اطبع هذه الصفحة


محاضرة
حدث التاريخ المر

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد  

فيصل بن عبدالرحمن الشدي

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله له الوجوه عنت، وبحمد الأرض والسموات سبحت، بارئ البريات، وعالم الخفيات، وغافر الخطيات، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، ما أشرقت الشمس على خير منه، وما أقلت الأرض أشرف منه، وما أظلت السماء أطيب منه، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار، وأتباعه الأبرار ما تعاقب الليل والنهار، وبعد:
إن الحديث عن الأحزان ووقعها حديثٌ مرّ، وإنك لتتجرع مرارته تجرّعا، إذا كان الحديث عن هذه الأحزان يطرق مسمعيك مفصّلاً مرحلة مرحلة، بل يوماً بيوم، بل لحظة بلحظة.
كيف لا يكون كذا؟ وتلك الأحزان تمثلها فاجعة منيت بها الأمة في قلبا ونبضها، في حياتها ونورها.
نعم، إنها فاجعة الأمة، ونائبة الدهر، حق للعين أن تدمع لها، وحق للحلق أن يشرق بخبرها.
فاجعة الأمة ومصابها حق للقلب عندها أن يئن أنته، وحق للصدر أمامها أن يزفر زفرته.
حق والله للتاريخ أن يبكي، حق وربي للعالم أن يرثي.
لا تلمني يا ساهي، فلكم انفطرت القلوب لهذه الفاجعة انفطارا، وسحّت الدمع غزاراً، الأرض انهدت، والسماء أشفقت، والآفاق أظلمت، ومن ذا الذي لا يعذرها؟! ومن ذا الذي عليه يعاتبها، إنها فاجعة الأمة وحدث التاريخ المرّ، لكم أقضت مضاجع، وأسالت مدامع، وحلت به القوارع، تعذرني في وصفي إذا علمت أن فاجعة الأمة ونائبة الدهر هو حدث وفاة سيد المرسلين، وصفي الخلق أجمعين، محمد بن عبدالله، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى آله وسلّم ما غربت شمس وأشرق صباح.
قالها أنس بن مالك رضي الله عنه خادمه صلى الله عليه وسلم: شهدت يوم دخل المدينة رسول الله فما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه، وشهدته يوم مات فما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه صلى الله عليه وسلم.

إرهاصات ومقدمات وفاته صلى الله عليه وسلم:
1) فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً حتى نزل عليه قول الله تعالى: "إذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً". قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه السورة: نعيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين نزلت فأخذ بأشدِّ ما كان قط اجتهاداً في أمر الآخرة.
وقد لاحظت عائشة رضي الله عنها هذا التغير في دعائه آخر حياته فكان يكثر من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه" فتسأله عن هذا عائشة رضي الله عنها فيقول: "خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من الدعاء بهذا". رواه مسلم

2) ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف كل سنة عشراً في رمضان، فاعتكف في السنة الأخيرة عشرين ليلة، وكان جبريل يعارضه القرآن مرة في رمضان فعارضه في السنة الأخيرة مرتين.

3) ما رواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه، ومعاذاً راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال: يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، لعلك تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

4) ومن ذلك أن خرج للحج في السنة العاشرة، وكان الناس حوله فكان يقول بين الفينة والأخرى: "خذوا عني مناسككم، اسمعوا مني، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا.."

5) ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يرغِّب في كثرة ملازمته والجلوس إليه قبل أن يحرموا من ذلك ففي صحيح مسلم كان صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفس محمدٍ بيده ليأتينّ على أحدكم يوم لا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم".

6) ويأتيه عمّه العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه ويقول: رأيت يا رسول الله في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء بأشطان شداد – أي أن الأرض تجذب إلى السماء بجبال غليظة – فيفسرها صلى الله عليه وسلم ويقول: "ذاك وفاة ابن أخيك".

