزاع في أنه بدعة ، ولم يثبت عن الشارع ولا عن السلف أنهم جلسوا بقصد أن تذهب الناس إلى تعزيتهم ، وكانت سنته صلى الله عليه وسلم أن يدفن الرجل من أصحابه وينصرف كل إلى مصالحه، هذه كانت سنته وهذه كانت طريقته والله تعالى يقول (لقد كان لكم في رسول الله أسوة ٌحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) فلنتأس به فيما ترك كما نتأسى به فيما فعل.
ثم ساق أقوال الأئمة في بدعية الاجتماع للعزاء وصنعة الطعام وذكر أنه مذهب الجمهور ، وابتدأ بنصوص الشافعية ثم السادة الحنفية ثم الحنابلة ثم قال (ومذهب الإمام مالك رضي الله عنه أشد احتياطا من غيره إذ هو مبني على سد الذرائع والحيل وإذا كان في الورثة قاصر حرم تناول الطعام والقهوة بالإجماع).
وعلى الجملة : (فما يفعله الناس اليوم من اتخاذ الأطعمة للمعزين والنفقات التي تنفق في ليالي المأتم وما يتبعها مثل ليالي الجمع والأربعين كله من البدع المذمومة المخالفة لما كان عليه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه والسلف الصالح من بعده).
ثم قال : (وصفوة القول أن المآتم اليوم لا تخلو من المنكرات ومخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وناهيك ما يكون من القرآء في تلاوة القرآن وما يفعله المستمعون في المآتم من الخروج عن حد الأدب حال تلاوته من رفع أصوات الإستحسان أو الإشتغال عن سماعه أو شرب الدخان إلى غير ذلك مما يحول بين المجلس ونزول الرحمة نسأل الله السلامة والهداية).
انتهى انظر (الإبداع في مضار الإبتداع ص228/231) .

 *ومن البدع التي تفشت :

الحداد فوق ثلاثة أيام كما تفعل ذلك كثير من النساء ، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز رد حكمه ، فقال : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا). أخرجه البخاري ( انظر الفتح 3/146) ومسلم ( 2/1123) .
فهذا الحديث الصحيح صريح في نهي المرأة أن تحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا الزوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ، فما بال المرأة المؤمنة تحد على أخيها أو أبيها أو أختها أو ابنها بأكثر من ثلاث ؟!!
بعضهن تحد بالأربعين وبعضهن بأكثر من ذلك كله حرام.

* بقيت مسألة أخيرة أختم بها مقالي هذا ، وهي النعي :
الذي اعتاده كثير من الناس في صفحات الجرائد فلا تكاد تخلو صحيفة يومية من هذا الخبر (بقلوب مطمئنة مؤمنة بقضاء الله ينعى آل فلان فقيدهم الغالي الذي وافته المنية والأجل المحتوم .......إلخ) ويضيفون إلى ذلك الإعلان عن البدعة الأخرى وهي الاجتماع للتعزية فيقولون: (ويتقبل العزاء بدار فلان الكائنة بكذا) ، وقد يصدِرون هذه البدع بآيات من كتاب الله (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية 000) (الفجر 27-30)

*ولي وقفات مع هذه البدع :

أولا: هذا النعي بهذه الطريقة بدعة ظاهرة وعادة جاهلية والدليل على ذلك ما أخرجه الترمذي (2/129) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه كان إذا مات له الميت قال : (لا تؤذنوا به أحدا إني أخاف أن يكون نعيا ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي).
والحديث حسنه الترمذي وقال الحافظ في الفتح (3/117) إسناده حسن.
والنعي هو الإخبار والإعلام بموت الميت ، وليس ممنوعا كله وإنما الممنوع منه ما كان مشابه لفعل الجاهلية أما إخبار أهل الميت وأقربائه فهو مباح.
قال الحافظ في الفتح (3/116-117) نقلا عن ابن رشيد (إن النعي ليس ممنوعا كله وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق).
وقال ابن قدامة في المغني (2/432) (ويكره النعي وهو أن يبعث مناديا ينادي في الناس إن فلان قد مات ليشهدوا جنازته لما روى حذيفة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي).
قلت: وأما النعي وهو إخبار الأقارب والأصحاب ونحوهم لتهيئة أمر الميت من الغسل والصلاة عليه ودفنه والاستغفار له فمثل هذا النعي جائز على الراجح من أقوال أهل العلم.
والدليل عليه ما أخرجه البخاري (3/90) ومسلم (3/54) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج إلى المصلى وصلى عليه صلاة الغائب فصف الصحابة خلفه وكبر عليه أربع تكبيرات.
ولذا قال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر كراهة النعي مطلقا عن جماعة من الصحابة وقال كثير من أهل العلم : لا بأس أن يعلم بالرجل إخوانه ومعارفه و ذوو الفضل من غير نداء قال إبراهيم النخعي : لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه وإنما كانوا يكرهون أن يطاف في المجالس (أنعي فلان) كفعل الجاهلية . انتهى
وذكر نحوه الحافظ في الفتح ( 3/117).
قلت: والفرق بين الأمرين واضح فالنعي الذي هو من أمور الجاهلية ليس فيه أي مصلحة فهذه الإعلانات اليومية والصحف عن موت فلان لا تكون إلا بعد دفنه فما المصلحة منها وقد غسل الميت وجهز وكفن وصلي عليه ؟

ثانيا:
وقولهم (بقلوب مطمئنة مؤمنة بقضاء الله) هذا فيه تزكية للنفس ولا ينبغي إشهار أعمال القلوب، فالرضا بقضاء الله والطمأنينة لقدره والصبر على المصائب من أعمال القلوب التي يحتسب المصاب فيها الأجر عند الله ولا يطلع أحد عليها.

ثالثا: تصديرهم النعي بقوله تعالى (يا أيتها النفس المطمئنة ....) إلى قوله (وادخلي جنتي) فيه مخالفة شرعية ظاهرة فما الذي أدرانا هل هذه النفس مطمئنة أم لا؟
وكيف نحكم على شخص معين بدخول الجنة من غير حجة أو برهان؟!
فإن قيل: أليس المسلمون داخلين الجنة وهذا الميت مسلم فهو إذا ممن يدخل الجنة ولو كان عاصيا ولو بعد حين ؟! فالجواب : إن الحكم على عموم المسلمين شئ وعلى شخص معين شئ آخر كما هو مقرر في كتب الأصول ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات عثمان ابن مظعون رضي الله عنه وكان من خيار المهاجرين وسمع أم العلاء تقول : (رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم (وما يدريك أن الله أكرمه ......) ؟
الحديث أخرجه البخاري (3/114).

رابعا : قولهم (ويتقبل العزاء بدار فلان) وهذا من النياحة كما ذكرنا من قبل لأنهم لا يقصدون الاجتماع ويجلسون حتى يعزيهم الناس وإذا تقرر أنه من النياحة وأنه من البدع المحدثة المنكرة فكيف يقال بعدها (بقلوب مطمئنة أو مؤمنة بقضاء الله)؟
والأدهى من ذلك أنك ترى إصرار كثير من هؤلاء على إقامة هذه البدع بحيث إنهم يعادون كل من ينهاهم عنها ويوضح لهم بالحجة والبرهان القاطع خطأهم ، وقد يصل العداء إلى قطيعة الرحم والغيبة والبهتان كما حصل من بعض الأقارب –هداهم الله– وهذا الذي دعاني إلى المسارعة بكتابة هذا المقال إذ قضى الله عزوجل على الوالدة بالموت قبل أيام فذكرت السنة في العزاء ونبهت على أننا لن نقيم عزاء ولن نجتمع من أجل الناس فقام بعض الأقارب ينافح عن البدعة ويجادل بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير إلا عرف الأجداد وتراث الجاهلية.
ثم فوجئنا جميعا بنعي في إحدى الصحف من هؤلاء الجهال المصرين على بدعتهم فكانت مصيبة على مصيبة ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بالتشهير بنا في الناس بأقاويل وبهتان والله يشهد أننا برءاء مما يقولون وليس لنا ذنب عندهم إلا أننا لم نقم مأتما ولم نصنع العزاء البدعي المعروف ، فالله يحكم بيننا وبينهم حين نقف جميعا بين يديه للخصومة فليعدوا جوابا لذلك اليوم (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ........) وكان لزاما علينا أن نبين الحق وأن نذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ندافع عن شريعة الله عزوجل ولذا عجلت بكتابة هذه الكلمات ولم أجد وقتا لاستيعاب بقية المسائل ولعل الله عز وجل يمد في الأجل لإتمام بقية الموضوع .

وختاما :
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يهدينا لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا هداه مهتدين لا ضالين ولا مضلين وأن يرحم موتانا وموت المسلمين والحمد لله رب العالمين .


وكتب سمير بن خليل المالكي
في 15/12/1414هـ
جوال (0591114011)

 

سمير المالكي
  • الكتب والرسائل
  • الصفحة الرئيسية