اطبع هذه الصفحة


توحيد رؤية الهلال

سمير بن خليل المالكي

 
الحمد لله القائل في محكم التنزيل (( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)) الآية .
والقائل (( فمن شهد منكم الشهر فليصمه )) .
والصلاة والسلام على النبي القائل [[ إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا ]] .

أما بعد ، فقد كثر التساؤل بين الناس في هذا العام عند دخول شهر رمضان عن حكم رؤية الهلال لبلد هل يلزم غيرها من البلاد أم لا ؟
وزاد من حيرة الناس في بلادنا التي تأخر فيها دخول الشهر إلى ليلة الاثنين ، لعدم ثبوت الرؤية من أهل هذه البلاد ، عندما رأوا الهلال في الليلة التالية أكبر مما يكون عليه عادة ، فسألني بعض طلبة العلم عن هذه المسألة وحكم هذا الخلاف ، ورأيت من المناسب أن أكتب هذه الورقات موضحاً ما التبس وأشكل عليهم ، عسى الله أن ينفع بها كاتبها وقارئها .

فصل : كبر الهلال

وأبدأ الحديث عن مسألة كبر الهلال وصغره ، فإنها مما أثارت عند الناس الريبة ، وهي مسألة قديمة تكلم فيها العلماء وفيها آثار مشهورة .
روى مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي البختري قال (( خرجنا للعمرة ، فلما نزلنا ببطن نخلة قال : تراءينا الهلال ، فقال بعض القوم هو ابن ثلاث ، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين . قال : فلقينا ابن عباس فقلنا : إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث وقال بعض القوم هو ابن ليلتين ، فقال أي ليلة رأيتموه ؟ قال فقلنا : ليلة كذا وكذا .
فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله مدَّه للرؤية ، فهو لليلة رأيتموه )) .
بوب النووي لهذا الحديث بقوله (( باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وأن الله تعالى أمدَّه للرؤية فإن غم فليكمل ثلاثون )) . شرح مسلم [ 7 / 198 ] .
والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه [ 1919 ] وبوب له بقوله (( باب ذكر الدليل على خلاف ما توهمه العامة والجهال ، أن الهلال إذا كان كبيراً مضيئاً أنه لليلة الماضية لا لليلة المستقبلة ))
وروى الدار قطني في سننه [ 2 / 168 ] بإسناده عن شقيق قال (( جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين ، قال في كتابه : إن الأهلة بعضها أكبر من بعض ، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان )) .

وفي معرض جوابه لسؤال سائل عن الهلال ، أجاب سماحة العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله بقوله [ وأما ما زعمه بعض الناس من صغر الهلال وكونه لم ير ليلة السبت فقد قال الإمام النووي ..] ثم ذكر تبويب النووي وأثر شقيق بن سلمة ، ثم قال [ وفي معنى هذا جملة أحاديث تبين أن لا اعتبار للحساب ولا لضعف منازل القمر ولا لكبر الأهلة وصغرها ، وإنما الاعتبار الشرعي بالرؤية الشرعية ..] . انظر الفتاوى [ رقم 1110 ] .
ويشهد لهذا حديث ذكره الألباني وصححه في السلسلة الصحيحة [ 2292 ] وعزاه للطبراني ونصه (( من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة ، وأن يرى الهلال لليلة فيقال : هو ابن ليلتين )) .
قال سمير : وفي هذا جواب لحيرة السائلين عن كبر هلال رمضان في هذا العام حين رأوه واضحاً كبيراً ليلة الثلاثاء ، ليلة الثاني من رمضان ، والله تعالى أعلم .

فصل

ولنرجع إلى مسألتنا ، وهي : إذا رأى أهل بلد الهلال فهل يلزم الناس كلهم حكم تلك الرؤية ؟
قال الحافظ ابن حجر في الفتح [ 4 / 123 ] عند شرحه لحديث (( .. فلا تصوموا حتى تروه )) مانصه [ وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها ، ومن لم يذهب إلى ذلك قال : لأن قوله (( حتى تروه )) خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم ، ولكنه مصروف عن ظاهره فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد ، فلا يتقيد بالبلد ] .
قال سمير : مراد الحافظ أن حديث (( لا تصوموا حتى تروه )) استدل به من ألزم أهل البلاد الأخرى الصوم لرؤية أهل بلد ، واستدل به الآخرون الذين ذهبوا إلى أن لكل بلد رؤيتهم ، فرد الحافظ على هؤلاء بأن الحديث مصروف عن ظاهره لأنه لا يلزم أن يرى كل من في البلد الواحد الهلال بل يكفي رؤية بعضهم ، فكذلك يقال لأهل البلاد الأخرى .

