اطبع هذه الصفحة


الصالحون بين الأمنيات و العِداء

 شائع بن محمد الغبيشي
@0555599


منزلة عظيمة و مرتبة جليلة تمناها و سألها الرسل و الأنبياء و حلم بها ألوا الألباب ، منزلة من نالها فاز في الدنيا و الآخرة ، منزلة من نالها كان ولياً لله فأحبه و تولى الدفاع عنه ، فما هي هذه المنزلة ؟
تأملوا معي هذه الآيات التي تكشف لنا عظم هذه المنزلة و تجلي حقيقتها قال الله جل و علا عن رسله و أنبيائه عليهم الصلاة و السلام : {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 86]
و قال سليمان عليه السلام عليه السلام مبتهلاً إلى ربه فيقول { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } [النمل: 19]
قال إبراهيم عليه السلام {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء: 83]
و قال يوسف عليه السلام {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]
و قال أهل الإيمان من بني إسرائيل :{وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة: 84]
و قال ألوا الألباب :{رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ } [آل عمران: 193]
يا لله رسل و أنبياء أبرار و أتقياء كلهم يسألون الله جل و علا ، ماذا يسالون ؟ يسألون الله أن يدخلهم في الصالحين ، يسألون الله أن يلحقهم بالصالحين ، يسألون الله أن يتوفاهم مع الأبرار .
و لذا عباد الله فمنزلة الصلاح هي أشرف المنازل و أرفعها و أزكاها ، و الصالحون هم أشرف خلق الله
فمن هم الصالحون الذين تمنى الرسل و الأنبياء أن يكونوا منهم و يلحقوا بهم ؟ و ما دلالات ذلك ؟
تعالوا معنا نتأمل النصوص التالية لعلنا نتعرف على إجابة هذا السؤال :
قول الله جل و علا عن بعض رسله : {وَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَ إِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ}[الأنعام: 85]
و قال عن يونس عليه السلام : { فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القلم: 50]
و قول جل و علا عن المؤمنين من أهل الكتاب: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)} [آل عمران: 113، 114]
و قال سبحانه : {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ } [العنكبوت: 9]
إذاً فالصالحون هم الرسل و الأنبياء و العلماء و المصلحون الداعون إلى الله جل و علا الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر و هم العباد المتبعون لهدي النبي صلى الله عليه و سلم المحبون للرسل و الأنبياء و الدعاة و العلماء .

أما دلالات ذلك فيمن أن ذكر بعضها ، فمن ذلك :

أولاً : إذا كان الرسل و الأنبياء قد تمنوا أن يلحقهم الله بالصالحين و أن يدخلهم في الصالحين فحُق لنا أن نتضرع إلى الله عز وجل و نلهج له بالدعاء أن يلحقنا بهم و أن يدخلنا في زمرتهم ، اللهم يا حي يا قيوم ، أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم توفنا مسلمين و ألحقنا بالصالحين .

ثانياً : أن المؤمن الصادق ينبغي له أن يحب الصالحين و يتقرب إلى الله عز وجل بمودتهم و إذا فعل ذلك حقق ثمرة عظيمة و وفاز بالحلم يطمع له كل مؤمن و ذاك بأن يكون مع الصالحين يوم القيامة.

يا أيها المؤمن إذا كان قلبك صادقاً في حبه للأنبياء و المرسلين و العلماء والمصلحين و الأبرار الصالحين فبشرك بشراك ثم بشرك بشرك ثم بشراك بشراك بأن تكون معهم هناك في جنة الله فحدث نفسك بجميل الوصال و طيب اللقاء تأمل معي هذه القصة :
عن أنس رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: (وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) قَالَ: لاَ شَيْء إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) - فطار بها أنس و طار بها صحابة رسول الله فرحاً و سروراً و ابتهاجاً - قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْء فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) . قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ. (متفق عليه).
و عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) (متفق عليه).
قال القرطبي رحمه الله : "وهذا الذى تمسك به أنس رضي الله عنه يشمل من المسلمين كل ذي نفس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين .
و قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : "إن الملائكة يحبون صالحي بني آدم، ويفرحون بهم"
و أعظم الصالحين منزلة اليوم هم العلماء ورثة الأنبياء و الدعاة و المصلحين و الآمرين بالمعروف الذين يقومون بنشر الخير بين الناس .
وما أجمل قول على رضى الله عنه : محبة العلماء دِينٌ يُدانُ اللهُ به .

و لكن لماذا محبة العلماء دين يدان الله به ؟
يجيب على ذلك الإمام ابن القيم فيقول : فإن الله سبحانه عليم يحب كل عليم، وإنما يضع علمه عند من يحبه فمن أحب العلم وأهله فقد أحب ما أحب الله، وذلك مما يدان به" "
نقول ذلك و كلنا طمع أن يحقنا الله بالصالحين و يدخلنا فيهم بمنه و كرمه و أن تمتلأ قلوبنا حباً لهم و إجلال لهم ، و أن يتحول هذا الحب إلى اقتداء وتأسي .
تنبيه : نقول ذلك و نحن في زمن كثرت فيه الفتن و أعداء الدين يجهدون كل الجهد ليحولوا بين الناس و بين العلماء و يحولوا بين الناس و بين الدعاة المصلحين ، لماذا ؟ حتى يحولوا بينهم و بين الصلاح و فعل الخير و لذا دأب أعداء الدين على مر العصور على تشويه صورة الصالحين من الدعاة و المصلحين بكل ما أوتوا من قوة حتى يفصلوا الناس عنهم فإذا لم يتلقى الناس عن العلماء الربانيين تلقوا عن أن أهل الزيغ و الضلال و الانحراف فوقعوا في الفتنة و الزيغ و الضلال و الغلو و الانحراف ففسدوا و أفسدوا فكانوا سبباً لشقاء العباد و البلاد ، و ما نراه اليوم من تفجير و تخريب و قتل إلا ثمرة خبيثة لفصل الناس عن العلماء ، و تزهيدهم في التأسي بهم و الصدور عن توجيههم ، و إلا و الله لو اتبعوا سنن العلماء و هديهم لحققوا النجاة لأنفسهم و مجتمعاتهم .
ثالثاً : الحذر كل الحذر من معاداة العلماء و الدعاة الصلحين و عدم الخوض في أعراضهم فقد حرم الله ذلك جعل فاعله محارباً له سبحانه فقال : ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )
قال الإمام السعدي : من كان متصديا لعداوة الرب ومحاربة مالك الملك فهو مخذول، ومن تكفل الله بالذب عنه فهو منصور .
و قال الحسن بن أدهم : هل لك بمحاربة الله من طاقة ؟
من ذا يقوى على محاربة الله جل و علا تأمل قول الله جل و علا عن رسوله : {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) } [الأعراف: 196، 197]
علينا إخوتي الكرام أن نصون ألسنتنا عن تجريح العلماء و الخوض في أعراضهم و أن نملأ قلوبنا حباً لهم و أن نتأسى بهديهم لعل الله أن يحقنا بهم و يحشرنا في زمرتهم .
سؤال محير : الصالحون الذين تمنى الرسل و الأنبياء أن يلحقون بهم و يدخلهم الله فيهم ، هل لهم أعداء ؟
نعم لهم أعداء فمن هم يا ترى ؟

تعلوا معنا إخوتي الكرام نستعرض بعض أعداء الصالحين :

1/ الكفار و المنافقون من زمن الرسل و الأنبياء إلى يومنا هذا , قد امتلأت قلوبهم حقداً و بغضاً و كراهية للإسلام و أهله فهم يحاربون الإسلام في صورة العلماء و الدعاة و المصلحين و هم يجهدون ليحولوا بين الناس و بين العلماء فلا يألون جهداً في تشويه صورة العلماء و الدعاة و المصلحين حتى ينفروا الناس منهم و يزهدوا في علمهم و أخطرهم أهل النفاق الذين قال الله لنبيه صلى الله عليه و سلم محذراً له منهم : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4} [المنافقون: 4]
الله جل و علا ينبه نبيه و يحذره و يخوفه أن ينخدع بقولهم فيقوله : {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ } تأمل خاتمة الآية : { هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }
أهل النفاق يجهدون في تشويه صورة العلماء و المصلحين يتصيدون أخطاءهم و زلاتهم فينشرونها بين الناس ويزيدون عليها كذباً و زوراً حتى ينخدع الناس بهم فينفروا من العلماء و المصلحين فيكونوا فريسة سهلة لأهل الزيغ و الفساد .
نحن في زمن يموج بالفتن وظف أهل النفاق الإعلام فيه توظيفاً خطيراً حتى أصبح أداة لمسخ العقول و إفساد القلوب و إضلال الناس و إبعادهم عن أهل الخير و الصلاح بكل وسيلة أتوا { قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }

2/ أصحاب الشهوات و الملذات الذين يريدون أن يرتعوا في الشهوات و الملذات المحرمة و يرون أن العلماء و المصلحين يحولون بينهم و بين تحقيق شهواتهم و أهوائهم فناصبوهم العداء و قديماً قال الله عن قوم لوط : {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)} [الأعراف: 82]

3/ أهل البدع و الأهواء الذين تشربت قلوبهم البدعة ، و علموا علم اليقين أن الذي ينغص عليهم بدعتهم هم العلماء و الدعاة الذين سنة النبي صلى الله عليه و سلم و هديه و يبينون بطلان ما هم عليه من البدعة و الخرافة و لذا ناصبوهم العداء .

4/ المتعالمون الذين نالوا بعض العلم و لكنهم أرادوا الشهرة فجعلوا طريقهم إلى ذلك الخوض في أعراض العلماء و التجريح لهم و ربما دفعهم لذلك الحسد عياذاً بالله من ذلك .

5/ بعض أهل الخير و الصلاح الذين أرخوا آذانهم و أبصارهم للمنافقين فخدعوا بمكرهم و كيدهم ، و التبست عليهم الأمور فوقعوا في العلماء و المصلحين و قد قال الله محذراً للصحابة رضي الله عنهم من كيد المنافقين : { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47} [التوبة: 47]

اللهم توفنا مسلمين و ألحقنا بالصالحين ، اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها و ما بطن ، اللهم وفقنا للحق و الهدى و ثبتنا عليه حتى نلقاك ، برحمتك يا أرحم الراحمين .



محبكم : شائع محمد الغبيشي
مشرف تربوي بإدارة التربية و التعليم بمحافظة القنفذة
جوال : 0555599624
البريد الإلكتروني: shaei1406@gmail.com
الاثنين : 24/10/ 1437هـ


 

شائع الغبيشي
  • مقالات تربوية
  • الصفحة الرئيسية