اطبع هذه الصفحة


منكرات الأعراس

الشيخ فيصل الشدي

 
الحمد الله رب العالمين، يقص الحق وهو خير الفاصلين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
أيها الناس، اتقوا الله واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119].
عباد الله، تُسَرّ العين وتأنس الأذن وينشرح القلب وتطيب النفس عندما نسمع ونرى ذلك البناء العظيم الذي سيبدأ بنيانه، وأهله يعدّون العدة لإقامته وإتيانه، وكيف لا يكون عظيمًا والله سبحانه قد تفضّل به منة وإنعامًا؟! بل حثّ عليه، ونبيه صلى الله عليه وسلم وجَّه إليه صيانة للإنسانية وإكرامًا، به يقطع الشر ويشيع الطهر ويحفظ الفرج ويُغض البصر، علكم عرفتموه، وما رُمته فهمتموه، إنه الزواج، آية من آيات الله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21].

وفي مثل أيام الإجازات تكثر الزيجات، فلله الحمد والمنَّة، لكن المقام وحال كثير من الأنام في مثل هذه الأيام، يستوجِب العظة والذكرى، نصحًا وتذكيرًا لأولى الأحلام والنهى.

ذاكم ـ يا رعاكم الله ـ مما نشاهده بأمّ أعيننا، وأخباره تملأ أسماعنا، بل ولربما صنعته أيدينا ومن غيرنا وأهلينا من منكرات وخطيئات، تعجّ بها أفراحنا وتمحق بركة أعراسنا، دعونا ـ يا عباد الله ـ نتحسّس الداء، علّنا نتوب ونستغفر ونعرف وننكر ونجانب ونحذر، علَّ الله أن يرحمنا ويسبغ نعمه علينا ولا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

إن وليمة العرس ـ يا رعاكم الله ـ سنة مؤكدة وحثّ عليها الإسلام ورغّب، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن عوف: ((أولم ولو بشاة))، ولا خلاف بين أهل العلم في شرعية إجابة الدعوة لها، بل بعضهم يرى وجوب إجابتها لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، والناس في هذا الزمان ولله الحمد أولموا ولم يقصّروا، وأجاب كثيرهم ولم يتمنعوا، ولكن السؤال: كيف وضع هؤلاء عرسَهم؟ وما حدث فيه؟ وكيف أولئك أجابوا؟ وما صنعوا فيه؟

لقد عمت في هذا الزمان والعياذ بالله منكرات الأفراح وطمّت، وما منشأ ذلك إلا الجهل بدين الله وقلة الخوف من الله والأمن من مكر الله وتقليد الآخرين والتفاخر والرياء والسمعة وعدم القيام بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضعف كثير من الرجال وتسليم القيادة والقوامة للنساء والتهاون واحتقار المعصية، كل واحدة مما مضى تسهم بسهمها في إشاعة منكرات الأعراس وكثرتها.

أما منكرات الأعراس فهي قسمان: مخالفات في الزينة لها، ومخالفات في ليلة الزفاف نفسها، أما مخالفات الزينة فهي كثيرة، من أهمها ما يلي:
1- لبس غير الكاسي من الثياب بالنسبة للنساء حتى إن الداخل لأسواقنا ليرى ألبسة عجيبة يستنكر العقلاء فضلاً عن ذوى الإيمان أن تلبسها النساء، ثياب رقيقة وأخرى عارية تبدي جزءًا من المرأة، وألبسة مخرمة وكذا القصيرة والمفتوحة من الجوانب والضيقة التي تصف حجم الأعضاء، وحدث ولا حرج عن البناطيل والصدور والنحور بادية وأسافلها مفتحة، والحجة: موديل العصر ونحن أمام النساء. يا سبحان الله، أين هنّ مما جاء في مسلم يقول صلى الله عليه وسلم : ((صنفان من أهل النار لم أرهما قط))، وذكر: ((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها))؟! ورد في تفسير كاسيات عاريات أنها تستر بعض بدنها وتكشف بعضه، أو تلبس ثوبًا رقيقًا تصف بدنها.
وفي جواب اللجنة الدائمة للإفتاء لمن تلبس ما شاءت مما سبق وتحتج أنها أمام النساء قالت اللجنة: وقد دل ظاهر القرآن على أن المرأة لا تبدي للمرأة إلا ما تبديه لمحارمها مما جرت العادة بكشفه في البيت كانكشاف الرأس واليدين والعنق والقدمين، وأما التوسع في الكشف فعلاوة على أنه لم يدل دليل على جوازه، فهو طريق لفتنة المرأة وتشبه بالكافرات والبغايا الماجنات في لباسهن، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم)).
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "لابسة البنطلون تدخل في حديث: ((صنفان من أهل النـار)) الآنف الذكر حتى ولو كان واسعًا فضفاضًا".

