اطبع هذه الصفحة


بصائر رمضانية (3)

بين ابن المبارك وفتاة يتيمة
النظرة العميقة لمعاني التعبد والإحسان

خالد بن عبدالرحمن الشايع

 
خرج عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله مرةً ـ إلى الحج ، فاجتاز ببعض البلاد ، فمات طائرٌ معهم ، فأمر بإلقائه على مزبلة هناك ، وسار أصحابُه أمامه ، وتخلَّف هو وراءهم .
فلما مرَّ بالمزبلة إذا جاريةٌ قد خَرَجَت من دار قريبة منها ، فأخذت ذلك الطائر الميت ، ثم لَفَّتْهُ ، ثم أسرعت به إلى الدار ، فَتَبِعَها ، وجاء إليها فسألها عن أمرِها ، وأخذِها الميتة ؟!.
فقالت : أنا ، وأخي هنا ، ليس لنا شيءٌ إلا هذا الإزار ، وليس لنا قُوتٌ إلا ما يُلقى على هذه المزبلة ، وقد حلَّت لنا المَيْتَةُ منذ أيام ، وكان أبونا له مال ، فظُلِم ، وأُخِذَ مالُه وقُتِل !!.
وأمام هذه الحال المؤثرة ، كيف صنع ابن المبارك ؟!.
لقد أمر بِرَدِّ أحمال القافلة ، وقال لوكيله الذي معه المال : كم معك من النفقة ؟.
قال : ألف دينار .
فقال ابن المبارك : عُدَّ منها عشرين ديناراً تكفينا للرجوع إلى مَرْو ( بلدته ) ، وأعطها الباقي ، فهذا أفضل من حجنا هذا العام ، ثم رجع .

أيها الفضلاء : إن هذه الفتاة لها نظائر كُثيراتٌ وكثيراتٌ اليوم في بلاد المسلمين ، ممن يعيشون البؤس والجوع والتشرد . فالعالم الإسلامي يئن من وطأة مشكلات متراكمة جراء سوء الإدارة لما أودعه الله في بلدانهم من الكنوز والخيرات ، وما يتبع ذلك من الفساد الذي يبغي به القوي على الضعيف ، في ظل غياب الوازع الإيماني وانهيار الذمم إلا من رحم الله.

إن ثمة من الثروات الهائلة بأيدي المسلمين والتي تقدر ( زكواتها ) بالمليارات!! ما لا يزال بعيداً عن نفع الناس ، حتى إن مجموع ما أُحصي مما يجب إخراجه من زكاة أموال تُجَّار العرب في عام واحدٍ : يزيد على ستةٍ وخمسين مليار دولار .

ولكن المشكلة الكبرى : أن هذا المال يحتاج لنَفْسٍ كريمة نبيلة ، وروح أبيَّة نزيهة ، كنفس عبد الله بن المبارك ، نفس يعمرها الإيمان ، ويرفعها التقوى . نفسٍ تدرك أن التعبد لله لا يقتصر على الفرائض الجليلة كالصلاة والصيام والحج ، وإنما يتعدى إلى آفاق رحبة يتجه الإنسان في رحابها إلى إدخال السرور على النفوس المكلومة وإسعاد المهج المحرومة .

( عبد الله بن المبارك : الإمام شيخ الإسلام ، عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته ، الحافظ الغازي أحد الأعلام ، أكثر من الترحال والتطواف في طلب العلم ، وفي الغزو وفي التجارة ، وأغدق الإنفاق على الإخوان في الله وتجهيزهم معه إلى الحج ، توفي في رمضان عام 181هـ رحمه الله ورضي عنه ) .
نسأل الله تعالى أن يَهَبَ لنا من لَدُنه رحمةَ ، إنه هو الوهاب ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


 khalidshaya@hotmail.com
 

خالد الشايع
  • الدفاع والنصرة
  • مقالات دعوية
  • شئون المرأة
  • أخلاقيات الطب
  • بر الوالدين
  • ردود وتعقيبات
  • بصائر رمضانية
  • الصفحة الرئيسية