7) وفي أواخر العام صفر من العام الحادي عشر للهجرة خرج إلى البقيع، فعن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل، فقال: "يا أبا مويهبة إني قد أُمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي" فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: "السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنَ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع أولها آخرها، الآخرة شرّ من الأولى"، قال: ثم أقبل عليّ فقال: "يا أبا مويهبة، إني قد أُوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وخُيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي عز وجل والجنة" قال: قلت بأبي وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: "لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي عز وجل والجنة" ثم استغفر لأهل البقيع. رواه الدارمي الطبراني وأحمد.

o وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11هـ يوم الاثنين شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة بالبقيع، ورجه منها معصوب الرأس، وقد أصاب عائشة رضي الله عنها صداع، فلما دخل عليها قال عائشة: وارأساه، فقال صلى الله عليه وسلم: "بل أنا وارأساه"، أصابه صداعٌ شديد، وأخذته الحمّى حتى إنهم ليجدون حرّها من فوق التي تعصب رأسه، وإذا به صداع الموت، ومرض الفراق، فكان مرضه صلى الله عليه وسلم إلى أن مات ثلاثة عشر أو أربعة عشر يوماً.
ويوماً فيوماً والنبي صلى الله عليه وسلم يثقل به المرض ويزداد، وهو يخرج ويصلّ بالناس، حريصاً على دعوتهم وتوجيههم، يدور على نسائه، وكان يسأل كل يوم أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ أي عند من نسائه، يريد يوم عائشة، فلما كان يوماً في بيت ميمونة رضي الله عنها أم المؤمنين اشتد عليه البأس، وشدة وطأة المرض، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأذنّ له، فانتقل إلى عائشة يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، عاصباً رأسه، تخط قدماه في الأرض حتى دخل بيتها، فقضى عندها آخر أسبوعٍ في حياته، فسكنت نفسه في بيت عائشة وارتاح للتمريض عندها.

o وفي يوم الأربعاء السابع من ربيع الأول قبل وفاه صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام، وعند قرب صلاة الظهر تتقد حرارة بدنه، وشتد به الوجع، فقال: "أهريقوا عليّ سبع قرب من الماء، حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم"، فأقعدوه في مخضب، وصبوا عليه من الماء، حتى طفق يقول: "حسبكم، حسبكم" بعدها دخل المسجد وهو معصوب بعصابة سوداء، وهو بين علي والعباس يتكئ عليهم ورجلاه تخط في الأرض من شدة المرض، فأجلساه على المنبر والناس مجتمعون حوله، والعيون ترتقب حبيبها وإمامها، فلما رأى صلى الله عليه وسلم الناس خطب بهم: "يا أيها الناس، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، يا أيها الناس إني لاقٍ ربي وسوف أخبره بما أجبتموني به، يا أيها الناس، من سببته أو شتمته أو أخذت من ماله فليقتص مني الآن قبل ألا يكون درهم ولا دينار، أيها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه" يقول أنس: فنظرت إلى الناس كلٌّ واضعٌ رأسه بين رجليه من البكاء، وهم يقولون: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله.
ثم نزل فصلّى الظهر بالناس، ثم رجع فجلس على المنبر فقال: "أيها الناس، أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم"، ومعنى كرشي وعيبتي، أراد بهم بطانته وموضع سرّه وأمانته، "أيها الناس، إن عبداً خيّره الله بين أن يؤتى من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عند الله، فاختار ما عنده"، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بأبائنا وأمهاتنا، بقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فعجبنا لبكاء أبي بكر وقوله، وعلمنا فيما بعد أن المخيّر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أبا بكر أعلمنا، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر إلا خلّة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر".

