اطبع هذه الصفحة


نصب الميزان فيما شجر بين الإخوان

سمير بن خليل المالكي

 
الحمد لله الذي من على عباده المؤمنين أن هداهم للإيمان، وتفضل على العصاة المذنبين، ففتح لهم باب الرحمة والغفران، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين وهداية للضالين، فأقام به الحجة، وأوضح به المحجة، ورضي الله عن أصحابه الأتقياء النجباء البررة، وعن تابعيهم بإحسان، ومن تبعهم وسلك طريقتهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

مقدمة:

أما بعد، فقد كثر الخلاف في هذه الأيام بين المنتسبين إلى مذهب السلف من العلماء وطلاب العلم في مسائل من الإيمان والكفر، حتى بلغ إلى حد التبديع والتضليل، ففريق ينعت الآخر بالإرجاء وهؤلاء ينعتون أولئك بأنهم خوارج مكفِّرة، وكل يزعم بأنه على جادة مذهب السلف، ويحتج بنصوص شرعية وأقوال سلفية تؤيد دعواه . ولقد كتب جمع من العلماء وطلاب العلم في بيان مذهب السلف الحق في تلك المسائل وأجادوا، أثابهم الله ورفع درجاتهم، وأذعن بعض من خالف إلى الحق ورجع عن خطئه، غفر الله لهم ورفع قدرهم، وأصر آخرون على الخطأ، ظناً منهم أن ما قالوه وما كتبوه هو الحق.
وهذه مشاركة مني – عبر الانترنت – لما كتبه هؤلاء وهؤلاء، ألخص فيها ما فهمته من كلام السلف، عسى الله أن ينفع بها قارئها.

وقبل الشروع في المقصود أنبه إخواني إلى أمور:

الأول: لا يسلم أحد من البشر من الخطأ، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، كما جاء في الحديث، وإنما العصمة للأنبياء.

الثاني: من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر، وليس هذا خاصاً بالمسائل العملية، بل يدخل فيه مسائل الاعتقاد أيضاً.
قال شيخ الإسلام رحمه الله "إن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية، وإن سميت تلك "مسائل أصول" وهذه "مسائل فروع"، فإن هذه تسمية محدثة.." إلى أن قال "بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين "مسائل أصول" والدقيق "مسائل فروع". فالعلم بوجوب الواجبات، كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر..".
إلى أن قال "وقولنا إنها قد تكون بمنزلتها يتضمن أشياء: منها: أنها تنقسم إلى قطعي وظني.
ومنها: أن المصيب، وإن كان واحداً، فالمخطئ قد يكون معفواً عنه، وقد يكون مذنباً، وقد يكون فاسقاً، وقد يكون كالمخطئ في الأحكام العملية سواء.." إلى أن قال: "وإذا كانت قد تكون قطعية، وقد تكون اجتهادية، سوَّغ اجتهاديتها ما سوَّغ في المسائل العملية.." إلى أن قال "وقد ينكر أحد القائلين على القائل الآخر قوله إنكاراً يجعله كافراً أو مبتدعاً فاسقاً، يستحق الهجر، وإن لم يستحق ذلك، وهو أيضاً اجتهاد.
وقد يكون ذلك التغليظ صحيحاً في بعض الأشخاص أو بعض الأحوال، لظهور السنة التي يكفر من خالفها، ولما في القول الآخر من المفسدة الذي يبدع قائله..".
إلى أن قال: "فإذا رأيت إماماً قد غلَّظ على قائل مقالته أو كفره فيها فلا يعتبر هذا حكماً عاماً في كل من قالها، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له، فإن من جحد شيئاً من الشرائع الظاهرة، وكان حديث العهد بالإسلام، أو ناشئاً ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية.
وكذلك العكس، إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت، لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول. فلهذا يُبدَّع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم. فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع ..". اهـ نقله من مجموع الفتاوى (6/56-61).
وقال رحمه الله في موضع آخر "وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقاً فهو مؤمن، له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك، وهو ممن يخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر، على اختلاف عقائدهم، ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه صلى الله عليه وسلم ، لم تدخل أمته الجنة، فإنهم، أو أكثرهم، لا يستطيعون هذه المعرفة، بل يدخلون الجنة وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم". الفتاوى (5/134). وقال رحمه الله في موضع آخر "هذا مع أني دائماً، ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معيَّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.." إلى أن قال "وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم، فوالله لإن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين!
. ففعلوا به ذلك، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك. فغفر له.
فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك.
والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا" .اهـ. الفتاوى (4/231).
وذكر شيخ الإسلام في موضع آخر أن مقالات الجهمية تغلظ من ثلاثة أوجه، ثم قال "قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم، لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطناً وظاهراً، وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعه، فهؤلاء ليسوا كفاراً قطعاً، بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي، وقد يكون منهم المخطئ المغفور له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه".اهـ. الفتاوى (4/355).

الثالث: كم من إمام وعالم مشهور زل في مسألة أو مسائل من النوعين: الخبري (الاعتقادي)، والعملي، ثم رجع عن خطئه وأعلن ذلك، ولم ينقص ذلك من قدره، بل عُدَّ ذلك من مناقبه، وهذا من أكبر الأدلة على الإخلاص.
والأمثلة تجل عن الحصر، ولا يخفى كثير منها على طلاب العلم، وحسبي أن أنقل هنا ما قاله شيخ الإسلام وإمام أهل السنة في عصره بلا منازع، قال رحمه الله "وأنا وغيري كنا على مذهب الآباء في ذلك، نقول في الأصلين بقول أهل البدع، فلما تبين لنا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل الله أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. فكان الواجب هو اتباع الرسول، وأن لا نكون ممن قيل فيه {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ..} إلى آخر كلامه. انظر الفتاوى (6/258).
قال سمير: تأمل – رحمك الله – ما قاله هذا الإمام، ووازن بينه وبين أقوال بعض أهل العلم في زماننا، حين نُبِّه إلى خطئه ومخالفته لمذهب السلف في قضية الإيمان، فزعم أن من تعقبه لم يفهم قوله، وأنه حمله على غير محمله، وأن الخطأ ليس في المعنى. وإنما هو في الاصطلاح واللفظ فقط... إلى غير ذلك من الأعذار الواهية، هرباً من الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب والحق الذي نبه إليه المتعقب.
وليس هذا خاصاً بهذا الفاضل المخطئ في هذه المسألة المشهورة، بل كثير من طلبة العلم اليوم على هذه الطريقة، يستنكفون عن الرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ، فما أن يُرَّد على أحدهم ويوضَّح للناس خطؤه، حتى ينبري هو، أو بعض أتباعه ومعظميه وأصحابه، للدفاع عنه بالباطل واتهام الناصح بالجهل "وسوء الفهم" و "الصيد في الماء العكر" ... إلى غير ذلك. مما يزيد في التلبيس على عوام الناس وطلبة العلم ويوقعهم في الحيرة والاضطراب بل في الفتنة والاختلاف.
وكان الأولى من ذلك كله أن يعترف المخطئ بخطئه ويؤثر ما عند الله والدار الآخرة على الدنيا وزخرفها وطلب الرئاسة على الخلق.
واعتبر بتلك الزلة التي وقع فيها جمع من الأخيار في "خطاب المثقفين" الذي اشتمل على مخالفات شرعية واضحة كالشمس في رائعة النهار، وأكتفي هنا بالإشارة، فالحادثة معروفة مشهورة.

الرابع: حصر العلم والفضل والحق في طائفة من العلماء أو الشيوخ، والتعصب لهم مخالف لما عليه سلف هذه الأمة. والواجب في حال التنازع الرد إلى الله والرسول والتمسك بما أجمع عليه السلف، وأن يضع طالب العلم هذا الأثر نصب عينيه "من كان مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوباً.."الخ.
نعم، قد تتميز طائفة من أهل العلم في بلد ما بأن فيها جمعاً من شيوخ السنة والمشاهير، لكن هذا لا يعني حصر الحق والعلم والفهم والخير فيهم وحدهم.

الخامس: قد يخطئ عالم أو طالب علم في مسألة فيرد عليه آخر، فيشمت في المردود عليه مخالفوه ومنافسوه، وليس هذا من خلق المؤمنين، وما الذي أدراك أيها الشامت المعيِّر لعل الله يعافيه ويبتليك؟
ثم من قال لك إن ذلك الراد المتعقِّب لم يقع في خطأ؟ بل قد يكون له زلة مثل، أو أعظم، من زلة هذا المردود عليه.
قال الله تعالى {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل} الآية. وفي الحديث (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه) صحيح الجامع (8013).
أقول: قد يكون الجذع في عينه أو عين من يعظمه من الشيوخ، فيغمض عينه عنه، بل قد ينافح ويجادل عنه إذا فضح أمره، ويذهب يُفَتِّش عن القذى في أعين الآخرين.
وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** كما أن عين السخط تبدي المساويا

السادس: لا حرج في أن يرد المتعلم على العالم والصغير على الكبير، وكم من مسألة أخطأ فيها الفاضل وأصاب فيها المفضول. والحوادث في الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم تجل عن الحصر. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يرد على من هو أكبر وأجل منه علماً وفضلاً وسابقةً في الإسلام، وهو القائل "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله وتقولون قال أبوبكر وعمر".
وفهم ابن عمر رضي الله عنهما ما لم يفهمه كبار الصحابة في حديث "مثل المؤمن كشجرة..".
وترى في كتب العلماء وتعقباتهم على من سبقهم ممن هو أفضل وأعلم وأكبر ما لا حصر له. ولا يصح تخصيص ذلك بالأموات دون الأحياء.

السابع: هناك مسائل اتفق عليها أكثر علماء السلف، ونُقل فيها الإجماع، وشذ فيها بعضهم،كتكفير تارك الصلاة مثلاً، فلا ينبغي اطِّراح هذا الاتفاق والتذرع بالخلاف الشاذ، خاصة وأن الأدلة من القرآن والسنة صريحة في تأييد قول الأكثرين، كما سيأتي ذكره.
وقد تذرع بعض الأشاعرة في تأويل الصفات بتأويل بعض أئمة السلف لبعض النصوص، زعموا، فرُدَّ عليهم بأن هذا، لو صح، فإنه مردود على قائله، كما نقل حنبل عن الإمام أحمد أنه أوَّل صفة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله "وهاهنا قاعدة يجب التنبيه عليها، وهي أنه: إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما تأويل شيء في موارد النزاع لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية أو الحديث .." إلى أن قال "فالحجة هي التي تفصل بين الناس" اهـ. مختصر الصواعق (391-392).

الثامن: كثيراً ما يردد السلفيون كلمة حق،وهي "كتاب وسنة بفهم سلف الأمة". فينبغي اطِّراد هذه المقولة في سائر المسائل، لا أن تقتصر على "الصفات" فقط.
فنصوص الكتاب والسنة في مسائل الإيمان وحكم تارك الأعمال داخلة في هذه المقولة.

التاسع: يقبل الحق ممن قاله كائناً من كان ويرد الباطل على قائله كائناً من كان، ولا حرج في إشهار الرد وإعلانه في كتاب أو غيره من الوسائل، ولا يشترط المناصحة في السر، فإن هذا إنما هو في غير مسائل الدين المتنازع عليها.
أما لو أخطأ أحد فيما بينه وبين الله من معاصي، فهذا يستر عليه ويناصح بالسر، وأبيات الشافعي المنسوبة إليه تُنزَّل على هذا، وهي "تعهدني بنصحك في انفراد.."الخ.
ثم لا يشترط أن يكون الرد ممن يوافقك في كل المسائل حتى تقبل منه. وقد عجبت من صنيع بعض أهل العلم، حين بين بعض الشيوخ ضلالات "القطب" ووضحها في كتابه "الأضواء" وغيره من الكتب، فبدلاً من أن يوافقوه ويفرحوا ببيانه، سعوا في التلبيس على الناس وكتمان الحق، تعظيماً وتقديساً لذلك "القطب"، ولأن الراد مخالف لهم في مسائل أخرى معروفة، وليس هذا من سنن أهل السنة. وفي المقابل، لما ظهرت مسألة الإرجاء وتكلم من تكلم، لم نسمع من صاحب كتاب "الأضواء" ولا من أصحابه ومريديه أي بيان أو رد، وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد، بل جعلوها بدلاً ومقايضة "بدِّعوا هذا نبدع لكم ذاك".

العاشر: ينبغي أن يتحرى الإنسان العدل في حكمه على الآخرين، وأن يزن الناس كلهم بميزان الحق والعدل، صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وجاهلهم، فالحق يعلو ولا يعلى عليه. فحين يزل عالم في مسألة ويقول بقول بعض الفرق الضالة يقال عنه "فيه كذا" أو "هوكذا"، أو يقال مثلاً "هذا قول فرقة كذا" سواء كانت المسألة في القدر أو الإرجاء أو التعطيل أو غيرها. وفي كتب الرجال من ذلك شيء كثير يجل عن الحصر، مثل "فيه إرجاء"، "رمي بالتشيع والقدر" ونحوها. وانظر أقوال علماء السلف في أبي حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان وداود الظاهري وابن حزم وعشرات، بل مئات، ممن رمي بشيء من البدع.
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن أقوال كثيرة فكان يجيب تارة بقوله "هذا قول الجهمية" وقد يكون من علماء السلف من قال به، كمن تأول حديث "الصورة" وأرجع الضمير إلى آدم، وممن تأوله من المتقدمين ابن خزيمة، ولا يقال عنه إنه جهمي، حاشا وكلا، بل هو من أئمة السلف الكبار.

الحادي عشر: ومن العدل في القول والقسط في الحكم، تنزيل الناس منازلهم وتقدير الأخطاء بقدرها وإعطاء كل ذي حق حقه، فلا يستوي من أخطأ في مسألة واحدة أو مسائل معدودة مشتبهة، قولية أو عملية، وهو من أهل السنة، ومن المنتسبين إلى السلفية، ومن ضل في مسائل كثيرة من الواضحات البينات،وهو لم يرفع بمذهب السلف رأساً، ولم ينتهج نهجهم في العلم والدعوة، لا يستويان مثلاً ولا حكماً.
فليس من أخطأ في مثل هذه المسائل "الخفية" ، ووقع في شيء من "الإرجاء" ، كمن وقع في طامات وانتحل مذاهب شتى، فعطَّل صفات الله، وانتقص من قدر بعض الأنبياء من أولي العزم من الرسل بعبارات فجة، تسمى "أدبية"، وهي إلى الكفر والزندقة أقرب، وعن الإيمان والحق و"الأدب" أبعد.
ولو ذهبت أعدد أخطاء المذكور في "ظلاله" وغيره من مؤلفاته، لطال المقام، وكل واحدة منها تخرجه من دائرة السنة إلى هوة البدعة.
فليس من العدل والقسط أن يُمدح هذا "القطب"، الذي أحسن أحواله أن ينسب إلى "الجهل"، ويذم من هو خير منه وأفضل، كما صنع صاحب كتاب "ظاهرة الإرجاء" عفا الله عنه وغفر له.
لقد جمعتني مجالس مع بعض طلبة العلم، فكنت أعجب وأحتار حين تطرح بعض مسائل معاصرة ويأتي ذكر بعض الشيوخ ومؤلفاتهم وأخطائهم فيخوضون في كل شيء، جرحاً وتعديلاً وتفريعاً وتأصيلاً، فإذا جاء ذكر بعض المعظَّمين عندهم انبرى كل واحد للدفاع عمن يعظمه واطَّرح العلم والعدل والتأصيل والتفريع .. وكلَّ شيء، وصرتَ تسمع كلماتٍ لا تمتُّ إلى العلم والتحقيق بصلة.
فهذا يدافع عن "القطب" وآخر عن شيوخ "الحزب" وثالث عن شيوخ "المنصب" ورابع عن .. إلى غير ذلك، مما زهدني في تلك المجالس، وأشعرني بعظم ما نحن فيه من الغربة.

وبعد، فهذا أوان الشروع في المقصود، فأقول وبالله التوفيق وعليه التكلان :

(1)
تعريف الإيمان

أجمع أهل السنة على أن الإيمان "قول وعمل، يزيد وينقص"، وإن اختلفت بعض عباراتهم في ذلك:
1- فمنهم من قال الإيمان "المعرفة والإقرار والعمل". انظر السنة للخلال (ص580) والسنة للالكائي (848).
2- ومنهم من قال الإيمان "قول وعمل ونية". انظر السنة للخلال (ص580) والسنة للالكائي (886).
3- وقال الإمام البخاري في صحيحه "الإيمان قول وفعل" انظر كتاب الإيمان من صحيحه.
4- وقال أبو القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (1/403) "الإيمان في الشرع عبارة عن جميع الطاعات الباطنة والظاهرة".
5- وفسر بعض علماء السلف الإيمان بقولهم "تصديق القلب وقول اللسان وعمل الجوارح". السنة للالكائي (ص830) والشريعة للآجري (611) والإبانة لابن بطه (760) وغيرها من المصنفات. وكل هذه العبارات معناها عندهم واحد لا يختلف. وإدخالهم "العمل" في مسمى الإيمان يدل على أنه جزء منه لا يصح إلا به.
فكما أن الإيمان لا يصح بالعمل وحده دون القول، فكذلك لا يصح بالقول دون العمل.
قال الشافعي "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزي واحد من الثلاثة بالآخر". السنة للالكائي (886).
وقال الإمام أحمد "الإيمان لا يكون إلا بعمل" السنة للخلال (ص566). وقال زيد بن أسلم "لابد من أن تعمل عملاً صالحاً تصدق به إيمانك" السنة للالكائي (ص847).
وقال أبو ثور، في جوابه للسائل عن الإيمان واختلاف الناس فيه، ".. فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ما أراد الله عز وجل من العباد إذ قال لهم {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}؟ الإقرار بذلك؟ أو الإقرار والعمل؟
فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل، فقد كفرت عند أهل العلم..
فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل. قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعاً، لم زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعاً؟
أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به، أيكون مؤمناً؟
فإن قالوا: لا. قيل لهم. فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئاً، أيكون مؤمناً؟
فإن قالوا: نعم. قيل لهم. ما الفرق، وقد زعمتم أن الله عز وجل أراد الأمرين جميعاً؟ فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمناً، لا فرق بين ذلك..". السنة للالكائي (850، 851).
وقال الآجري في الشريعة (611) "باب: القول بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا بأن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث".

قال سمير: فيما تقدم من تعريف الإيمان وما نقلته عن بعض أئمة الإسلام ما يدل على أن العمل ركن في الإيمان، داخل في مسماه، كالقول، لا يجزئ أحدهما عن الآخر، وإنما خالف بعض إخواننا المعاصرين في حكم ترك العمل بالكلية، لعدم فهمهم لعبارات السلف، وإلا فلو تأملوا تعريف السلف للإيمان، وأنه مركب من أمرين لا يغني أحدهما عن الآخر، لزال الإشكال والاشتباه. فمن ترك العمل بالكلية، وإن أقر به وبوجوبه، فهو تارك للإيمان، خارج من ملة الإسلام، وهذا هو مذهب السلف، كما هو واضح من التعريف ومما نقلته آنفاً من كلام أبي ثور وغيره. ولعل الإخوة اغتروا ، في التفريق بين القول والعمل، فجعلوا ترك الأول مخرجاً من الملة دون الثاني، بأن القول لا يتبعض بل هو شيء واحد، بخلاف العمل إذ هو جنس يدخل تحته أنواع لا حصر لها من الطاعات. فنظروا إلى أعلاها، وهو الصلاة، فقالوا: هناك خلاف في تكفير تاركها، فكيف بما سواها من الأعمال؟ والجواب عن هذه الشبهة يظهر بتأمل من تعريف الإيمان عند السلف، فإنهم لم يعرفوه بالقول والصلاة فقط، ولا بالقول والمباني الأربعة فقط، وإنما أطلقوا العمل، وهو يشمل كل الطاعات والأعمال الصالحات. يوضحه، أن!
السلف قالوا في تتمة التعريف "يزيد وينقص" فزيادته تكون بحسب الأعمال، ونقصانه بنقصانها وبفعل المنهيات، فإذا لم يعمل عملاً قط فما الذي يبقى؟ وسأسوق جملة من نصوص الأئمة في بيان ذلك.

(2)
حكم ترك العمل بالكلية

أ – قال الإمام الآجري في الشريعة، في معرض كلامه عن الإيمان، بعد أن ذكر آية {اليوم أكملت لكم دينكم..} "هذا بيان لمن عقل، يعلم أنه لا يصح الدين إلا بالتصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، مثل: الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وما أشبه ذلك".
وقال في موضع آخر: "اعلموا – رحمنا الله وإياكم – أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم أعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمناً، دل على ذلك القرآن والسنة وقول علماء المسلمين ..". ثم ذكر أدلة التصديق بالقلب والقول باللسان والعمل بالجوارح، ثم قال "فالأعمال – رحمكم الله – بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمله بجوارحه، مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه لهذه، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول، لم يكن مؤمناً، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيباً لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقاً منه لإيمانه، وبالله التوفيق..".
إلى أن قال "وقد قال تعالى في كتابه، وبين في غير موضع أن الإيمان لا يكون إلا بعمل، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم، خلاف ما قالت المرجئة الذين لعب بهم الشيطان..".
إلى أن قال "اعلموا – رحمنا الله وإياكم – يا أهل القرآن، ويا أهل العلم بالسنن والآثار، ويا معشر من فقههم الله تعالى في الدين بعلم الحلال والحرام، أنكم إن تدبرتم القرآن كما أمركم الله تعالى، علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار إلا بالإيمان والعمل الصالح.
قرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح الذي وفقهم له، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقاً بقلبه وناطقاً بلسانه وعاملاً بجوارحه، لا يخفى على من تدبر القرآن وتصفحه وجده كما ذكرت. واعلموا – رحمنا الله وإياكم – أني قد تصفحت القرآن فوجدت ما ذكرته في شبيه من خمسين موضعاً من كتاب الله تعالى، أن الله تبارك وتعالى لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفقهم له من الإيمان والعمل الصالح.
وهذا رد على من قال: الإيمان معرفة، ورد على من قال: الإيمان المعرفة والقول وإن لم يعمل، نعوذ بالله من قائل هذا". ثم ساق الآجري جملة من الآيات تدل على ما ذكره من اشتراط العمل لدخول الجنة، ومنها قوله تعالى {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم..} ثم قال "اعتبروا – رحمكم الله – بما تسمعون، لم يعطهم مولاهم هذا الخير كله بالإيمان وحده، حتى ذكر هجرتهم وجهادهم بأموالهم وأنفسهم".
واستمر الآجري رحمه الله في سرد الآيات ثم قال "ميِّزوا – رحمكم الله – قول مولاكم الكريم، هل ذكر الإيمان في موضع واحد من القرآن إلا وقد قرن إليه العمل الصالح؟
وقال تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}. فأخبر تعالى بأن الكلام الطيب حقيقته أن يُرفع إلى الله تعالى بالعمل، فإن لم يكن عمل بطل الكلام من قائله ورُدَّ عليه.
ولا كلام طيب أجل من التوحيد، ولا عمل من أعمال الصالحات أجل من أداء الفرائض".
ثم روى الآجري بإسناده قول الحسن البصري "الإيمان كلام وحقيقته العمل، فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول".
ثم ساق الآجري نصوصاً أخرى، ثم قال "فيما ذكرته مقنع لمن أراد الله به الخير، فعلم أنه لا يتم له الإيمان إلا بالعمل، هذا هو الدين الذي قال الله تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}.". اهـ نقله من الشريعة (563 – 643).

ب – روى الخلال في السنة (586) واللالكائي (887) عن حنبل عن الحميدي أنه قال "أُخبرتُ أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك [ في إيمانه ] ، إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل المسلمين. قال الله جل وعز {حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} قال حنبل: قال أبو عبدالله، أو سمعته يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به" اهـ.

قال سمير: ما بين المعكوفين لعله سقط منه كلمة أو كلمات، كأنها هكذا [نقص في إيمانه]، والله أعلم.

ج – روى اللالكائي في السنة (953 – 954) بإسناده عن نافع مولى ابن عمر أنه ذُكِر له قولُ من يقولون "نحن نقر بالصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونحن نشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نريده" فقال "من فعل هذا فهو كافر". وانظر الإبانة لابن بطة (810).

د – قال الإمام عبيدالله بن محمد بن بطة في الإبانة "باب: بيان الإيمان وفرضه وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات، لا يكون العبد مؤمناً إلا بهذه الثلاث.
أعلموا – رحمكم الله – أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به والتصديق له ولرسله ولكتبه وبكل ما جاءت به السنة، وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولاً، وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرضه من الأعمال، لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها، ولا يكون العبد مؤمناً إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمناً بقلبه مقراً بلسانه عاملاً مجتهداً بجوارحه، ثم لا يكون أيضاً مع ذلك مؤمناً حتى يكون موافقاً للسنة في كل ما يقوله ويعمله، متبعاً للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله.
وبكل ما شرحته لكم نزل به القرآن ومضت به السنة وأجمع عليه علماء الأمة.." ثم ذكر الأدلة على فرضية المعرفة والقول والعمل.
ثم قال "فكل من ترك شيئاً من الفرائض التي فرضها الله عز وجل في كتابه أو أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته – على سبيل الجحود لها والتكذيب بها – فهو كافر بيِّن الكفر، لا يشك في ذلك عاقل يؤمن بالله واليوم الآخر.
ومن أقر بذلك وقاله بلسانه، ثم تركه تهاوناً ومجوناً، أو معتقداً لرأي المرجئة ومتبعاً لمذاهبهم، فهو تارك الإيمان ليس في قلبه منه قليل ولا كثير، وهو في جملة المنافقين الذين نافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل القرآن بوصفهم وما أعد لهم وأنهم في الدرك الأسفل من النار، نستجير بالله من مذاهب المرجئة الضالة".
إلى أن قال "فقد أخبر الله تعالى في كتابه في آي كثيرة منه أن هذا الإيمان لا يكون إلا بالعمل وأداء الفرائض بالقلوب والجوارح، وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرحه في سنته وأعلمه أمته. وكان مما قال الله تعالى في كتابه، مما أعلمنا أن الإيمان هو العمل وأن العمل من الإيمان، ما قاله في سورة البقرة {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ..} الآية فانتظمت هذه الآية أوصاف الإيمان وشرائطه من القول والعمل والإخلاص. ولقد سأل أبو ذر النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ عليه هذه الآية..".
ثم ذكر ابن بطة رحمه الله أن فرائض الأعمال والشرائع وتحريم المحرمات نزلت شيئاً فشيئاً بعد الإقرار، ثم قال "فعلى هذا كل مخاطبة كانت منه لهم فيما أمر ونهى وأباح وحظر. وكان اسم الإيمان واقعاً بالإقرار الأول إذا لم يكن هناك فرض غيره ،فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجب عليهم التزام فرضها والمسارعة إليها كوجوب الأول سواء، لا فرق بينهما، لأنهما جميعاً من عند الله وبأمره وإيجابه..".
إلى أن قال "واعلموا – رحمكم الله – أن الله عز وجل لم يثن على المؤمنين ولم يصف ما أعد لهم من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم، ولم يخبرهم برضاه عنهم إلا بالعمل الصالح والسعي الرابح، وقرن القول بالعمل، والنية بالإخلاص، حتى صار اسم الإيمان مشتملاً على المعاني الثلاثة، لا ينفصل بعضها من بعض، ولا ينفع بعضها دون بعض، حتى صار الإيمان قولاً باللسان وعملاً بالجوارح ومعرفة بالقلب، خلافاً لقول المرجئة الضالة الذين زاغت قلوبهم وتلاعبت الشياطين بعقولهم. وذكر الله عز وجل ذلك كله في كتابه والرسول صلى الله عليه وسلم في سنته" ثم ساق الأدلة على ذلك.
ثم قال "فمن زعم أن ما في كتاب الله عز وجل من شرائع الإيمان وأحكامه وفرائضه ليست من الإيمان، وأن التارك لها والمتثاقل عنها مؤمن، فقد أعظم الفرية، وخالف كتاب الله ونبذ الإسلام وراء ظهره ونقض عهد الله وميثاقه.." إلى أن قال "فمن زعم أنه يقر بالفرائض، ولا يؤديها ويعملها، وبتحريم الفواحش والمنكرات، ولا ينزجر عنها ولا يتركها، وأنه مع ذلك مؤمن، فقد كذَّب بالكتاب وبما جاء به رسوله، ومثله كمثل المنافقين الذين قالوا {آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}.
فأكذبهم الله ورد عليهم قولهم وسماهم منافقين، مأواهم الدرك الأسفل من النار. على أن المنافقين أحسن حالاً من المرجئة، لأن المنافين جحدوا العمل وعملوه، والمرجئة أقروا بالعمل بقولهم وجحدوه بترك العمل به، فمن جحد شيئاً وأقر به بلسانه وعمله ببدنه أحسن حالاً ممن أقر بلسانه وأبى أن يعمله ببدنه.
فالمرجئة جاحدون لما هم به مقرون ومكذبون لما هم به مصدقون، فهم أسوأ حالاً من المنافقين.
ويح لمن لم يكن القرآن والسنة دليله، فما أضل سبيله وأكسف باله وأسوأ حاله" ثم قال" فقد تلوت عليكم من كتاب الله عز وجل ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل، وأن من صدق بالقول وترك العمل كان مكذباً وخارجاً من الإيمان، وأن الله لا يقبل قولاً إلا بعمل ولا عملاً إلا بقول" اهـ . من الإبانة (760 – 795).

هـ - ومن نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية:
"فإن المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة ويقتضي ذلك، والطاعة من ثمراته ونتائجه، لكنها تنازع: هل يستلزم الطاعة؟.." الفتاوى (7/50)
"قال تعالى {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} أي: كذب بالخبر وتولى عن طاعة الأمر. وإنما على الخلق أن يصدقوا الرسل فيما أخبروا ويطيعوهم فيما أمروا. وكذلك قال في فرعون {فكذب وعصى}. وقال عن جنس الكافر {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى}. فالتكذيب للخبر والتولي عن الأمر. وإنما الإيمان: تصديق الرسل فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا.."الفتاوى (7/59).
"... فعلم أن "التولي" ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر. وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي، فلهذا قال {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} وقد قال تعالى {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين}. فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان قد أتى بالقول.. ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق.." الفتاوى (7/142).
"وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك. لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال فإنه أريد أنه لا يكتفى بإيمان القلب، بل لابد معه من الأعمال الصالحة.." الفتاوى (7/198).
"وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها. ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يُكَفَّر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور.
وعن أحمد في ذلك نزاع. وإحدى الروايات عنه: أنه يكفر من ترك واحدة منها،... وعنه رواية ثانية : لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط. ورواية ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها. ورابعة: لا يكفر إلا بترك الصلاة. وخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن. وهذه الأقوال معروفة للسلف ..". الفتاوى (7/302).
ونقل ابن تيمية كلام أبي طالب المكي وأقره وهو "فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقاً ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام، فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد ..". الفتاوى (7/333).
"وقول القائل الطاعات ثمرات التصديق الباطن، يراد به شيئان: يراد به أنها لوازم له، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت. وهذا مذهب السلف وأهل السنة. ويراد به: أن الإيمان الباطن قد يكون سبباً، وقد يكون الإيمان الباطن تاماً كاملاً وهي لم توجد. وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم". الفتاوى (7/363).
"ولهذا كان جماهير المرجئة على أن عمل القلب داخل في الإيمان، كما نقله أهل المقالات عنهم، منهم الأشعري فإنه قال في كتابه في "المقالات": اختلف المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم اثنتا عشرة فرقة.." إلى أن قال "الفرقة العاشرة من المرجئة: أصحاب أبي معاذ التومني، يزعمون .." إلى أن قال "وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها والرد لها والاستخفاف بها كافر بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها متشاغلاً مسوِّفاً يقول: "الساعة أصلي، وإذا فرغت من لهوى وعملي"، فليس بكافر، وإن كان يصلي يوماً ووقتاً من الأوقات، ولكن نفسِّقه.
وكان أبو معاذ يقول: من قتل نبياً أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له .." الفتاوى (7/543 – 547).
قال سمير: تأمل كيف نسبت هذه المقالة إلى فرقة من فرق المرجئة، واليوم ينتحلها بعض من ينتسب إلى مذهب السلف.
ثم إن إدخال عمل القلب في مسمى الإيمان يلزم منه إدخال عمل الجوارح، كما قال شيخ الإسلام "لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضاً، فإنها لازمة لها". الفتاوى (7/194).
وقال في موضع آخر رداً على المرجئة: "فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضاً، وهذا باطل قطعاً، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعاً بالضرورة. وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضاً، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن ..". الفتاوى (7/556).
وقال "وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءاً من الإيمان، كما تقدم بيانه". الفتاوى (7/616)

(2)
من شبه المخالفين

استدل بعض من خالف في تكفير تارك العمل بالأحاديث التي فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة، ونحوها من الأحاديث التي لم تذكر الأعمال.
ومما شبهوا به أيضاً، الخلاف في تكفير تارك الصلاة، فقالوا: قد حصل الخلاف بين السلف في تكفير تاركها، مع أنها أعظم الأركان العملية، فما سواها من الأعمال، كالزكاة والصوم والحج، وغيرها من الفرائض، من باب أولى. فلما كان هؤلاء المخالفون ممن لا يرى تكفير تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً، قالوا: لا يكفر تارك العمل بالكلية.
ومما شبهوا به أيضاً ما نقلوه من نصوص عن جماهير السلف في عدم تكفير مرتكبي المعاصي، ما لم تكن شركاً أو نحوه، فجعلوا تارك العمل مثل مرتكب الكبائر في الحكم. والجواب على هذه الشبه باختصار:
أ – أما أحاديث الشهادتين ونجاة قائلهما، فقد أجاب السلف عليها بأجوبة معروفة سأسوق بعضها الآن، وأنبه إلى أن هذه الشبهة هي عين ما ذكره المرجئة السابقون واحتجوا به على السلف، ورد عليهم الأئمة بما ستراه، فعجيب أن يستدل الإخوة المنتسبون إلى مذهب السلف على إخوانهم السلفيين بمثل ما استدل به أولئك المرجئة الأوائل على السلفيين الأوائل!
روى الترمذي في جامعه (2638) حديث عبادة بن الصامت "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار". فقال الترمذي عقبه "وقد روي عن الزهري أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنهي".
قال سمير: قول الزهري رواه اللالكائي في السنة (1062) وفيه أن السائل هو عبدالملك بن مروان. ورواه ابن بطة في الإبانة (896) لكنه قال "قال لي هشام".
ثم قال الترمذي "ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة وإن عذبوا بالنار بذنوبهم فإنهم لا يخلدون في النار"اهـ.
وقال الآجري في الشريعة[ أما بعد، فاعلموا رحمنا الله وإياكم أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ليقروا بتوحيده فيقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكان من قال هذا موقناً من قلبه وناطقاً بلسانه أجزأه، ومن مات على هذا فإلى الجنة. فلما آمنوا بذلك وأخلصوا توحيدهم فرض عليهم الصلاة بمكة فصدقوا بذلك وآمنوا وصلوا، ثم فرض عليهم الهجرة فهاجروا وفارقوا الأهل والوطن، ثم فرض عليهم بالمدينة الصيام، فآمنوا وصدقوا وصاموا شهر رمضان، ثم فرض عليهم الزكاة، فآمنوا وصدقوا وأدوا ذلك كما أمروا، ثم فرض عليهم الجهاد فجاهدوا القريب والبعيد وصبروا وصدقوا، ثم فرض عليهم الحج فحجوا وآمنوا به.
فلما آمنوا بهذه الفرائض وعملوا بها تصديقاً بقلوبهم وقولاً بألسنتهم وعملاً بجوارحهم قال الله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً}. ثم أعلمهم أنه لا يقبل في الآخرة إلا دين الإسلام فقال تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وقال تعالى {إن الدين عند الله الإسلام}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلاً).
ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم لأمته شرائع الإسلام حالاً بعد حال، وسنذكر ذلك إن شاء الله. وهذا – رحمكم الله – طريق المسلمين. فإن احتج محتج بالأحاديث التي رويت "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" قيل له: هذه كانت قبل نزول الفرائض على ما تقدم ذكرنا له. وهذا قول علماء المسلمين ممن نفعهم الله تعالى بالعلم وكانوا أئمة يقتدى بهم، سوى المرجئة الذين خرجوا عن جملة ما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقول الأئمة الذين لا يستوحش من ذكرهم في كل بلد. وسنذكر من ذلك ما حضرنا ذكره، والله الموفق لكل رشاد والمعين عليه، ولا قوة إلا بالله].
ثم ساق الآجري بإسناده عن ابن عباس قوله "إن الله تعالى بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الله الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الله الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فقال تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.." الخ.
ثم ذكر الآجري نحو ذلك عن سفيان بن عيينة حين سأله رجل عن الإيمان ثم قال "كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل"؟ فقال سفيان "كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده.." ثم ذكر سفيان نحواً من قول ابن عباس، ثم قال في آخر كلامه "فمن ترك خلة من خلال الإيمان جاحدا كان بها عندنا كافراً، ومن تركها كسلاً أو تهاوناً أدبناه، وكان بها عندنا ناقصاً، هكذا السنة، أبلغها عني من سألك من الناس". انظر الشريعة (552 – 559). والإبانة لابن بطة (628 – 631).
قال سمير: ولعل قائلاً يقول: إن في آخر كلام سفيان ما يدل على عدم تكفير تارك العمل كسلاً أو تهاوناً، لأنه جعله ناقصاً بخلاف الجاحد الذي جعله كافراً.
والجواب أن يقال: لعل سفيان رحمه الله قصد بترك خلة من خلال الإيمان، أي سوى الفرائض المذكورة، لأنه كان يقول في ترك الصلاة "ما نفعهم الإقرار الأول" وفي ترك الهجرة "ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم".. وهكذا، فظاهره نقض الإيمان بترك خلة من تلك الخلال.
ثم هو لم يقل فمن ترك خلال الإيمان كلها، وإنما قال: خلة من خلال الإيمان، وكلامنا عن ترك العمل "بالكلية" والله تعالى أعلم.
وروى الآجري في الشريعة (684) بإسناده عن الضحاك بن مزاحم أنه ذكر عنده "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" فقال "هذا قبل أن تُحَدَّ الحدود وتنزَّل الفرائض" وانظر الإبانة لابن بطة (896).

ب – وأما جواب الشبهة الثانية، وهي اختلاف السلف في تكفير تارك الصلاة، وأن ذلك يدل على أن تارك العمل بالكلية مختلف في تكفيره عندهم. فجوابه من وجوه عدة:
1- أن القول الحق في هذه المسألة هو تكفير تارك الصلاة، لكثرة النصوص الدالة عليها من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وعلماء السلف. بل حكى عليها الإجماع غير واحد من أهل العلم.
قال أيوب السختياني "ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه". انظر تعظيم قدر الصلاة للمروزي (925). وقال إسحاق بن راهويه "قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا: أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر". انظر تعظيم قدر الصلاة (929).
ومما احتج به إسحاق، على تكفير تارك الصلاة، قوله "قالوا: تارك السجود لله تعالى، وقد افترضه عليه عمداً، وإن كان مقراً بوجوبه، أعظم معصية من إبليس في تركه السجود لآدم، لأن الله تعالى افترض الصلوات على عباده، اختصها لنفسه، فأمرهم بالخضوع له بها دون خلقه، فتارك الصلاة أعظم معصية واستهانة من إبليس حين ترك السجود لآدم عليه السلام.
فكما وقعت استهانة إبليس وتكبره عن السجود لآدم موقع الحجة، فصار بذلك كافراً، فكذلك تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.
قال إسحاق: وقد كفى أهل العلم مؤونة القياس في هذا عن ما سنَّ لهم النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده، جعلوا حكم تارك الصلاة عمداً حكم الكافر"اهـ. تعظيم قدر الصلاة. (934-935).
قال سمير: والكلام في تقرير هذه المسألة وسرد الأدلة عليها ورد شبهات المخالفين فيها، يطول، وحسبنا أن النصوص من القرآن والسنة والآثار صريحة فيها، بخلاف ما شبه به المخالفون، فإنها إما نصوص عامة، أو لها تأويل عند أئمة السلف، كحديث "خمس صلوات كتبهن الله.." وسيأتي الجواب عليه بعد أسطر.
وحسبك أن هذه المسألة قد قررها جل علماء السلف في مصنفات "السنة" المعنية بنقل مسائل الاعتقاد وتقرير مذهب السلف والرد على مخالفيهم من أهل البدع والأهواء. وهم يذكرون هذه المسالة في بيان مسألة الإيمان والرد على المرجئة.
وحسبك أن من نقل الخلاف في هذه المسألة، كالمروزي وابن عبدالبر وغيرهما، لم يثبتوا نصاً صحيحاً صريحاً عن صحابي واحد في ذلك، ونقلوا في مقابل ذلك إجماع الصحابة عليه، واتفاق جمهور أصحاب الحديث، مع الأدلة الكثيرة المتواترة من القرآن والسنة.
ولا يخفى على طالب العلم أن هناك مسائل كثيرة نقل فيها الخلاف والشذوذ عن بعض الصحابة في مقابل اتفاق الأكثرين منهم وممن تبعهم من الأئمة على خلافها، كمتعة النساء وربا النسيئة وإتمام الصلاة في السفر... وغيرها من المسائل التي تجل عن الحصر، ولم يعتد المحققون من أهل العلم بالخلاف فيها، فهذه المسألة أولى وأحرى بأن يُطَّرح فيها الخلاف،لاتفاق الصحابة عليها، ويعتذر لمن خالف فيها من السابقين. وأما استدلالهم على عدم تكفير تارك الصلاة بحديث "خمس صلوات افترضها الله عز وجل.."الحديث، فجوابه ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله "وأجود ما اعتمدوا عليه قوله صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة.
قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة. ولا دلالة في هذا، فإن الوعد بالمحافظة عليها، والمحافظة فعلها في أوقاتها كما أُمر، كما قال تعالى {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت.." إلى أن قال "وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفي المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها.." إلى آخر ما قال. الفتاوى (7/614 – 615).
قال سمير: وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث ما يؤيد ما أجاب به شيخ الإسلام، حيث ذكر صلاتها في الوقت وإحسان الوضوء والخشوع وإتمام الركوع، فيقال إذاً: من لم يحافظ على مواقيتها ولم يتم ركوعها ولا خشوعها، فهذا تحت المشيئة، لا من يتركها بالكلية.
وأنا أسوق إليك لفظ الحديث من صحيح الجامع (3242) "خمس صلوات افترضهن الله عز وجل، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه".
2- ثم هناك من كفر تارك المباني الأخرى، سوى الصلاة. قال ابن رجب، في شرحه لحديث ابن عمر: بني الإسلام على خمس.. الحديث (وأما هذه الخمس، فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها، وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما. وأما زوال الأربع البواقي، فاختلف العلماء: هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها؟ أم لا يزول بذلك؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها، فيزول بترك الصلاة دون غيرها؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة؟
وفي ذلك اختلاف مشهور، وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد. وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة. وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعاً منهم، حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة. وكذلك قال سفيان بن عيينة: المرجئة سموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليسا سواءً، لأن ركوب المحارم متعمداً من غير استحلال معصية، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر: هو كفر. وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود، الذين أقروا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.
وروي عن عطاء ونافع مولى ابن عمر أنهما سئلا عمن قال: الصلاة فريضة ولا أصلي، فقالا: هو كافر. وكذا قال الإمام أحمد. ونقل حرب عن إسحاق قال: غلت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قوماً يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره، يرجى أمره إلى الله بعد، إذ هو مُقرٌّ. فهؤلاء الذين لاشك فيهم – يعني في أنهم مرجئة.
وظاهر هذا أنه يُكفِّر بترك هذه الفرائض.
وروى يعقوب الأشعري عن ليث عن سعيد بن جبير قال: من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر، ومن أفطر يوماً من رمضان متعمداً فقد كفر، ومن ترك الحج متعمداً فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمداً فقد كفر. ويروى عن الحكم بن عتيبة نحوه. وحكي رواية عن أحمد – اختارها أبوبكر من أصحابه - وعن عبدالملك بن حبيب المالكي مثله،وهو قول أبي بكر الحميدي.
وروي عن ابن عباس التكفير ببعض هذه الأركان دون بعض: فروى مؤمل عن حماد بن زيد عن عمرو بن مالك النُّكْري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس – ولا أحسبه إلا رفعه – قال "عُرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسِّس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وصوم رمضان، من ترك منها واحدة فهو بها كافر حلال الدم، وتجده كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافراً ولا يحلُّ دمه، وتجده كثير المال لا يزكي فلا يزال بذلك كافراً ولا يحل دمه". ورواه قتيبة عن حماد بن زيد، فوقفه واختصره ولم يتمَّه. ورواه سعيد بن زيد – أخو حماد – عن عمرو بن مالك ورفعه، وقال "من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر، ولا يقبل منه صرف ولا عدل، وقد حلَّ دمه وماله" ولم يزد على ذلك. والأظهر: وقفه على ابن عباس. فقد جعل ابن عباس ترك هذه الأركان كفراً، لكن بعضها كفر يبيح الدم وبعضها لا يبيحه.وهذا يدل على أن الكفر بعضه ينقل عن الملة وبعضه لا ينقل. وأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر دون غيرها من الأركان، كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي وغيره عنهم.
وممن قال بذلك: ابن المبارك وأحمد – في المشهور عنه – وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم – كما سبق – وقال أيوب. ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه.
وقال عبدالله بن شقيق "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة". خرجه الترمذي. وقال عمر "لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة". وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".
وخرج النسائي والترمذي وابن ماجه من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". وصححه الترمذي وغيره.
ومن خالف في ذلك جعل الكفر هنا غير ناقل عن الملة، كما في قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. فأما بقية خصال الإسلام والإيمان (
قال سمير: يعني سوى المباني الخمسة) فلا يخرج العبد بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة. وإنما خالف في ذلك الخوارج ونحوهم من أهل البدع...
فسائر خصال الإسلام الزائدة على أركانه الخمس ودعائمه إذا زال منها شيء نقص البنيان ولم ينهدم أصل البنيان بذلك النقص). اهـ من فتح الباري لابن رجب (1/22 – 27).
قال سمير: قصدت نقل كلام ابن رجب رحمه الله بطوله لاشتماله على فوائد كثيرة متعلقة بما نحن بصدده، وفيه تأييد لما نقلته من قبل عن أئمة السلف.
والمقصود أن من السلف من كفَّر بغير ترك الصلاة من المباني، ففيه دلالة على أنهم يكفِّرون بترك العمل بالكلية من باب أولى. فتأمل سددك الله.
ج – وفيه الجواب عن شبهة مَنْ سوَّى بين تارك العمل ومرتكب الكبائر، حيث نقل عن سفيان التفريق بينهما. وقول سفيان هذا نقله أيضاً ابن عبدالبر في التمهيد (9/254).
وفي كتب "السنة" المشهورة يذكر المصنفون المسألتين: حكم تارك الفرائض، وخاصة الصلاة، وحكم مرتكب الكبائر، فيكفرون الأول، رداً على المرجئة، ويفسقون الثاني، رداً على الخوارج. وهذا لا يخفى على من استقرأ عامة كتب "السنة" التي تقرر مذهب السلف وترد على مخالفيهم.
ونحن – وإخواننا – كثيراً ما نردد عبارة "مذهب السلف" وعبارة "كتاب وسنة بفهم سلف هذه الأمة"، في الرد على مخالفينا من أهل البدع، كالجهمية، وأشياعهم من المعطلة، والقدرية، والخوارج والشيعة، .. وهلم جراً.
ولا ريب أن لدى كل فرقة من هؤلاء شبه وذرائع، ويحتجون علينا بنصوص من الوحيين، من المتشابه، وربما ببعض آثار عن السلف تأولوها على غير معناها، وحرفوها عن مواضعها. فنقول كذلك في مسألة الإيمان التي خالفنا فيها إخواننا السلفيون واحتجوا علينا ببعض النصوص والآثار. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

(3)
مسألة التكفير

ومما يتعلق بمسألة الإيمان، قضية "التكفير"، فكما أن مذهب السلف في الإيمان أنه "قول وعمل" أو "تصديق القلب وقول اللسان وعمل الجوارح" فكذلك الكفر يكون بالاعتقاد ويكون بالقول ويكون بالعمل. هذا هو مذهب السلف، والأدلة عليه من الكتاب والسنة متواترة.
فمن حصر الكفر في التكذيب والجحود فقط، أو في أعمال وأقوال معينة، لا لكونها مكفِّرةً بعينها، ولكن لأنها تدل على عدم تصديق القلب، فقد أخطأ ووافق قول المرجئة من حيث لا يعلم.
قال الله تعالى {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} الآية. وقال تعالى {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا..} الآية.
وقال سبحانه {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.
وقال {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم}. وقال {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}.
والآيات في هذا المعنى متواترة، وقد تقدم معنا أن الصحابة وجمهور السلف كفَّروا تارك الصلاة، وبعضهم كفَّر تارك غيرها من المباني.
وتقدم حكاية الإجماع على كفر تارك العمل بالكلية، وفي ذلك كله دلالة بينة على أن الكفر يكون بالعمل ولا يشترط أن يعتقد الكفر. وفيما سردته من الآيات – ومثلها كثير – ما يدل على التكفير بالأعمال والأقوال، ولم يذكر فيها اشتراط اعتقاد الكفر. قال شيخ الإسلام عن آية {قد كفرتم بعد إيمانكم} (وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم، مع كفرهم أولاً بقلوبهم، لا يصح، لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر..) الخ .
ثم ذكر ابن تيمية آية {وكفروا بعد إسلامهم} ثم قال (وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد إسلامهم غير الذين كفروا بعد إيمانهم، فإن هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا، وقد قالوا كلمة الكفر التي كفروا بها بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا، وهو يدل على أنهم سعوا في ذلك فلم يصلوا إلى مقصودهم، فإنه لم يقل: هموا بما لم يفعلوا، لكن {بما لم ينالوا} فصدر منهم قول وفعل.
قال تعالى {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} فاعترفوا واعتذروا،ولهذا قيل {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرَّم، ولكن لم يظنوه كفراً، وكان كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه) اهـ. (الفتاوى 7/272 – 273).
قال سمير: وكلامه – رحمه الله - صريح في التكفير بالقول المجرد وحده من غير اعتقاد، لأنهم لم يظنوا هذا القول مكفِّراً، ولم يعتقدوا جوازه.
وقال شيخ الإسلام، وهو يذكر الأدلة على كفر شاتم الرسول، "الدليل السادس: قوله سبحانه {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} أي: حذراً أن تحبط أعمالكم، أو خشية أن تحبط أعمالكم.." إلى أن قال: "فوجه الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعض، لأن هذا الرفع والجهر قد يفضي إلى حبوط العمل وصاحبه لا يشعر .. والعمل يحبط بالكفر .." إلى أن قال"فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفراً، فالأذى والاستخفاف المقصود المتعمد كفر بطريق الأولى" اهـ. باختصار. (الصارم المسلول 2/112-115).
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب (2/452) "فإن المسلم لو تكلم بكلمة الكفر كفر".
وقال أيضاً، بعدها بسطرين، "والمتكلم بكلمة الكفر يبطل إيمانه".
والمقصود أن الكفر يكون بالقول ويكون بالعمل، وليس محصوراً في الاعتقاد أو الجحود والتكذيب، كما زعم بعض من لم يحقق المسألة .

فصل

وهاهنا مسألة كثر الكلام فيها في هذه الأزمان، وهي: "الحكم بالقوانين"، هل هو كفر يخرج من الملة أم هو من جملة الكبائر المفسِّقة، كالزنا وشرب الخمر ونحوهما؟
وسألخص الكلام عن هذه المسألة، فأقول، مستعيناً بالله وحده:

الحكم بالقوانين

تواترت آيات الكتاب العزيز على وجوب التحاكم إلى الشرع وحده دون غيره من أحكام البشر وأنظمتهم وقوانينهم، وفي بعض تلك الآيات نفي الإيمان عمن تحاكم إلى غير الشرع، كقوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} وقوله {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به..} الآية. وقوله {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} الآية. وفي بعضها الحكم بالكفر لمن لم يحكم بالشرع المنزل، كقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. إلى غيرها من الآيات.
وظاهر الآيات المذكورة يدل على تكفير المتحاكمين إلى غير شرع الله، سوى الآية الأخيرة، فإن المشهور عن السلف أنه كفر دون كفر.قال ابن كثير في قوله تعالى [ فإن تنازعتم في شيء..] الآية "فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر".
وقال في تفسير {ألم تر إلى الذين يزعمون..} الآية "هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ..".
وأما قوله تعالى {فمن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، فقد نقل ابن كثير قول جمع من الصحابة والتابعين أنها نزلت في أهل الكتاب. ونقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال "ذاك الكفر". وعن السُّدي "ومن لم يحكم بما أنزلت، فتركه عمداً أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين.
وعن ابن عباس أنه قال "من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق".
وعن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله {ومن لم يحكم..} الآية، قال: هي به كفر. قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله".
وفي لفظ عن ابن عباس "ليس بالكفر الذي تذهبون إليه". ونقل ابن بطة في الإبانة (733 – 737) تفسير ابن عباس وغيره لهذه الآية، وجعلها تحت باب "ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج به عن الملة"، وهذا يدل على اختياره لهذا القول، وهو الكفر دون كفر.
ونقل شيخ الإسلام عن الإمام أحمد اختياره لهذا القول. انظر الفتاوى (7/254). وقال شيخ الإسلام "وقال ابن عباس وغير واحد من السلف في قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} {فأولئك هم الفاسقون} {الظالمون}. : كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما". انظر الفتاوى (7/522).
ونقل ابن رجب في فتح الباري له (1/137-138) قول ابن عباس هذا ولم يتعقبه.
قال سمير: وما ذهب إليه بعض الإخوة من تضعيف رواية ابن عباس المذكورة والطعن في إسنادها غير سديد، فقد أثبتها جمع من الأئمة ولم يضعفوها، وحسبك بمن ذكرتهم آنفاً.
ثم إني أقول لهؤلاء: أتقولون بكفر من جار في حكمه من القضاة والحكام، اتباعاً لهواه أو ميلاً لأحد الخصمين، مع اعتقاده بتحريم ما فعله؟
والذي أظنه أن هؤلاء لا يخالفوننا في أن مثل هذا الحاكم الجائر لا يكفر كفراً مخرجاً من الملة، فلا حاجة إذاً لنصب الخلاف فيما لا خلاف فيه، أو لا ينبغي الخلاف فيه.
لكن، يبقى النظر في تشريع القوانين وسنها للناس وجعلها ديناً (أي حكماً)، يتحاكم إليه قوم أو أهل بلد في شئونهم الخاصة أو العامة. والصواب أن هذه المسألة ليست كتلك، بل هذه تدخل في قوله تعالى {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ..}.
فهذه القوانين الحديثة لا تختلف عن تلك الأعراف الجاهلية التي كانوا يحكمون بها ويتحاكمون إليها، وجماعها: الطاغوت. وقد نفى الله تعالى الإيمان عمن تحاكم إلى الطاغوت، فكيف بمن شرعه وسنه وألزم الناس به؟
وقال تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله..} الآية. وفي حديث الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بطاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، وقال "فذلك عبادتهم إياهم".انظر تفسير ابن كثير.
فهذا الذي شرع القوانين وألزم الناس بها، أو جعلهم مخيرين بينها وبين التحاكم إلى شرع الله المنزل، محرِّم للحلال ومحلِّل للحرام، لابد من ذلك. فإذا كان الله تعالى قد ذم الطائعين التابعين للأحبار والرهبان في الأحكام ، وجعلهم بمنزلة عابدي الأوثان، فكيف بالمتبوعين المطاعين المشرعِّين للقوانين؟
وقال الله تعالى {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}.
والأحكام والحلال والحرام من الدين. فسمى الله تعالى المشرعِّين لها شركاء، ذماً للفريقين، الطائعين والمطاعين.
والآيات في معنى ذلك كثيرة تجل عن الحصر. وقد تقدم نقل تفسير ابن كثير لقوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} الآية.
والصورة المطابقة لسن القوانين الحديثة هي : الياسق (ويقال له اليساق، والياسا) الذي ابتدعه جنكيز خان وحكم به بين الناس، فإنه وُصف بأنه مقتبس من أحكام ملفقة من شرائع مختلفة. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون..} "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة من ملكهم جنكيز خان، الذي وضع لهم اليساق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكِّم سواه في قليل ولا كثير".
قال سمير: وكلام ابن كثير رحمه الله صريح في تكفير المتحاكمين إلى قانون "جنكيز خان"، فهل القوانين المعاصرة التي يحكم بها في دول الغرب والشرق تختلف عنه؟
وحتى لا يطول بنا المقام في الشرح، فإني أنقل بعض ما كتبه علماء معاصرون سلفيون في تحكيم القوانين والتحاكم إليها.

كلام العلامة الشنقيطي

وقبل أن أسوق إليك كلامه في "القوانين"، أنقل لك تفسيره لآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. فإنه قال، بعد أن نقل أقوال السلف، ".. وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلاً له أو قاصداً به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها.
أما من حكم بغير حكم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنباً فاعل قبيحاً، وإنما حمله على ذلك الهوى، فهو من سائر عصاة المسلمين..". (أضواء البيان 2/103).
فهذا يوافق تفسير السلف، كما ترى، وهو الذي نقول به ولا ينبغي أن يخالف فيه.
لكن كلامه في تحكيم القوانين والتحاكم إليها يغاير ما ذكره في تفسير الآية السابقة. قال رحمه الله في (4/439) "ومن هدي القرآن للتي هي أقوم، بيانه أن كل من اتبع تشريعاً غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح، مخرج عن الملة الإسلامية.." ثم ذكر قوله تعالى {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} ثم قال {فهو قسم من الله جلَّ وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله مرتكبه يوم القيامة بقوله {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} لأن طاعته في تشريعه المخالف للوحي هي عبادته ..".
قال سمير: فقد فَّرق الشيخ – رحمه الله – بين الحكم بغير ما أنزل الله، وتشريع القوانين، كما فرق ابن كثير من قبل، فيما نقلته لك حين تكلم عن قانون "جنكيز خان".
وأصرح مما تقدم، قوله رحمه الله في أضواء البيان (4/82-84) في تفسير قوله تعالى {ولا يشرك في حكمه أحداً} ، بعد أن ذكر الآيات التي تنص على أن الحكم لله وحده، "ويفهم من هذه الآيات، كقوله {ولا يشرك في حكمه أحداً} أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله. وهذا المفهوم جاء مبيناً في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم. وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى، هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان..} ".
إلى أن قال "ومن أصرح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بيَّن أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى {ألم تر إلى الذين يزعمون..}. " وذكر الآية، ثم قال رحمه الله "وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يَشُكُّ في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم" اهـ باختصار. ثم فصل رحمه الله بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك، فراجعه إن شئت. وانظر كلامه أيضاً في الأضواء (7/168-173) فإنه موافق لمعنى ما ذكره هنا.
وبهذا يظهر الفرق بين حكم الحاكم في قضية – أو قضايا – بغير ما أنزل الله غير مستحل لذلك، متبعاً لهواه، وهو الكفر دون كفر، وبين من سن "القوانين" وشرع "النظم" و"القرارات" المخالفة لشرع الله وجعلها حكماً بين الناس في المنازعات، في الأعراض والأموال والدماء وغيرها، أو في السياسات العامة في التعامل مع الكفار والمسلمين وفي التجارات ونحوها.
ومنه يعرف حكم التحاكم إلى "لجنة العدل الدولية" أو "مجلس الأمن" أو غيرها من الطواغيت الغربية أو الشرقية.

كلام العلامة أحمد شاكر

وله رحمه الله كلام كثير حول هذا الموضوع يوافق كلام الشنقيطي رحمه الله، أنظره في حاشية عمدة التفسير (3/214) عند تفسير قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك..}. فقد ذكر ما ابتليت به البلاد الإسلامية من تحكيم القوانين الوضعية. وقال - رحمه الله – في موضع آخر من عمدة التفسير (4/173-174) عند تفسير قوله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون..} بعد أن نقل معنى كلام الحافظ ابن كثير، الذي قدمناه، "وقد نقل الحافظ المؤلف في تاريخه أشياء من سخافات هذا الياسق (13/118-119) ثم قال (يعني: ابن كثير) فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر. فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين".
قال أحمد شاكر "أقول: أفيجوز – مع هذا – في شرع الله أن يُحكَم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربة الوثنية الملحدة؟ بل بتشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟
إن المسلمين لم يُبلَوا بهذا قط – فيما نعلم من تاريخهم – إلا في ذلك العهد، عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام.
ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلامُ التتارَ، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا، بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيء الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه ولم يُعلِّموه أبناءهم، فما أسرع ما زال أثره.
أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير – في القرن الثامن – لذاك القانون الوضعي، الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد، أشرنا إليه آنفاً: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمن سريعاً فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعتْ.
ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالاً وأشد ظلماً وظلاماً منهم. لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بذاك "الياسق" الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر.
هذه القوانين التي يصطنعها ناس ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء، ثم يجعلون مردَّ أمرهم إلى معتنقي هذا "الياسق العصري"،ويحقرون من يخالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم "رجعياً" و "جامداً" إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة.
بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى "ياسقهم الجديد"، بالهوينا واللين تارة، وبالمكر والخديعة تارة، وبما ملكت أيديهم من السلطان تارات. ويصرِّحون – ولا يستحيون – بأنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين. أفيجوز إذن – مع هذا – لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد ، أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به، عالماً كان الأب أو جاهلاً؟!
أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا "الياسق العصري"، وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟! ما أظن أن رجلاً مسلماً يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتاباً محكماً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال – ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول، بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلاناً أصلياً، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة.
إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداورة. ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام – كائناً من كان – في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها. فليحذر امرؤ لنفسه، "وكل امرئ حسيب نفسه". ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين،وليبلغوا ما أمروا بتبليغه، غير موانين ولا مقصرين.
سيقول عني عبيد هذا "الياسق العصري" وناصروه إني جامد وإني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل. ألا فليقولوا ما شاءوا، فما عبأت يوماً ما بما يقال عني، ولكني قلت ما يجب أن أقول"اهـ.
قال سمير: رحم الله الشيخ العلامة المحدِّث أحمد شاكر، فقد نصح وبلَّغ وأقام الحجة، وهو من أبصر الناس بالقوانين وأحكامها، فإنه أخبر عن نفسه في مقدمة تحقيقه لرسالة الشافعي (ص8) فقال "وقد نشأت في طلب العلم وتفقهت على مذهب أبي حنيفة، ونلت شهادة العالمية من الأزهر الشريف حنفياً، ووليت القضاء منذ عشرين سنة أحكم كما يحكم إخواني بما أذن لنا في الحكم به من مذهب الحنفية.
ولكني بجوار هذا بدأت دراسة السنة النبوية أثناء طلب العلم من نحو ثلاثين سنة، فسمعت كثيراً وقرأت كثيراً، ودرست أخبار العلماء والأئمة، ونظرت في أقوالهم وأدلتهم، لم أتعصب لواحد منهم، ولم أحد عن سنن الحق فيما بدا لي، فإن أخطأت فكما يخطئ الرجل، وإن أصبت فكما يصيب الرجل. أحترم رأيي ورأي غيري، وأحترم ما أعتقده حقاً قبل كل شيء وفوق كل شيء"اهـ نقله.
وممن تكلم في "القوانين" وحكم تحكيمها والتحاكم إليها، جمع من أهل العلم، من أئمة الدعوة النجدية، ولولا خشية الإطالة لسردت من أقوالهم، لكني أكتفي بما قاله الإمام العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، حيث ذكر في رسالته المشهورة "تحكيم القوانين" ما نصه "إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين.." إلى آخر ما جاء في رسالته، رحمه الله.
وله أقوال كثيرة مشهورة في كفر مشرِّع القوانين ، انظرها في فتاواه، وأيدتها فتوى اللجنة الدائمة .
فصل
ومن الأعمال المكفرة أيضاً، موالاة الكفار ومظاهرتهم على المؤمنين، مما نرى له صوراً كثيرة في هذه الأيام، والآيات صريحة في ذلك، ونصوص الأئمة والعلماء كذلك، لا يسع المقام سردها. ومنها تعلم السحر وتعليمه والعمل به، والطواف بالقبور والذبح لها وغير ذلك من مظاهر الشرك.
وفي كتب العلم، صور كثيرة لأعمال وأقوال مكفِّرة، تركت ذكرها خشية الإطالة، ولأن فيما ذكرته كفاية في الدلالة على أن السلف يكفِّرون بالعمل وبالقول دون اشتراط الاعتقاد وأنهم لا يحصرون الكفر في الجحود والتكذيب.
غير أنهم لا يوقعون الحكم على الفاعل أو القائل إلا إذا انتفت الموانع مثل الجهل، والإكراه ونحوهما، كما هو مفصل في مواضع أخرى.

خاتمة

وبعد، فإني أرجو من إخواني السلفيين أن يمعنوا النظر، ويكثروا البحث في كتب السلف ومصنفات "السنة"، وأن لا يجعلوا جل اعتمادهم على كتب المتأخرين المعاصرين، وأن يتحرروا من ربقة التعصب للشيوخ، وإن كانوا أعلاماً في "الحديث" أو "السنة"، أو كانوا رؤوس دعوة أو "صحوة".
وأن لا يجعلوا مصطلح "السلفية" حكراً على طائفة أو شيوخ أو أهل بلد، فيدخلوا فيها من أحبوا وعرفوا ويخرجوا منها من كرهوا أو جهلوا، فتصبح حينئذ من حمية الجاهلية. وأذكر نفسي وإخواني بأمر، أظننا أغفلناه ولم نتعاهده، وهو إخلاص النية في العمل، فإن كثيراً منا ربما اشتغل بالفقه في العمل خشية الوقوع في البدعة، وأغفل ما هو مثله أو أهم منه، وهو الإخلاص. نسأل الله تعالى أن يسدد أعمالنا وأقوالنا ويجعلها خالصة لوجهه، وأن لا يجعلنا ممن يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، منصبٍ أو رئاسةٍ أو مشيخةٍ أو مالٍ وجاهٍ أو غيره، مما يبيع بعض الناس دينهم من أجله.
{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين .

وكتب/ سمير بن خليل المالكي.
5/11/1423هـ.



الموضوع على ملف وورد

 

سمير المالكي
  • الكتب والرسائل
  • الصفحة الرئيسية