ثم ساق الحافظ الأقوال في هذه المسألة ، فقال [ وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب :
أحدها : لأهل كل بلد رؤيتهم . وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له . وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق ، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه ، وحكاه الماوردي وجهاً للشافعية ] .
قال سمير : حديث ابن عباس الذي أشار إليه الحافظ رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وفيه أن كريباً مولى ابن عباس ذكر لابن عباس بأنه قدم الشام فرأى هلال رمضان ليلة الجمعة ثم قدم المدينة في آخر الشهر ، فسأله ابن عباس (( متى رأيتم الهلال )) ؟
قال كريب (( فقلت : رأيناه ليلة الجمعة . فقال : أنت رأيته ؟ فقلت : نعم ،ورآه الناس وصاموا ،وصام معاوية ، فقال ( يعني ابن عباس ) : لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه .
فقلت : أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم )) . انظر جامع الأصول [ 6 / 275 ] .
قال الحافظ في الفتح [ ثانيها : مقابله ، إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها ، وهو المشهور عند المالكية ، لكن حكى ابن عبدالبر الإجماع على خلافه وقال : أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُدَ من البلاد كخراسان والأندلس .
قال القرطبي : قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم . وقال ابن الماجشون : لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم ، لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع .
وقال بعض الشافعية : إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً ، وإن تباعدت فوجهان : لا يجب عند الأكثر ، واختار أبو الطيب وطائفة : الوجوب ، وحكاه البغوي عن الشافعي .
وفي ضبط البعد أوجه : أحدها : اختلاف المطالع ، قطع به العراقيون والصيدلاني ، وصححه النووي في " الروضة " و " شرح المهذب " .
ثانيها : مسافة القصر ، قطع به الإمام والبغوي ، وصححه الرافعي في " الصغير " والنووي في " شرح مسلم " ..] إلى آخر ما ذكره الحافظ .
قال سمير : ما قاله ابن الماجشون من أن للإمام الأعظم إلزام الناس كلهم … الخ لا أدري ما دليله ، وحديث ابن عباس يعارضه ، لأن معاوية رضي الله عنه كان الإمام الأعظم إذ ذاك ،ولم يلزم غيره من أهل البلاد برؤيته ، ولم يلتزم ابن عباس رضي الله عنهما ومن معه من أهل المدينة برؤيته في الشام .
بقي النظر في فقه الحديث ، فإما أن يقال باختلاف المطالع أو الأقاليم أو بعد المسافة بين البلدان ، كما ذكر ابن عبدالبر في مثل الأندلس وخراسان .
قال ابن تيمية في الاختيارات [ ص 106 ] (( تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا . فإن اتفقت لزمه الصوم ، وإلا فلا ، وهو الأصح للشافعية وقول في مذهب أحمد )) .
قال سمير : ذهب كثير من الحنابلة إلى توحيد الرؤية واختاره ابن قدامة والمرداوي وصاحب الروض وغيرهم ، كما سيأتي نقله .
قال ابن قدامة في المغني [ 4 / 328 ] (( وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم . وهذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي .
وقال بعضهم : إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها ، كبغداد والبصرة ، لزم أهلهما الصوم برؤية الهلال في أحدهما .
وإن كان بينهما بُعْد ، كالعراق والحجاز والشام ، فلكل أهل بلد رؤيتهم )) .
ثم استدل ابن قدامة على المذهب الذي اختاره بقوله تعالى (( فمن شهد منكم الشهر فليصمه )) وبغير ذلك ، إلى أن قال (( ولأن البينة العادلة شهدت برؤية الهلال فيجب الصوم ، كما لو تقاربت البلدان )) اهـ .وقال المرداوي في الإنصاف [ 3 / 273 ] [ قوله (( وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)) . لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه ، وأما من لم يره ، فإن كانت المطالع متفقة لزمهم الصوم أيضاً ، قدَّمه في الفروع والفائق والرعاية . وهو من المفردات . وقال في الفائق : والرؤية ببلد تلزم المكلفين كافة .وقيل : تلزم من قارب مطلعهم ، اختاره شيخنا – يعني به الشيخ تقي الدين - ..)).
وقال صاحب الروض المربع [ص 123 ] [ (( وإذا رآه أهل بلد )) أي : متى ثبتت رؤيته ببلد (( لزم الناس كلهم الصوم )) ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )) ، وهو خطاب للأمة كافة .. ] اهـ .
وقال في شرح المنتهى [ 1 / 439 ] [ (( وإذا ثبتت رؤيته )) أي :هلال رمضان (( ببلد لزم الصوم جميع الناس )) لحديث (( صوموا لرؤيته )) ، وهو خطاب للأمة كافة ، ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين ، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام ، كحلول دين ووقوع طلاق وعتق معلقين به ونحوه ، فكذا حكم الصوم .. )) ا هـ .
ولشيخ الإسلام بحث نفيس في هذه المسألة ، قال رحمه الله [ قلت : أحمد اعتمد في الباب على حديث الأعرابي الذي شهد أنه أهل الهلال البارحة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس على هذه الرؤية ، مع أنها كانت في غير البلد ، وما يمكن أن تكون فوق مسافة القصر ، ولم يستفصله ، وهذا الاستدلال لا ينافي ما ذكره ابن عبدالبر ، لكن ماحد ذلك ؟ ].
قال سمير : مراد شيخ الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأعرابي عن مكان بلده ، وعليه فيمكن أن يكون الأعرابي الذي رأى الهلال ، ببلد تبعد عن المدينة فوق مسافة القصر ، فلما لم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم عن بلده ، عرف أنه لا اعتبار بمسافة القصر في مسألة الرؤية ، والقاعدة الأصولية تقول (( ترك الاستفصال ينزّل منزلة العموم في الأقوال )) .