o وفي يوم الخميس قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام، وكان ابن عباس رضي الله عنهما كلما تذكر هذا اليوم بكى ويقول: يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس، ويبكي حتى يبلّ دمعه الحصى.
وبعدما صلّى بالناس في ذلك اليوم صلاة المغرب وقرأ فيها بالمرسلات عرفاً، ثم جاءت صلاة العشاء فلم يستطيع الخروج للمسجد قالت عائشة رضي الله عنها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصلّى الناس؟" قلنا: لا يا رسول الله هم ينتظرونك، قال: "ضعوا لي ماءً في المخضب" وهو المغتسل، ففعلنا فاغتسل فقام ليذهب للمسجد فأغمي عليه ثم أفاق، فقال: "أصلّى الناس؟" قلنا: لا هم ينتظرونك، فقال: "ضعوا لي ماءً في المخضب" فاغتسل وأراد القيام فأغمي عليه خمس مرات، كلما قام أغمي عليه بأبي هو وأمي، وفي الخامسة قال بصوت قد هدّه المرض: "مروا أبا بكر فليصلّ بالناس"، فكرهت عائشة رضي الله عنها ذلك لئلا يتشاءم الناس بأبيها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهيهات هيهات من الذي يُسدُّ مكانه، فقالت: يا رسول الله: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرن لا يملك ومعه، فلو أمرت بغيره، وأشارت إلى حفصة أن تقول مثل قولها: فقال صلى الله عليه وسلم: "إنكن لأنت صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلّي بالناس".
فأتوا إلى بلال وقالوا له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك: مر أبا بكر فليصل بالناس، فيبكي أبا بلال رضي الله عنه، فالإمام العظيم اليوم يترك مكانه، والمحراب سيفقد شخصه الطاهر، اليوم سيفقد بلال والصحابة ذاك الصوت الرخيم المؤثر في القلوب يوم أن يرتل آيات القرآن يهزّ بها القلوب، ألا ما أعسرها من لحظة حق لبلال البكاء، سنيني عدداً وهو لا يصلّي إلا خلفه ولا يرى إلا ظهره واليوم يأتي ليصلي خلف غيره، وأنّى للغير أن يكون مثله.
فيتلفت بلاب وإذا بأبي بكر لم يكن آنذاك موجوداً، فدعي عمر رضي الله عنه ليصلّي بالناس، فعندما سمع صوته صلى الله عليه وسلم صاح من حجرته من حجرة عائشة، وقال: "يأبى اللع ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر، يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر"، فيرجع عمر وينتظر الناس مقدم الصديق رضي الله عنه ليصلّي بالناس صلاة العشاء ذاك اليوم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتقلب على فراشه طيلة تلك الأيام الأخيرة، يسمع الأذان، وكان صوت الأذان حبياً إلى قلبه، أحبّ الأصوات إليه، الله أكبر يوم يرددها بلال صافياً قوياً فتنبعث إلى قلب من أتى بالله أكبر، لكن لا يجيب، فقد صلى الله عليه وسلم أُنس الجماعة - الصفوف حينما تجد وراءه.

فدىً لك من يقصر عن مداك *** فما شهمٌ إذاً إلا فداك
أروح وقد ختمت عل فؤادي *** بحبك أن يحلّ به سواك
إذا اشتبهت دموعٌ في خدود *** تبين من بكى ممن تباكى

وعاده الصحابة رضي الله عنهم ذاك اليوم فقال لهم: "هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده"، فاختلف الصحابة فمنهم من قال أحضروا الكتاب، ومنهم من قال ومنهم عمر حسبكم كتاب الله، إن رسول الله قد غلب عليه الوجع يريدون ألا يقّوا عليه، فلما كثر اللغط عنده، قال صلى الله عليه وسلم: "قوموا عني".
وكان يوصي من زاره من الصحابة ذلك اليوم يوم الخميس بثلاث: بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وألا يبقى فيها دينان، وبإجازة الوفود بنحوا ما كان يجيزهم، وبإنفاذ جيش أسامة بن زيد إلى الشمال، ومن وصاياه أيضاً: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وحل".