2- عدم التزام الحجاب الشرعي، بل أصبح الحجاب ذاته عند بعضهن تجمّل ومباهاة، وذلك بلبس العباءات المطرّزة وأغطية الوجه المخالفة للشرع والنقابات الواسعة ووضع العباءة على الكتف ولبس الكاب وغيرها، وما سبق فتاوى العلماء فيه ظاهرة واضحة بالحرمة، لا يعرض عنها إلا المكابرون الذين يستمدون تحليلها من أهوائهم ورغباتهم والحجة: لا أظن أنه حرام، وماذا فيها؟!

3- ما تفعله كثير من المتزوجات من لبس ثياب بيضاء تسمّى التشريعة، وربما كانت طويلة ولا تستطيع المشي بها حتى يحمله معها عدد من النساء، وتلبس معها شرّابًا أبيض وقفازين أبيضين، وهي من الأعراف الفاسدة الدخيلة على المسلمين، ناهيك ما فيها من الرياء والسمعة والإسراف والتبذير، تُشرى بغالي الأثمان من أجل أن تلبس مرة واحدة ولمدة ساعـات، {وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام:141].

4- المبالغة في تفصيل الثياب من الحاضرات والمباهاة بها لمجرد أن تلبس مرة واحدة في إحدى المناسبات، والراقية من تلبس الأغلى ونسيت حساب العلي الأعلى.

5- ومن المخالفات بالنسبة للرجال إسبال الثياب والمشالح إلى أسفل الكعبين، وقد أخرج مسلم في صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)) منهم المسبل إزاره.

6- لبس الباروكة وهي حرام فهي واصلة، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لعن الواصلة والمستوصلة)).

7- الذهاب إلى محلات تصفيف الشعر ووضع المساحيق وهي ما تسمّى بالكوافيره، فتدخل المرأة في مكان لا يؤمَن عليها فيه، بل قد تصوَّر وهي لا تعلم، بل بعضهن تبدي من جسدها ما لا يحلّ بحجة التنظيف، والله المستعان.

8- قص الشعور أو تسريحها على وجه يشبه ما عليه الكافرات وهذا محرم، أو تجمع الشعر بطريقة مائلة فوق رأسها فتدخل في وعيد نبيها: ((رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة)).

9- حلق ما يحرم حلقه من الشعر، فتحلق المرأة حواجبها وهذا هو النّمص، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن النامصة والمتنمصة، وكذلك حلق الرجل لحيته يريدون الجمال زعموا، وهل عرفت الدنيا أجمل من محمد صلى الله عليه وسلم ؟! كان كث اللحية، وهو القائل: ((جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى)). ومن ذلك أيضًا تخفيفها أو تحديدها ونحو ذلك.

10- صبغ اللحية بالسواد، وهذا ما يفعله بعض كبار السن في المناسبات، وعند الإقدام على الزواج خاصة، فأين هم عما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة)). وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله بحرمته. ألا فليتق الله أولئك، وحجتهم: فلان يعمله وفلان يعمله، ألا إن كل نفس بما كسبت رهينة، ولن يحاجّ أحدٌ عن أحد.

11- خروج النساء من بيوتهن متعطرات ومرورهن أمام الرجال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم المرأة إذا مست بخورًا أن تأتي إلى المسجد، فكيف بالله إذا خرجت لغيره؟!

12- لبس الكعب العالي، وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بحرمته.

13- إطالة الأظفار، فإن كان تشبهًا فلا شك في حرمته، وإن كان هوى فهو خلاف الفطر المستقيمة.

حفظ الله أعراضنا وأعراضكم، ووقاني الله وإياكم الشر وأسبابه والحرام وبابه، إنه سميع قريب سريع الاستجابة.

عباد الله، نأتي نحن وإياكم الآن إلى حفلة الزفاف نفسها، وفي جعبتها ما فيها من مخالفات وحَيْدة عن تعاليم دين ربها، فمن ذلك:
1- الإسراف في حفلات الزفاف ابتداءً من بطاقات الدعوة والمغالاة فيها شكلاً ومضمونًا وعددًا وطباعة، والوريقة اليسيرة بل والمكالمة تجزئ عنها، ولكنه التباهي والتفاخر، وانتهاءً بقصور الأفراح والمباهاة فيها، بل تطور الأمر ببعضهم إلى إقامة حفلات الزفاف في الفنادق بمبالغ طائلة، وكذلك الإسراف في المطاعم والمشارب، وذاك عند النساء خاصة، ومن بعدهن الرجال، فلم تكتف النساء بطعام الوليمة، بل انظر إلى ما قبلها عند الاستقبال وبعدها من لذائذ الأطعمة، وصرف مئات بل آلاف الريالات عليها، ناهيك عن رؤوس المواشي ثم أين مصيرها؟ لقد رأيته ـ والله ـ بأم عيني هاتين والبُخار الحار يتعالى منها وهي مرمية في حاوية كبيرة للنفايات، فرحماك يا إله العالمين، وعفوك يا أرحم الراحمين، أمم تتباهى بأطعمتها نوعًا وكمًّا، وترمي بزائدها، وإخوانها في العقيدة والدين في مشرق الأرض ومغربها يبحثون عن فتات الخبز، ألم تروا ألم تقرؤوا عن النساء المسلمات في تشاد وهن يبحثن في بيوت النمل عن حبة القمح ليأكلوها؟! أين نحن؟! وأين هم؟! وبماذا سنجيب ربنا عنهم؟!

اخشوا عقوبة الله وغضب الله، فأمره بعد الكاف والنون، وما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال. اثنان وعشرون آية في القرآن يعيب الله فيها المسرفين وكفــاك: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر:43].
تفننوا في عرض حلوياتهم وعرض أصناف مطعوماتهم، ألم يفكروا في أسر مسلمة قريبة منهم تحتاج الواحدة منهم لقمة لتسدّ جوعتها أو بعض نقود لتفك عوزتها؟! استرخصوا الآلاف في ولائمهم، وشحّوا بالمئين، بل ما دونها فيما يدعوهم إليه ربهم، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

2- تخصيص الدعوة إلى الوليمة للأغنياء دون الفقراء، والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: ((شر الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليه الأغنياء ويترك الفقراء)).

3- حضور النساء إلى حفلات الأعراس وغيرها بلا محرم، بل مع السائق وخروجهن معه، فوليها لا طاقة له بانتظارها، فالعرض العرض.

4- التصوير وهذا حرام بلا شك، ولا يرضى عاقل أن تلتقَط صور لمحارمه ونسائه فضلاً عن ذي إيمان ومروءة، ويزيد الأمر قبحًا إذا صوّر لقاء النساء ورقصهن بكاميرات الفيديو، فالعار العار والشنار الشنار.

5- جلوس الزوج وزوجته على المنصّة أمام النساء، بل ولا تتحجّب كثير من النساء عند دخوله، ولكأن التكليف رفع تلك الساعة، قلة حياء، وهذا ـ وربي ـ شر البلاء.

6- دخول بعض الرجال كإخوة العريس عند النساء ورقصهم وإنشادهم الأشعار، أو دخول خدم الفنادق وقصور الأفراح من الرجال لخدمة النساء، ومثله دخول بعض المراهقين والحجة صِغر سنه وهو ابن الخامسة عشر بل وإلى الثامنة عشر وتزيد، فأين الغيرة يا رعاكم الله؟! والحجة: نحن في ليلة فرح، ولكأن ذلك من الضرورات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

7- والبلية العظمى والطامة الكبرى إحياء حفلة الزفاف زعموا بالغناء الماجن المصاحب لآلات العزف المحرمة، بل وتستقدم بعضهم الفرق الغنائية لذلك، كلمات ماجنة وعبارات ساقطة، دعوات مبطنة للرذيلة، وإخلال على رؤوس الأشهاد بالفضيلة، ومكبرات أصوات تسمع صوتها يخرق الجدران ويدوي في الآذان بكلمات الهوى والحب والشيطان. ألا فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن ما أباحه دينكم هو الطار وهو المختوم من وجه واحد، وإنشاد بكلام شريف لا وضيع، ولا يكون فيه أذى للجيران وغيرهم.

8- الرقص الماجن الخليع من النساء، إثارة للشهوة وتحريك للغرائز، والحجة: أمام النساء. ألا فليتقوا فاطر الأرض والسماء.

9- السهر الطويل ليلة الزفاف، بل ولربما صلى الناس وهم في لهوهم سادرون، وإن ذهبوا فقرب الفجر فهم في فرشهم خامدون، وعن صلاة الفجر معرضون.

10- النثـار وهو طرح النقود ونحوها في الزواج، كتبت إحدى الصالحات في مجلة الدعوة أن امرأة كانت ترقص وفي يدها عشرة آلاف ريال، وبعد انتهاء شوطها مزقتها ورمتها على الأرض. فاللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

11- إطلاق الأعيرة النارية في الهواء، ولا يخفى ما فيه من تعريض أرواح الناس للخطر.

12- تزاحم الرجال أمام بوابة النساء عند خروجهن بطريقة مزرية.

13- تهنئة الجاهلية وهو قولهم: بالرفاء والبنين. والسنة قول: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير.

وختامًا لدي رسالتان:
أولاها للآباء وأولياء أمور النساء أن يتقوا الله في رعيتهن، في لباسها وحجابها وسترها وعن الشر ردعها والأخذ على يدها، والذي لا إله حق غيره لتسألن عنه، وحينئذ يعظم الخطب ويشتد الكرب، وربَّ بنيات وأولاد ونساء جروا آباهم إلى النار.
الثانية: إلى كل مؤمن ومؤمنة، إلى ذوي الغيرة على محارم الله، قوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مروا واصبروا وانهوا واحتسبوا، فإن لم تفعلوا فالشر سيستطير، والحساب بين يدي العلي الكبير عسير.
 

فيصل الشدي
  • مقالات ورسائل
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية