اطبع هذه الصفحة


بصائر رمضانية (5)

أولئك صُفِّدوا ، فمن يُصَفِّدُ هؤلاء ؟
تعليقاً على فوضى الأعمال التلفزيونية في رمضان

خالد بن عبدالرحمن الشايع

 
مما استقر لدى أهل الإسلام : أن رمضان مجالٌ رحب للإكثار من أنواع الطاعات اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يَخُصُّ رمضان بعبادة لا يخص بها غيره من الشهور .

كما أن أهل الإسلام يحرصون في رمضان على مزيد التقاصر عن أنواع المآثم ، ويبلغ بهم هذا الحرص أن يجتنبوا أشياء من قبيل المكروهات لا المحرمات .
وهذا منهم بالنظر إلى أصل الإيمان الذي في قلوبهم ، والفطرة التي يحملونها بين جوانحهم ، ويُعِينُهم في ذلك ما يهيئه الله من منع مَرَدَةِ الشيطان من التسلُّط عليهم بمثل ما يتسلَّطون به في غير رمضان .

ويوضح هذا ما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إذا دخل رمضان فُتِّحت أبواب السماء ، و غُلِّقت أبواب جهنم ، و سُلْسِلَت الشياطين " ولمسلم : " وصُفِّدت الشياطين " وللترمذي وابن ماجه: " صُفِّدت الشياطين و مَرَدَةُ الجن ".
غير أن ما يدعو للاستغراب أن في مجتمعاتنا الإسلامية فئةً أَبَتْ أن تشارك الجماهير الإسلامية تلك الروحانية الإيمانية الكبيرة ، فراحت تُجدِّف ضد التيار ، بل وتحاول الإخلال بالمشاعر الإيمانية التي يعيشها الناس ، فلم يقتصروا على تأثيم أنفسهم ، بل راحوا يُغْرُونَ الناس بأعمال يجرحون بها حرمة الشهر الكريم ، فجعلوه موسماً لتسويق أخلاقياتهم المخالفة واتجاهاتهم المنحرفة .

وإن أبرز ما يذكر من أمثلةٍ لهذا الاتجاه : ما تبنَّاه عددٌ من المنتسبين لما يسمى ( الوسط الفني ) من برامج وتمثيليات خَصُّوا بها شهر رمضان ، وتعاطوا فيها طروحات مثيرة ، من جهة مساسها واستخفافها بمسلَّمات دينية وأحكام شرعية ، إضافةً للمسلسلات التي لا يتورَّع الممثلون والممثلات فيها عن أنواع العري والتفسخ الأخلاقي .
وقريبٌ من هؤلاء عددٌ من مالكي الفضائيات الخاصة ، وكذلك القائمين على التلفزيونات الحكومية الذين يسوِّقون تلك الأعمال ، ويرتبون لها قبل شهر رمضان بأشهر عديدة ، ويختارون لها أوقات الذروة في المشاهدة ، حيث ينتصب الملايين من عامة الناس أمام الشاشات ، وخاصة الأطفال والنساء والمراهقين والمراهقات ، والذين أوشكوا أن يفقدوا روحانية الشهر ، وترتسم في أذهانهم علاقته بتلك الأعمال المؤسفة .

وقد أردتُ مرةً أن أقف بنفسي على طبيعة ما يعرض على الشاشات في نهار رمضان ولياليه ، فوجدت ما أحزن نفسي وكدَّر خاطري ، وساءلتُ نفسي : هل هذه هي تلفزيونات المسلمين حقاً ؟! إن أعداء المسلمين لو أرادوا الإضرار بالمسلمين بعرض ما يسيء للإسلام لما استطاعوا أن يأتوا بأشد مما صنعه هؤلاء المسلمين والمسلمات .

حتى إن بعض قنوات الرقص والغناء (الفيديو كليب) تعرض الرقص الماجن والكلام الفاحش والقبلات المحرمة ، مع ما يصاحبها من الشريط المتحرك الذي يظهر رسائل (SMS ) واتصالات الشباب والفتيات المراهقين ، وما فيها من الكلمات الداعية للفاحشة ، التي تغريهم بها المشاهد المخلَّة أمامهم ، حتى باتت تلك الشاشات أشبه بمواخير دعارة ومجون ، ولمزيد الاستخفاف تموج الشاشة طيلة ذلك في زاويتها بـ (رمضان كريم ) .

لقد كنت أتساءل في نفسي : إن مَرَدَة شياطين الجن قد صُفِّدت ، فما بال هؤلاء ( الإنس ) لا يزالون على أعمالهم ( المغوية ) والتي بَعُدُوا بها عن الهدى والخير ، وأبعدوا بها غيرهم ، وتأملت ما قاله بعض النبلاء : بأن من الإنس من تألف أنفسهم السوء والفُحش حتى يكون من جملة تكوينهم في كل الأحوال : (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ) [النساء : 27] .

نعم إن الشياطين قد صُفِّدوا ، فمن يُصَفِّدُ هؤلاء ؟. أليس في دول عالمنا الإسلامي من أهل الرشد والغيرة من يأخذ على أيدي هؤلاء ، حتى تحفظ للشهر حرمته ، ويحفظ للناس تعبدهم وإيمانهم . إنها مسئولية مؤسسات المجتمع ، مسئولية المربين والمربيات وقادة الفكر وصُنَّاع الثقافة ، كما أنها مسئولية العقلاء والعاقلات ليحموا أنفسهم وذويهم من أن يكونوا صيداً غِراً لهؤلاء الذين لم يصفَّدوا .
والله المسئول أن يهدينا جميعاً ، ونعوذ به سبحانه أن يزيغ قلوبنا .

 khalidshaya@hotmail.com
 

خالد الشايع
  • الدفاع والنصرة
  • مقالات دعوية
  • شئون المرأة
  • أخلاقيات الطب
  • بر الوالدين
  • ردود وتعقيبات
  • بصائر رمضانية
  • الصفحة الرئيسية