o وفي يوم السبت لم يطق صلى الله عليه وسلم صبرا على ترك الجماعة في الصلاة، وأنّى لقلبه أن يتحمل ذاك، فيخرج صلى الله عليه وسلم الظهر، وأبو بكر يصلّي فعندما ما رآه أراد وأن يتأخر فأومأ إليه ألا يتأخر فأجلسه بجانبه فجعل أبو بكر يصلّ وهو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلّون بصلاة أبي بكر.
وعاد صلى الله عليه وسلم إلى بيته والحمى تنفضه نفضاً والحرارة تشتعل في جسده الشريف، تقول عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رجلاً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكاً شديداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجل" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يصيبه أذىً من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها".

o وفي يوم الأحد الحادي عشر من ربيع الأول قبل وفاته، أعتق صلى الله عليه وسلم غلمانه، وتصدّق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح من جارتها، وكانت درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من الشعير.

o وفي يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول يوم وفاته صلى الله عليه وسلم وفي صلاة الفجر يقول أنس رضي الله عنه: كشف صلى الله عليه وسلم ستر حجرة عائشة فنظر إلينا ونحن نصلي الصبح خلف أبي بكر لكأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه، ليصل الصف، ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحاً واستبشاراً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ظننا أنه قد برئ من المرض، فيشير بيده صلى الله عليه وسلم أن أتمّوا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
ويا لله إنه المنظر الأخير، إنه التبسم الأخير، إنه النظر الأخير، لكأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يطمئن على وحدة المسلمين خلف إمامهم، ورأى أثمر غرس دعوته وجهاده، أراد أن يطمئن على صلاتهم في حضرة نبيهم وغيبته، وقد قرت عينه بهذا المنظر البهيج وملأ السرور قلبه، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال: ما أرى رسول الله إلا قد أقلع عن الوجع، وهذا يوم بنت خارجه – إحدى زوجاته – وكانت تسكن بالسُّخ، فركب الصدّيق على فرسه وذهب إلى منزله.
وعند الضحى يدعو صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة فيسرّها بأنه يقبض في وجعه الذي هو فيه فتبكي ثم يسارّها بأنها أول أهله لحوقاً به وأنها سيدة نساء العالمين في الجنة فتضحك.
ورأت فاطمة ما برسول الله صلى الله عليه وسلم من الكرب الشديد الذي يتغشاه فقالت -: وا كرب أبتاه، فقال لها: ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم.
ثم طلب صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين فقبّلهما، وأوصى بهما خيراً، ودعا أزواجه فوعظهن وذكهن.
وطفق الوجع يشتد ويزيد، وقد ظهر أثر السم الذي وضعته له اليهودية في خيبر فكان يقول: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم.
وجلس صلى الله عليه وسلم يردد بين الفينة والأخرى مراراً وتكراراً: "الصلاة، الصلاة وما ملكت أيمانكم"، وبدأت سكرات الموت تعالج روحه الشريفة وكان بين يديه صلى الله عليه وسلم ركوة ماءً، فيدخل يديه الشريفتين فيها ويمسح بهما وجهه ويقول: "لا إله إلا الله إن للموت لسكرات"، وأسندته عائشة رضي الله عنها إلى حجرها، وجعلت تقرأ المعوذات، والعرق يتصبب منه صلى الله عليه وسلم تصبباً عظيماً، فيدخل حينها عليه أسامة بن زيد رضي الله عنه، وقد صمت صلى الله عليه وسلم فلم يقدر على الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، فعرف أنه يدعو له.
ودخل عليهم يعود عبدالرحمن بن أبي بكر وفي يده سواك، فيشخص إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره، فعلمت عائشة رضي الله عنها أنه يريد السواك، تقول عائشة فتناولته وقضمته ولينته له فاستاك به صلى الله عليه وسلم كأشد ما كان يتسوك به في حياته، أخذ يدير السواك في فيه بقوة ليلقى الله طيباً.
تقول عائشة فعندما فرغ منه رفع يده واحسبه وشخص ببصره نحو السقف، وتحركت شفتاه فأصغت إليه وهو يقول: "مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصدّيقين، والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى" ثم مالت يده ولحق بالرفيق الأعلى ضحى يوم الاثنين الثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة وقد تم له ثلاث وستون سنة وأربعة أيام.
اللهم صلّ وسلّم على حبيبنا محمد عدد الأنفاس وعدد ما درج على هذه الأرض من الناس.
اللهم صلّ وسلّم على حبيبنا محمد عدد قطر الأمطار وعدد ورق الأشجار.
اللهم صلّ وسلّم على حبيبنا محمد عدد التراب والحجر، وعدد ما أزهر الزهر وأنتج الثمر.
اللهم صلّ وسلّم وبارك وأنعم على نبينا وحبيبنا محمد ليلاً ونهاراً وسرّاً وجهاراً ومراراً وتكراراً، نشهد بالله أن بلّغ البلاغ المبين، وضحى بدمه والغالي والثمين، ورفع لواء توحيد رب العالمين، ودعا وبشّر وأنذر وذكّر وحذّر فداه روحي وأبي وأمي.

إمام المرسلين فداك روحي *** وأرواح الأئمة والدعاة
ويا علم الهدى يفديك عمري *** ومالي يا نبي المكرمات
فداك الكون يا عطر السجايا *** فما للناس دونك من زكاة
رفعت منازلاً وشرحت صدراً *** ودينك ظاهرٌ رغم الغداة
وذكرك يا رسول الله زادٌ *** تضاء به أسارير الحياة
وأعلى الله شأنك في البرايا *** وتلك اليوم أجلى المعجزات
رسول الله قد أسبلت دمعي *** ونز القلب من لحج البغاة
عليك صلاة ربي ما تجلّى *** ضياءٌ واعتلى صوت الهداة
ولو سفكت دمانا ما قضينا *** وفادك والحقوق الواجبات

تقدمت فاطمة ابنته صلى الله عليه وسلم إلى جثمان الشريف وهي تبكي وتقول: يا أبتاه، أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه".
وسجته عائشة رضي الله عنها ببرد عندها، وبلغ الخبر المسلمين فإذا به كالصاعقة على نفوسهم، الدنيا عليهم أظلمت، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، والمدينة لهم استوحشت فما هي بالتي يعرفون، ولا والله على ذلك يلامون، واجتمعت الجموع حول بيته صلى الله عليه وسلم ما بين مصدّق ومكذّب.
يقول ابن رجب رحمه الله: اضطرب المسلمين فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أُقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام...
ويقف عمر رضي الله عنه أمام الناس عند بيته صلى الله عليه وسلم وقد أخرجه الخبر عن وعيه ويقول: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفّي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليُقطّعن أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون أنه مات.
وفي هذه الأثناء يأتي أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه وأرضاه، وكان بالسُّخ في أطراف المدينة، ويشق الجموع نحو الجموع نحو غرفة عائشة لا يكلم أحد، ويتجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشّى بثوب - فيكشف عن وجهه، ثم يكبُّ عليه يقبله ويبكي وهو يقول: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متهّا.
ثم يخرج للناس وعمر يخطب في الناس، فقال له أبوبكر: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إلى أبي بكر وتركوا عمر، فيخطب ويقول كلمات الحق وهي مرة عليه، لكن الله أحق من كل شيء، أما بعد: فمن كان منكم يعبد محمداً فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت ثم تلا قول الله تعالى: "مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ" عندها أيقن الناس الخبر، وسقط عمر رضي الله عنه لم تحمله رجلاه على القيام، وضج الناس بالبكاء، وكلّ منهم يردد الآية: "ومَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ...".

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر *** فليس العين لم يفض ماؤها عذر
ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة *** غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر

وبدأت عيون الصحابة تتقلب يرون منبره الذي طالما خطب فيه، ويرون محرابه الذي لو طالما بكى وأبكى فيه، ويرون مسجده فيذكرون حلقاته، وطيب لقاءاته، والعيون تسحّ الدمع غزاراً لتبل الثرى الذي طالما وطئته قدماه الشريفتان.

يبكون من تبكي السموات يومَه *** ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يوماً رزية هالك *** رزية يومٍ مات فيه محمد
وأمست بلاد الحُرم وحشاً بقاعها *** لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
ومسجده فالموحشات لفقده *** خلاءٌ له فيها مقامٌ ومقعد
فابكي رسول الله يا عين عبرةً *** ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
ومالك لا تبكين ذا النعمة التي *** على الناس منها سابغٌ يتغمّد
فجودي عليه بالدموع وأعولي *** لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد *** ولا مثله حتى القيامة يفقد


نعم، غاب عن الدنيا أكمل إنسان، وأعظم بشر سار على تربتها، نعم لقد مات أعظم القادة وأعظم المربين وأعظم الدعاة، أعظم حاكمٍ عرفته الدنيا وأحسّ به التاريخ، مات خاتم الأنبياء والمرسلين، وخليل رب العالمين.

o ولما بويع أبو بكر رضي الله عنه أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، فاجتمع علي بن أبي طالب، والعباس بن عبدالمطلب، والفضل بن عباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجتمعوا لغسله فجاء أوس بن خولي الخزرجي وقال لعلي بن أبي طالب: أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي: ادخل، فدخل فجلس وحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلفوا هل يغسلونه صلى الله عليه وسلم كما يغسل الميت فيجردونه من ثيابه؟ أم من فوق ثيابه؟ فبينا هم كذلك إذا أخذهم النوم وسمعوا هاتفاً يقول: اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من فوق ثيابه ولا تجردوه، فغسلوه وعليه قميصه.
فأسنده علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى صدره وعليه قميصه يدلكه به من وراءه لا يفضي بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيّاً وميتاً، ولم يرَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء مما يرى من الميت.
فلما انتهوا من غسله صلى الله عليه وسلم كفّن في ثلاثة أثواب أرج فيها إدراجاً.
فلما فرغ من جهازه وضع على سريره في بيته، وقد اختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما قُبض نبي إلا دفن من حيث قبض"، فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي عليه فحفر له تحته، ثم دخل الناس يصلّون عليه أرسالاً، دخل الرجال، حتى إذا فرغوا دخل الصبيان، ثم النساء، ذكر الشوكاني أن من صلّى عليه صلى الله عليه وسلم يبلغون سبعة وثلاثون ألفاً من الرجال والنساء والأطفال.
ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد، وقد نزل في القبر مغسلوه ووضعوه في لحده وبنوا عليه اللبن، وأهال التراب الصحابة عليه، والحزن يعصر قلوبهم، والكمد يفتّ أكبادهم، والدمع ينسبل من عيونهم، وما سمعت النساء صوت المساحي إلا بكن وتقرحّت عيون بالبكاء عليه، تقول فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس وهي تبكي: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب. وكان دفنه وسط الليل ليلة الأربعاء.
ثم جاءت المراثي تتراً تتدفق كالبحر حزناً على الحبيب صلى الله عليه وسلم، فهذا حبيبه وقريبه وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه يبكيه ويرثيه قائلاً:

لما رأيت نبينا متجندلاً *** ضاقت عليّ بعرضهن الدور
فارتاع قلبي عند ذاك لموته *** والعظم مني ما حييت كسير
أعتيق ويحك!! إنّ خلك قد ثوى *** والصبر عندك ما بقيت يسير
يا ليتني من قبل مهلك صاحبي *** غُيّبت في لحد عليه صخور
فلتحدثنّ بدائع من بعده *** تعيا لهن جوانحٌ وصدور


الدروس والعبر من حادثة وفاة سيد البشر صلى الله عليه وسلم:
1) كفى بالموت واعظاً.. الموت الأجل المكتوب، والغائب المرهوب، يذهب الإنسان ويأتي، وفي ملاهي الدنيا يلتهي، وفي شهواتها ومتعها يمضي، ثم تأتي ساعة الموت لا محيد عنها، ولا مفرّ من مذاقها، "جَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ" أشرف من عرفته الدنيا، وخير من أشرقت عليه الشمس ذاق الموت عانى غصصه، تجرّع كأسه، هزته سكراته، وغمرته غمراته، فأنت لابد ملاقيه، فأنت لابد ملاقيه "كلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ"، لكم شغلتنا الدنيا، وألهتنا زينتها، وغرّتنا أموالنا وأهلونا، ومناصبنا ومساكننا أغفلتنا عن تذكر الموت الذي لابد من لقائه، يا من تسمعني!! ماذا أعددت لساعة الموت؟ ماذا أعددت للسكرات والأهوال المفجعات؟ سل نفسك ماذا أعددت لها؟!

2) قضية التوحيد هي أسّ القضايا، وحماية جنابه هي رسالة الحبيب صلى الله عليه وسلم العظمى فيرددها مراراً ويكررها وهو في مرضه الشديد: "لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ليحذر من الشرك ووسائله لئلا بجرح التوحيد وينقصه، ومما يؤلم القلب اتخاذ القبور مساجد في العالم الإسلامي والطواف حولها وتقديم القرابين لها، وهذا عين ما حذّر منه صلى الله عليه وسلم.

3) كان من آخر وصاياه صلى الله عليه وسلم يوصي بها حتى انقطع صوته "الصلاة.. الصلاة.." فما أعظمها؟ وما أسوأ التفريط فيها، الصلاة الكتاب الموقوت، الصلاة الخشوع لعظمته، والخضوع لربوبيته، هي غذاء القلب، ومناجاة الرب.
المرض يطأ على كاهله صلى الله عليه وسلم وهو يصلّ بالناس، لم يترك الجماعة فيها إلا يوم أن قام مرات عديدة ويغشى عليه ويسقط، يوم أن لم تحمله رجلاه ترك الجماعة، ومع ذلك ما طاق صبراً لتعلق بها وحبها إياها خرج لصلاة الظهر يوم السبت قبل يومين من وفاته، وآخر نظرة ألقاه على صحبه يوم الاثنين هي في الصلاة، فأين المعظمون لها، القادرون حق قدرها؟!.

4) ويقترن بالصلاة "وما ملكت أيمانكم" تلك الفئة التي هي مظنة الضعف والانتقاص من الناس، ومثلهم في الاستضعاف الخدم والعمّال والأجراء؟ أو ظنك أن مظالمهم لا ينتصر لها فاطر الأرض والسماء.

5) في لعنة صلى الله عليه وسلم لليهود والنصارى تذكيراً بأن هؤلاء هم الأعداء للمسلمين في كل عصرٌ "لَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ".

6) يوصي صلى الله عليه وسلم آخر حياته بإخراج المشركين من جزيرة العرب، لكن يأتي السؤال هنا بالمقصود بجزيرة العرب؟ ويفرق بين الإقامة الدائمة والعارضة، والخطاب في إخراجهم هو لولي الأمر، وكيف يخرجون؟ كل هذه مسائل مهمة يجب فيها الرجوع إلى أهل العلم، وإلا فهي مزلّة أقدام، زلّ فيها قوم بالاعتداء والتفجير هدانا الله وإياهم للحق.

7) العزاء في كل المصائب بمصيبة موته صلى الله عليه وسلم وفقده ففي سنن بن ماجه وصححه الألباني يقول صلى الله عليه وسلم: "فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة أشد عليه من مصيبتي"، وكان أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه إذا عزى رجلاً كان مما يقول له: "اذكروا فقد رسول صلى الله عليه وسلم تصغر مصيبتكم وأعظم الله أجركم".
ويقول ابن كثير: فيا لها من مصيبة ما أصابنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكر مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم.