ثم قال ابن تيمية [ والذين قالوا : لا تكون رؤية لجميعها ، كأكثر أصحاب الشافعي ، منهم من حدد ذلك بمسافة القصر ، ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع ، كالحجاز مع الشام ، والعراق مع خراسان ، وكلاهما ضعيف ، فإن مسافة القصر لا تعلق لها بالهلال . وأما الأقاليم فما حدُّ ذلك ؟
ثم هذان خطأ من وجهين : أحدهما : أن الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب ، فإنه متى رؤي في المشرق وجب أن يرى في المغرب ، ولا ينعكس ...]
إلى أن قال ابن تيمية [ الوجه الثاني : أنه إذا اعتبرنا حداً ، كمسافة القصر ، أو الأقاليم ، فكان رجل في آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك ، وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئاً من ذلك ، وهذا ليس من دين المسلمين .
والصواب في هذا – والله أعلم – ما دل عليه قوله (( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون )) .
فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد ، وجب الصوم .
وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب ، فعليهم إمساك ما بقي ، سواء كان من إقليم أو إقليمين .
والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد ، فأما إذا بلغتهم الرؤية بعد غروب الشمس فالمستقبل يجب صومه بكل حال ، لكن اليوم الماضي هل يجب قضاؤه ؟ فإنه قد يبلغهم في أثناء الشهر أنه رؤي بإقليم آخر ، ولم ير قريباً منهم ، الأشبه أنه إن رؤي بمكان قريب ، وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول ، فهو كما لو رؤي في بلدهم ولم يبلغهم .
وأما إذا رؤي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلا بعد مضي الأول فلا قضاء عليهم ، لأن صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه ، ولا يمكن أن يصوموا إلا اليوم الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال ، وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه ، فلم يكن يوم صومهم ، وكذلك في الفطر والنسك ..))]
إلى أن قال شيخ الإسلام [ فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله (( صوموا لرؤيته )) فمن بلغه أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً ، وهذا يطابق ما ذكره ابن عبدالبر في أن طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلا بعد شهر ، فلا فائدة فيه ، بخلاف الأماكن التي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر ، فإنها محل الاعتبار ...))] .
إلى أن قال [ فتخلَّص : أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك ، وجب اعتبار ذلك بلا شك ، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك .
ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع ...] انتهى نقله من مجموع الفتاوى [ 25 / 103 – 111 ].
قال سمير : وإنما أطلت النقل من كلامه رحمه الله لنفاسته ، وهو يخالف ما ذهب إليه في الاختيارات من اعتبار اختلاف المطالع ، بينما نص هنا على أن العبرة هي في بلوغ العلم بالرؤية في الوقت الذي يؤدى فيه الصوم أو الفطر ، بمعنى أنه لو بلغهم خبر الرؤية بعد ذلك لم يلزمهم قضاء ذلك اليوم ، والله أعلم .
وعليه فإننا في هذا الزمان ، نرى أن العلم بالرؤية يحصل للجميع في نفس الوقت عبر وسائل الإعلام ، فما المانع من الاعتبار برؤية الآخرين ، خاصة والقائلون بهذا هم من تقدم ذكرهم من الأئمة الأعلام ؟
وليس في ذلك مخالفة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ، إذ ليس فيه أن أهل المدينة بلغتهم رؤية أهل الشام لهلال رمضان قبل الصيام ، فإن ذلك كان متعذراً في تلك الأزمان .
ثم إني أقول : لو نظرنا إلى القول الآخر ، الذي حكى ابن عبدالبر رحمه الله ، الإجماع عليه ، وهو التباعد الكبير بين البلدان ، مثل ما بين خراسان في أقصى الشرق ، والأندلس في أقصى الغرب ، أو ما نقله بعضهم في اختلاف المطالع مثل الشام والحجاز مثلاً ، لوجدنا بأن هذا القول غير معمول به الآن ، لا في هذه البلاد ولا في غيرها ، بل المعمول به هو الحدود المصطنعة التي لا اعتبار بها في شرع ولا عقل .وقد نقلت لك كلام شيخ الإسلام ، وإنكاره على من فرق في حكم الصوم والفطر بين رجلين ، أحدهما في آخر المسافة من الإقليم الأول ، والآخر في أول المسافة من الإقليم الذي يليه ، فصارا متقاربين جداً .
وكذلك نقول فيمن فرق بين أهل نجران ونحوها وبين أهل اليمن ، ومن فرق بين أهل تبوك ونحوها وبين أهل الأردن ، في الصوم والفطر ، بسبب تعدد الولايات واختلاف الأنظمة الحاكمة لهذه البلدان ، في الوقت الذي توحد فيه " الرؤية " بين أقاصي المدن في الشمال والجنوب ، والشرق والغرب ، فبأي اعتبار كان هذا الوفاق وذاك الاختلاف ؟
وحديث ابن عباس حجة على من سوى بين المتباعدين في المسافة لمجرد اتحاد الحكم والنظام ، كما هو ظاهر ، إذ إن ولاية معاوية رضي الله عنه شاملة للبلدان كلها ، وليست خاصة بالشام وحدها .

وأدعو من ولاه الله هذا الأمر من أهل العلم أن ينظر في هذه المسألة من جهتين :
الأولى : تحقيق المصلحة في اجتماع كلمة المسلمين وتوحيد عبادتهم في الصوم والفطر والنسك ، وقطع دابر الخلاف الذي يؤدي إلى الحيرة والشك والوساوس لدى العامة .
الثانية : أن مسألة " الرؤية " موكلة إلى أهل العلم والقضاء والفتوى في جميع الأقطار ، والأمراء والرؤساء تبع لهم في ذلك ، ولا أعلم أن أحداً من الرؤساء يعارض في اجتماع الكلمة في ذلك ، بل الذي أظنه أن ذلك سيلقى قبولاً عندهم ، لأنهم كعامة الناس قد يحصل عندهم لبس وحيرة عند اختلاف الرؤية .
فطالما أن مسألة توحيد الرؤية ليس فيها محذور شرعي وقال بها من تقدم ذكره ، وهي المشهورة في كتب الحنابلة ، وفيها مصالح ظاهرة ، فما المانع من الأخذ بها ؟
وممن قال بهذا القول ، سوى ممن تقدم ، من المتأخرين الشوكاني وتبعه صديق حسن خان رحمهما الله .
قال في الروضة الندية شرح الدرر البهية [ 224 – 225 ] .
[ (( وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة )) وجهه الأحاديث المصرحة بالصيام لرؤيته والإفطار لرؤيته وهي خطاب لجميع الأمة ، فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لجميعهم ..] إلى آخر ما ذكره . وانظر نيل الأوطار [ 5 / 199 ] .
وللشيخ العلامة محمد الصالح العثيمين رحمه الله كلام طويل في شرح الزاد [ 6 / 308 – 312 ] على هذه المسألة ، فإنه ذكر أربعة أقوال ، ابتدأ بالقول المشهور في المذهب وهو اتحاد الرؤية ، وذكر ما فيه من مصلحة اجتماع كلمة المسلمين . ثم ذكر الأقوال الأخرى واختار منها القول الثاني وهو الحكم باختلاف المطالع ، وقوَّى القول الثالث وهو أن الناس تبع للإمام في الصوم والإفطار ، وذكر أنه لو وجدت خلافة عامة للمسلمين وثبتت الرؤية في بلد الخليفة لزم من تحت ولايته في مشارق الأرض ومغاربها موافقته . كذا قال الشيخ رحمه الله ، وقوله معارض لحديث ابن عباس معارضة ظاهرة ، ثم إن الأمراء في زماننا تبع لأهل العلم في ذلك ، وهذا ظاهر أيضاً .

وأختم كلامي بذكر مسألتين هامتين :
الأولى : أن الاعتبار في دخول الشهر إنما هو بالرؤية الشرعية لا بالحساب الفلكي ، فلو بلغنا أن بلداً أعلن دخول الشهر وفق الحساب وعلم النجوم ، كما هو حاصل اليوم في كثير من البلدان ، فإن هذا غير معتبر شرعاً ، وإنما العبرة بالرؤية وثبوتها حسب القواعد الشرعية ومنها عدالة الرائي للهلال .
وكلام أهل العلم قديماً وحديثاً في إنكار الاعتماد على الحساب الفلكي في دخول الشهر ، مشهور ، انظر على سبيل المثال مجموع فتاوى شيخ الإسلام [ 25 / 125 - …] وفتح الباري لابن رجب [ 3 / 67 ] والعمدة في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب )) متفق عليه .
الثانية : أننا وإن كنا نتطلع إلى اجتماع كلمة المسلمين في مثل هذه المسائل الفرعية ، ونرغب من علمائنا وشيوخنا في أقطار الأرض في الوحدة والاتفاق ، ونبذ الفرقة والاختلاف ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، فيما لا يكون مخالفاً لكتاب الله ولا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لمنهج وطريقة السلف ، فإننا نرغب قبل ذلك ونتشوف إلى ما هو أعظم من ذلك بكثير ، وهو اجتماع الكلمة على توحيد رب العالمين في العبادة والحكم والطاعة ، وتوحيد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به ونهى عنه وأن نعلن ذلك على الملأ ونقوله في كل محفل ، ولا نكتفي بالقول دون العمل ، ولا بمجرد الشعارات والأعلام المرفوعة ، ولا بمجرد الدعاء في القنوت وغيره بأن يعز الله دينه ويعلي كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ويحكم في الأرض شرعه ، ثم نخالف ذلك في الواقع ، أو نداهن ونكتم ما أمرنا بتبليغه وبيانه .

وتعجبني رسالة قرأتها للإمام العلامة محمد بن إبراهيم قدس الله روحه ، قال رحمه الله جواباً لما طرحته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية حول البحث في موضوع مواقيت أهلة رمضان والفطر والحج : [ وأفيدكم أن هذه مسألة فروعية ، والحق فيها معروف كالشمس . والفصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين )) . والخلاف في تطبيق مدلول هذا الحديث وغيره بتأويل – اجتهاداً أو تقليداً – مثل نظائره في المسائل الفروعية ، وجنس هذا الاختلاف لابد منه في المسائل الفروعية ، ولا يضر .
إنما الهام : هو النظر في الأصول العظام التي الإخلال بها هادم للدين من أساسه ، وذلك : مسائل توحيد الله تعالى بإثبات ما أثبت لنفسه في كتابه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات ، إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل . وكذلك توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وكذا توحيد الاتباع والحكم بين الناس عند النزاع : بأن لا يحاكم إلا إلى الكتاب والسنة ولا يحكم إلا بهما . وهذا هو مضمون الشهادتين اللتين هما أساس الملة : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، بأن لا يعبد إلا الله ولا يعبد إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم .وأن لا يحكَّم عند النزاع إلا ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم ، هذا هو الحقيق بأن يهتم به وتعقد المجالس والمجتمعات لتحقيقه وتطبيقه . لذا لا أرى ولا أوافق على هذا المجتمع الذي هو بخصوص النظر فيما يتعلق بأهلة الصوم والفطر ونحوهما . وقد درجت القرون السابقة وجنس الخلاف في ذلك موجود ولم يروه من الضار ، ولا مما يحوج إلى الاجتماع للنظر فيه . والسلام عليكم ] الفتاوى [ 1096 ] .

قلت : هذا ما أحببت إيضاحه فيما يتعلق برؤية الهلال والمسألة محل اجتهاد ونظر ولا إنكار فيها على من أخذ بقول معتبر من أقوال السلف ، والله تعالى الموفق للصواب والهادي إلى سبيل الرشاد .

وكتب سمير بن خليل المالكي
8 / 9 / 1424هـ


 

سمير المالكي
  • الكتب والرسائل
  • الصفحة الرئيسية