اطبع هذه الصفحة


‏ألغاز الدكتور اللحيدان

  

سمير بن خليل المالكي


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدلله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد ، فهذا تعقيب على مقال الشيخ الدكتور صالح بن سعد اللحيدان ، الذي نشر في عكاظ يوم الجمعة 28 رجب ، حيث انتقد الشيخ ما نشرته عكاظ عن وجود قبور بعض الصحابة بجوار مسجد ابن عباس بالطائف.
ولست معنياً هنا بمناقشة هذه المسألة _ إثباتاً أو نفياً _ وإنما أردت أن أعقب على بعض ما ورد في مقال الدكتور صالح من غرائب.
أراد الدكتور أن يبين ضعف رواية ابن إسحق _ صاحب السيرة _ بشأن القبور المزعومة هناك ، لكنه أخطأ خطأً فادحاً في حق ابن إسحق ، وفي حق غيره من أئمة الحديث _ دون أن يشعر _ كما سأشير إليه بعد قليل.
بيد أني استغربت منه ركاكة أسلوبه ، وهذره في أمور خارجة عن أصل الموضوع.
فقد ابتدأ كلامه بقوله: (كنت أزمع إلى وقت قريب أن أضع قواعد تتجه إليها محطات طلاب العلم ، ومن يهتم بمسائل النقد ، وتحرير أدوات الثقافة ، لكن لفتت عكاظ في طرحها يومي 14 و 15 رجب إلى أشياء ذات بال ، رأيت من خلال ذلك أن أبين هنا قواعد سار عليها كبار العلماء عبر العصور ، ولا سيما والحال اليوم داعية إلى مثل هذا من وجه واسع وكبير.
وهذه القواعد كنت أرى أنه لا بد منها، أدركتها جيداً من خلال قراءتي لتراجم مثل: القرافي وابن دقيق العيد والسيوطي والسخاوي و ابن قتيبة وابن جني والمبرد.
وكذا ما نظرته في تراجم الرامهرمزي والبخاري ومسلم وإسحق بن راهويه وخليفة بن خياط وموسى بن عقبة.
فإنني من خلال تدبري وملازمتي لمثل هؤلاء الكبار _ رواية ودراية _ استنتجت كيف اتجهوا صوب التجديد ، وملامسة العقول الحرة المدركة.
استنتجت هذا كله ومثله معه من خلال ما دونه ابن حجر والنواوي والسرخسي وابن قدامة.
وكنت في مكة والمدينة والطائف والقصيم ، وكذا في مصر والأردن ، ألزم طلابي بضرورة الأخذ بقواعد ذات مسار حيوي تظهر لهم بين ثنايا حياة هؤلاء وأضرابهم على مدار القرون.
وقد استفاد كثير من العلماء والمحققين والباحثين (من) سيرهم ومن آرائهم مع جديد كان لا أن يكون ض ( كذا ، وهناك سقط في الكلام من الصحيفة ) .. > .
إلى أن قال الشيخ (أقول : وطلاب العلم وسواهم ، هم أحوج ما يكون إلى قوة العقل المدرك وسعة الصدر ووفرة العلم وجودة القريحة وحسن الخلق ، مع شدة فهم الصحيح والرواية والدراية).
قال سمير: تلك كانت مقدمة مقال الدكتور الغريبة ، وهي _ كما ترى _ لا خطام لها ولا زمام ، وليس فيها ما يخص الموضوع من قريب ولا من بعيد.
وهي أشبه بالألغاز ، أو بمسابقة الكلمات المتقاطعة ، التي يطلب أن تكمل فراغاتها حتى تصبح جملا مفيدة !
يقول : إنه أراد أن يرسم لطلبته داخل وخارج البلاد ( قواعد ) يسيرون عليها .. الخ .
ثم لا يسمي قاعدة واحدة !
ويقول : إنه استفاد تلك ( القواعد ) من قراءته لتراجم مثل القرافي وابن جني والمبرد والسيوطي وابن دقيق العيد والبخاري ومسلم والرامهرمزي وابن قدامة وابن حجر ..الخ .
ولم يذكر لنا ما هي تلك القواعد التي استفادها من التراجم المذكورة.
ومنذ متى كانت التراجم مصدراً لتلقي قواعد العلوم ؟
ثم يذكر أنه استفاد من ملازمته لأمثال هؤلاء الأعلام ، وفهم تراجمهم ( رواية ودراية ) !
ولست أدري ما دخل الرواية والدراية في تراجم العلماء المذكورين ؟
ثم إن مصطلح الرواية والدراية ، يذكر عادةً في علوم الحديث ، فما دخل ابن جني والمبرد وابن قدامة والسرخسي به ؟
والشيخ أصيب بالعيّ في العبارة ، فأخذ يدور في دوامة الخلط في الكلام والمصطلحات.
ومن ذلك قوله: إنه كان يلزم طلبته في الداخل والخارج (بضرورة الأخذ بقواعد ذات مسار حيوي تظهر لهم من بين ثنايا حياة هؤلاء وأضرابهم على مدار القرون ..) !
ما معنى هذا الكلام ؟
وماهي تلك القواعد التي كان يلزم طلبته بها ؟
هل هي من أسرار العلوم التي يخشى أن يبوح بها لأحد سوى طلبته؟
وما معنى : قواعد ذات مسار حيوي؟
هل هي قواعد علمية أم عقلية ؟
قال سمير : لن أطيل أكثر في فك رموز وطلاسم الشيخ ، فقد سقتها أمام القراء ، عسى أن يفلح أحد في ذلك !
وسأنتقل لما هو أدهى من ذلك.
حيث قال بعد تلك المقدمة (ولعل نقطة واحدة فقط تدل على العجلة وسرعة البت فيما يجب التثبت منه بصدق وصحة السند ، دون مجرد النقل ، وذلكم ما كتب عن قبور بعض الصحابة خلف جامع ابن عباس بمدينة الطائف ، فقد قرر الكاتب وأثبت جداً أن الأمر كذلك ، ونقل من ابن إسحق وغيره دون تحرير للسند ، ودراسة علمية موثقة بصحة ما جاء هناك).
ثم قال الدكتور (ومن المعلوم أن ابن إسحق إمام جليل ومؤرخ جيد ، لكنه رحمه الله تعالى مدلس ، والتدليس جرح كبير في الراوي..).
قال سمير : وهذه من سقطات مقالة الشيخ ، وهي السبب الأساس في كتابة تعقيبي هذا.
فصغار طلبة العلم يعلمون أن التدليس ليس جرحاً في الراوي ، بل غايته أن يكون انقطاعا في السند ، ممن لا يقبل منه تدليسه.
ولا ريب أن جرح ابن إسحق (وغيره) بالتدليس ، خطأ فادح ، فكيف بمن يزعم أن ذلك الجرح " كبير" ؟
نعم: قد جرح ابن إسحق بشيئ آخر ، وهو التشيع والقدر ، وتكلم فيه مالك ، ولم يلتفت المحققون لذلك الجرح ، بل صححوا وحسنوا كثيراً من رواياته ، التي صرح فيها بالتحديث ، شأن كثير ممن اشتهر بالتدليس.
بل صححوا _ أحيانا _ بعض عنعناته.
وانتصر له الذهبي في السير ، وذكر أنه حسن الحديث في الأحكام ، وأن مسلماً قد خرج له في المتابعات ، واستشهد به البخاري ، وروى له أصحاب السنن.
وقال الحافظ في التقريب: صدوق مدلس ، رمي بالتشيع والقدر.
وقد ساق له الترمذي حديثا معنعناً ، ثم نقل تصحيح البخاري له.
انظر العلل الكبير [ 1 / 106 ].
ولابن القيم بحث انتصر فيه لحديث ابن إسحق ( حديث الأطيط ) ، مع أنه معنعن ، ورد على من ضعفه فقال (أما حملكم فيه على ابن إسحق فجوابه : أن ابن إسحق بالموضع الذي جعله الله من العلم والأمانة) ، وساق ثناء الأئمة عليه.
ثم قال (وأما قولكم : إنه لم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة ، فعلى تقدير العلم بهذا النفي ، لا يخرج الحديث عن كونه حسنا، فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه).
ثم قال ابن القيم (وفي الصحيح قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس ، كأبي الزبير عن جابر ، وسفيان عن عمرو بن دينار ، ونظائر كثيرة لذلك) تهذيب السنن [ 7 / 94 _ 98 ] .
قال سمير: وشر أقسام التدليس ، تدليس التسوية ، وقد ذكر بعض المتأخرين أنه يقتضي الجرح ، لكن الصواب غير ذلك ، فإنهم قد احتجوا بروايات هذا الضرب من المدلسين ، فيما لم يدلسوا فيه.
وأشهر هؤلاء : الوليد بن مسلم ، وترجمته في كتب الجرح تؤكد ما ذكرته ، فإنه معدود في الثقات .
وأخطر ما يتضمنه ذلك الحكم الجائر ، الذي أطلقه الدكتور _ عن جرح الراوي بالتدليس _ إفضاؤه إلى جرح كبار أئمة الحديث ، ممن اشتهروا بالتدليس ، من رواة الصحيحين وغيرهما : كالحسن البصري وقتادة والزهري وأبي الزبير وأبي إسحق السبيعي وابن جريج والسفيانين .. وعشرات غيرهم من الثقات المشاهير .
وأختم تعقيبي هذا بذكر مسألتين :
الأولى: كثيراً ما يقع الغلط من الرواة في ألفاظ الأداء : كالتحديث والسماع والعنعنة ، ولا يميز الصواب منها إلا المتبحر في هذا العلم، كما ذكر ذلك الحاكم في معرفة علوم الحديث [ ص 109 ] .
وقد ذكر ابن رجب أن الشاميين والمصريين قد يصرحون بالتحديث في رواياتهم ، ولا يكون الإسناد متصلاً بالسماع . انظر فتح الباري لابن رجب [ 3 / 54 ] .
وقال المعلمي (اشتهر في هذا الباب العنعنة ، مع أن كلمة " عن " ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها ، بل هي من لفظ من دونه ، وذلك كما لو قال همام (حدثنا قتادة عن أنس).
فكلمة " عن " من لفظ همام ، لأنها متعلقة بكلمة "حدثنا " ..).
التنكيل [ 1 / 86 ] .
قال سمير: وعليه فلا يصح أن يجزم الناقد بالسماع ، أو عدمه ، بمجرد النظر إلى ظاهر الإسناد ، ثم يؤسس حكمه عليه.
الثانية: كثير من طلبة العلم في زماننا هذا يظنون في أنفسهم الأهلية لنقد الأسانيد والروايات _ وهذه من بلايا هذا العصر _ فإن هذا لا يتأتى لكل أحد ، بل يختص بأهل الشأن من الأئمة ، فرب إسناد ظاهره الصحة، ثم يحكم عليه الأئمة بالضعف ، والعكس.
وذلك لأن طريقتهم كانت تعتمد على سبر الروايات ، لا على مجرد فهم القواعد الحديثية العامة ، وتراجم الرواة في كتب الجرح والتعديل ، كما يظن المتطفلون على هذا الفن.
ولهذا قال ابن رجب (ولهم في كل حديث نقد خاص ، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه).
شرح علل الترمذي [ 1 / 353 ] . وانظر هدي الساري [ ص 384 ] . والتنكيل للمعلمي [ 1 / 64 _ 72 ] .
قال سمير: وشرح هذا يطول ، ومن نظر في أحاديث الصحاح وغيرها ، مما صححه الأئمة ، سيجد أن في بعض أسانيدها كلام ، من حيث الجرح أو الانقطاع ، ومع ذلك فهي صحيحة.
وسيجد في المقابل أيضا ، أسانيد كالشمس ، قد حكموا عليها بالضعف ، بل ربما الوضع .
وأمثلة ذلك تجدها في : علل ابن أبي حاتم والدارقطني والترمذي.
وبعد ، فهذا ما أردت ذكره باختصار ، تعقيبا على مقالة الدكتور ، والله تعالى أعلم.
 

*******************
وكتب : سمير بن خليل المالكي
جوال 0591114011
مكة المكرمة حرسها الله..
الثلاثاء..
٢/٨/١٤٣٤هـ

 

سمير المالكي
  • الكتب والرسائل
  • الصفحة الرئيسية