8) أن الدعوة لا ترتبط بالأشخاص أو الأحزاب أو الجماعات، وإنما الدين دين الله قائمٌ على الكتاب والسنة، فيذهب الأشخاص ويموتون، ويقبض الله لهذا الدين من يحمله جيلاً بعد جيل، والله سبحانه يقول: "مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ".

9) أنه عند الخلاف والنزاع المرجع إلى الكتاب والسنة، كما رد أبو بكر رضي الله عنه الأمة إلى الكتاب الكريم وتلا عليهم: "مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ..."، والأمنة على نصوص الكتاب والسنة في معرفة دلالتها وتأويلها هم العلماء، فهم صمام الأمان بعد الله عز وجل، فالرجوع لهم والصدور عنهم هدى وسداد.

10) مع الخلاف الذي وقع بين الصحابة عند كتابة الكتاب لهم وهل مات أم لا؟ ومن هو الخليفة بعده؟ واختلافهم في مكان دفنه وغيرها، ومع هذا لم يتجاوز الخلاف أن يكون خلافاً في الرأي مع بقاء المودّة والاحترام والتآلف وإحسان الظن ولم يقعوا في التباغض وتراشق ألفاظ التبديع والتفسيق واتهام النيات كما هي شأن بعض الخلافات اليوم.

11) مشروعية التحلل من ظلم الناس، أو من شك أنه ظلمهم قبل أن لا يكون درهم ولا دينار قبل قصاص يوم القيامة، يوم أن يكون القصاص بالحسنات والسيئات فهذا إمام العالمين، وأشرف الناس خلقاً يتحلل أصحابه وأحبابه قبل وفاته، فنحن وربي أولى بذلك وأحرى.

12) من وصاياه صلى الله عليه وسلم الأخيرة إحسان الظن بالله عز وجل، وهذه جدّ مهمة، فمهما ادلهمت الخطوب ، واشتدت الكروب فأحسن الظن بربك وهو الذي قال سبحانه: "أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء".

13) التحذير من الدنيا والمنافسة عليها، كان يخشاها صلى الله عليه وسلم "أخوف ما أخاف عليكم الدنيا أن تبسط لكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهللكم كما أهلكتهم"، نعم الدنيا الغرّارة، وكم غرّت من أناس؟ الدنيا الغدّارة وكم غدرت بأنس؟ وكم هم الهائمين فيها الغافلين عن الله.

14) بيان فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يصرّ صلى الله عليه وسلم على إمامته في الصلاة، يثني عليه في الخطبة، يثبت المؤمنين بكلماته عند موته.

15) يحرص صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت أن يبيت كل ليلة عند التي هي ليلتها من زوجاته، يُحمل من بيت إلى بيت حرصاً على العدل بين نسائه حتى ثقل، فاستأذن منهن في التمريض عند عائشة، فأين الجائرون في حق زوجاتهم يتعلموا من عدله.

16) فضيلة عائشة رضي الله عنها، يحب صلى الله عليه وسلم أن يمرّض عندها، مات في حجرها.

17) فضيلة الأنصار ووصيته صلى الله عليه وسلم بهم.

18) فضيلة السواك وحرص صلى الله عليه وسلم عليه حتى آخر حياته.

19) مشروعية الدعاء في سكرات الموت بأن يهوّن الله السكرات وكذلك وكذلك تبليل الوجه بالماء.

20) جواز زيارة المقابر ليلاً كما زار صلى الله عليه وسلم البقيع ليلاً.

21) فضيلة ابنته فاطمة رضي الله عنها وأنها سيدة نساء العالمين في الجنة.

22) حبه صلى الله عليه وسلم للحسن والحسين وطلبهما في آخر حياته وتقبيلهما فهم سيدا شباب أهل الجنة.

23) جواز تقبيل الميت ورؤية وجهه والإنكباب عليه كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

24) لا يجوز دفن الإنسان في بيته، وما كان من النبي صلى الله عليه وسلم فهو خاصٌّ به.

الخاتمة
 


 

فيصل الشدي
  • مقالات ورسائل
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية