اطبع هذه الصفحة


فداك أبي وأمي

سلمان بن يحي المالكي
slman_955@hotmail.com

 
الخطبة الأولى
اللهم إنا نشكو إليك ضعفّ الحال ، وقلةَ الحيلة ، وكثرةَ الذنوب وضعف الوسيلة ، لا رجاء لنا إلا في رحمتك ، ولا طمع إلا في عفوك ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك ، إن عذابك الجد بالكفار ملحق ، وأصلي وسلم على عبدك ورسولك محمد ، بلّغ الرسالةَ وأد الأمانة ، ونصح للأمة ، وجاهدَ في الله حقَ جهاده حتى آتاه اليقين ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خِيارِ هذه الأمة ، أما بعد ، عباد الله : محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء وأشرف المرسلين ، إمام العالمين وقائد الغر المجلين ، أمين الله على وحيه ومصطفاه من خلقه ، أختاره الله وبعثه رحمة للعالمين ، حمل هداية رب السماء إلى أهل الأرض ، نورُ النبوة ومشكاتُها وشُعاعُها ، قرن الله أسمه باسمه في الآذان وجعل شأنه عالياً ، وتفضل عليه بالوحي والرسالة ، واصطفاه من بين خلقه ليكون خاتمَ النبيين ، وكان فضل الله عليه عظيماً ، جعل له لواء الحمد والمقام المحمود ، صاحب الوجه الوضاء والطهر والقداسة والبهاء ، أعظم استنارةً وضِياءاً من القمر ليلة البدر ، يفيض سماحة وبشراً ، ونورا وسروراً ، طلعته آسرة تأخذ بالألباب ، كل من رآه عرف صدقه في وجهه ، من القوم من ارتعدت فرائسه وهو ينظر إليه ، ومنهم من بكى إعجاباً به وإجلالا ، ما كان عابساً ولا مكشراً ، كان أشد حياءً من العذراء في خدرها ، إذا سُرَّ استنار وجه كأنه قطعة قمر ، أهدب الأشفار ، أكحل العينين كأنه سبيكة فضة ، مليح الوجه ، يقول أنس رضي الله عنه " ما مسست حريراً ولا ديباجا ألين من كف الرسول صلى الله عليه وسلم " كان يُعرف بريح الطيب إذا أقبل ، أحسنُ الناس خلقاً ، وأكرمُهم وأتقاهم ، يمشي مع المساكين ، تأخذه الجارية الصغيرة بيدها فينطلق معها لقضاء حاجتها ، يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ، يأتي ضعفاءهم ويعود مرضاهم ، يشهد الجنائز ويجلس ويأكل على الأرض ، يعقِل الشاة فيحلبها ، يخصف نعله ويخيط ثوبه ويخدم أهله ، كان يبيت الليالي طاوياً لا يجد عشاءاً ، لا يجد ما يملئ بطنه من الدقل وهو التمر الرديء ، يعصب الحجر على بطنه من الجوع ، يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة ، كان أشجع الناس يُتقى به في الحرب والقتال ، كان أرحم الناس يمتلئ عفواً وصفحا وسخاءا وكرماً وجودا ، تمر به الهرة فيسقي لها الإناء لتشرب منه ، عظيماً في أخلاقه ، عظيماً في آدابه ، عظيماً في شمائله صلى الله عليه وسلم .


ألم ترى أن الله خلد ذكـره إذ قال في الخمس المؤذن : أشهد
وشق له من أسمه ليجـلُّه فذو العرش محمود وهذا محمد


أوفر الناس عقلاً ، وأسدهم رأياً ، وأصحهم فكرة ، وأسخاهم يداً ، وأنداهم راحة ، وأجودهم نفساً ، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، يجود ويقول " أنفق يا بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالا " أرحب الناس صدراً ، وأوسعهم حلماً ، لا يزيده جهل الجاهلين عليه إلا أخذًا بالعفو وأمرًا بالمعروف ، يمسك بغرة النصر وينادي أسراه في كرم وإباء : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، أعظم الناس تواضعاً ، يُخالط الفقير والمسكين ، ويُجالس الشيخ والأرملة ، لا يتميز عن أصحابه بمظهر ، ألين الناس عريكةً وأسهلهم طبعًا ، ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مُحرمًا ، وهو مع هذا أحزمهم عند الواجب وأشدهم مع الحق ، لا يغضب لنفسه ، إذا انتُهِكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء ، ولا يستطيع أن يقف أحد في طريقه ، كأنما يُفقأ في وجهه حب الرمان من شدة الغضب ، تعظيماً لحرمات الله وغضباً لها ، أشجع الناس قلباً ، وأقواهم إرادة ، يتلقى الناس بثبات وصبر ، يخوض الغمار قائلاً " أنا النبي لا كذب أنا أبن عبد المطلب " أعف الناس لسانًا ، وأوضحهم بيانًا ، يسوق الألفاظ مُفصلة كالدر مشرقة كالنور ، طاهرٌ كالفضيلة في أسمى مراتب العفة وصدق اللهجة ، صاحب عفة وطهر ونزاهة ، أعدلهم في الحكومة وأعظمهم إنصافًا في الخصومة ، يَقِيدُ من نفسه ويقضي لخصمه ، يقيم الحدود على أقرب الناس ، ويقسم بالذي نفسه بيده " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " يقيم الحدود ، ويقسم بالعدل بين الناس ، أسمى الخليقة روحًا ، وأعلاها نفسًا ، وأزكاها وأعرفها بالله ، وأشدها صلابة وقيامًا بحقه ، وأقومها بفروض العبادة ولوازم الطاعة ، مع تناسق غريب في أداء الواجبات ، واستيعاب عجيب لقضاء الحقوق ، يُؤتي كل ذي حق حقه ، فلربه حق ، ولصاحبه حق ، ولزوجه حق، ولدعوته حق ، أزهد الناس في المادة وأبعدهم عن التعلق بعرض هذه الدنيا ، يطعم ما يُقدَّم إليه فلا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقودا ، ينام على الحصير والأدم المحشو بالليف ، أرفق الناس بالضعفاء وأعظمهم رحمة بالمساكين والبأساء ، شملت رحمته وعطفه الإنسان والحيوان .

خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء

ولو لم يكن للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل هداية السماء إلى الأرض ، وإيصال هذا القرآن الكريم إلى العالم لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ، ولا تقوم الإنسانية بكفائه ، ولا يُوفي الناس حامله بعض جزائه ، إنها العظمة الماثلة في كل قلب ، المستقرة في كل نفس ، يستشعرها القريب والبعيد ، ويعترف بها العدو والصديق ، وتهتف بها أعواد المنابر ، وتهتز لها ذوائب المنائر ، إنه النبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث الكمال الخُلقي بالذروة التي لا تُنال ، والسمو الذي لا يُسامى .

أيها المسلمون : ثلاثةُ أشهرٍ وعشرونَ يوماً مرت منذ أن تجرأت صحيفةُ دانمركيّة من أوسع الصحف اليومية انتشاراً في الدانمارك على الإساءةِ لنبيّنا صلى الله عليه وسلم أشرفِ مخلوقٍ وأطهرِ إنسانِ وأرفعِ من خطا على هذه البسيطةِ ، نشرت هذه الجريدة اثني عشرَ رسماً ساخراً ( كاريكاتورياً ) للنبي محمد عليه الصلاة والسلام ، أقلُّ ما توصفُ بها أنها بذيئةٌ ومنحطة إلى أبعد الحدود ، على هيئة مسابقة عُرضت على أكثر من خمسين رسّاما ، أظهر منهم اثنا عشر قبيحا وقحا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه مجرم حرب إضافة إلى بعض الرسومات التي تمس علاقة المسلم بربه في أقدس فريضة وهي الصلاة ، مئةٌ وعشرةُ أيامٍ ، أو قل : ألفانِ وستمائةٍ وأربعون ساعةً تصرَّمتْ على هذه الفعلةِ الشنيعةِ ، وذلك في يوم الثلاثاء الموافق للسادس والعشرين من شهر شعبان لعام ألف وأربعمائة وستة وعشرين للهجرة النبوية ، ثم تقدم مجلة نرويجيةٌ على إعادة نشر الصورِ ذاتِها بعد مئةِ يومٍ وبالتحديد في اليوم العاشر من ذي الحجة ، يوم الحج الأكبر ، يوم عيد الأضحى المبارك ، لتنكأ الجراح وتشن الغارة من جديد , إمعانا للعداء وإغاظة للمسلمين ، مشفوعاً بتعليقٍ لرئيس تحرير تلك المجلة قائلا: إنّ حرية التعبير في منطقتنا مهدّدةٌ من دين ليس غريباً عليه اللجوء الى العنف " " أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ " كفرة فجرة شرذمة مردة يشنون غارات على شخصية محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، رسوماتٌ وصور آثمة وقحة وقاحة الكفر بأهله ، فيا لله ماذا بقي في الحياة من لذة عندما ينال من مقام محمد صلى الله عليه وسلم ثم لا ننتصر له ؟ ماذا نقول تجاه هذا العداء السافر والتهكم المكشوف ؟ أنغمض أعيننا ؟ أنصم أذاننا ؟ أنطبق أفواهنا وفي الجسد عِرق ينبض ؟ وفي القلب حب يدفق ، والذي كرم محمدا وأعلى مكانته صلى الله عليه وسلم لبطن الأرض أحب إلينا من ظاهرها إن عجزنا أن ننطق بالحق وندافع عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، آلا جفت أقلام وشلت سواعد وفُقعت عيون وغصت حناجر امتنعت عن تسطير الأحرف ، والنطق بالكلمات للذود عن حياض وجناب النبي صلى الله عليه وسلم .
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم فداء

ولم تنته القصة بعد .. لتُبارك هذه الرسومات من ملكة تلك الدولة النصرانية الصليبية الكافرة ، وهي وربي كبقية دول أوربا وأمريكا الشمالية التي تدين بعقيدة التثليث الباطلة الفاشلة ، الفاسدة الكاسدة ! ولا غرو ولا عجب ، فمن الطبيعي أن تظل كغيرها عدوة لكل ما يمت للإسلام بصلة ، هذه الدولة ظلت منذ عدة أشهر تسخر عبر صحفها ووسائل إعلامها من رسولنا الكريم ونبينا العظيم صلى الله عليه وسلم ، لا لشيء إلا لأن بعض أبناء شعبها بدأوا يفكرون جدياً بالتخلي عن نصرانيتهم واعتناق الإسلام كغيرهم من شعوب العالم الذين أبهرتهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعها من تداعيات لا تخفى على أحد !!
إنّ ما تقوم به الدنمارك وتؤيدها النرويج وتسكت عنه بقية دول العالم النصراني يؤكد أنّ الحرب القائمة بين الإسلام والنصرانية في أفغانستان والشيشان والعراق حرب دينية عقدية ، وإن تبرقعت بغطاء مكافحة الإرهاب , أو تلفعت بمرط محاربة الدكتاتوريات في العالم ، عباد الله : لقد أنصف بعض الكفار نبينا عليه الصلاة والسلام لما قرءوا سيرته ورأوا عظيم دينه أخلاقه ، يقول مايكل هارت في كتابه الخالدين المائة : لقد أخترت محمداً صلى الله عليه وسلم في أول هذه القائمة [ بعد أن ذكر مائة رجل ] لأنه هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي ، دعا إلى الإسلام وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً ، ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم قوة جبارة لا يستهان بها ، يمكن أن أقول: إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ ، ويقول الأديب العالمي تُولُسْتْوِي : يكفي محمداً فخراً أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة ، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم ، وإن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة ويقول شِبْرِك النمساوي: إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها ، إذ أنه رغم أميته استطاع قبل بضعت عشر قرناً أن يأتي بتشريع سنكون نحن أوروبيين أسعد ما نكون إذا توصلنا إلى قمته ، ويقول الإنجليزي توماس كارليل الحائز على جائزة نوبل في كتابه الأبطال : لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث في هذا العصر أن يُصغي إلى ما يُقال من أن دينَ الإسلام كذب ، وأن محمدٌ خداع مزور ، وقد رأيناه طول حياته راسخَ المبدأ ، صادق العزم ، كريماً براً رءوفاً ، تقياً ، فاضلاً ، حراً ، رجلاً شديد الجد ، مخلصاً ، وهو مع ذلك سهل الجانب ، لين العريكة ، جم البِشْر والطلاقة ، حميد العشرة ، حلو الإيناس ، بل ربما مازح وداعب ، كان عادلاً ، صادق النية ، ذكي اللب "

وهكذا عباد الله .. تتوالى الشهادات من الأعداء ومن مخالفيه عليه الصلاة والسلام ، لأنه ما من أحد أدعى النبوة من الكذابين إلا وظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين ما فضحه ، وما من أحد أدعى النبوة من الصادقين إلا وظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ميزه عن غيره ، وصدقت خديجة رضي الله عنها لما قالت : أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، ولما سمعه ورقة ابن نوفل عرفه وقال : هذا الناموس الذي نزل على موسى ، وعرفه بحير الراهب بصفته وهو صغير ، وعرفته الجن لما سمعوا كلامه ، وعرفه ملك الروم هرقل لما سأل أبا سفيان أسئلة فأجابه عنها ، ثم قال له هرقل : سألتك عن نسبه ، فذكرت أنه فيكم ذو نسب ، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول ؟ فذكرت أن لا ، فقلت : لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلتُ : رجل يأتسى بقولٍ قيل قبله ، وسألتك هل كان من آبائه من ملك ؟ فذكرت أن لا ، فقلت : لو كان من آبائه من ملك لقلتُ : رجل يطلب ملك أبيه ، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ، وسألتك أشراف الناس أتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فذكرت أن ضعفاءَهم أتبعوه ، وهم أتباع الرسل ، وسألتك أيزيدون أم ينقصون ؟ فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم ، وسألتك أيرتد أحد سخطتاً لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ، وسألتك هل يغدر ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر ، وسألتك بما يأمركم ؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبد الله ولا تشركوا به شيئاً ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولكني لم أظن أنه منكم ، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقائه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه

أيها المسلمون : نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندنا في مقام عظيم ، وفي نفوسنا له منزلة كبيرة ، سبه من أعظم المحرمات ، وكفر وردة عن الإسلام بإجماع العلماء سواء فعل ذلك القائل جاداً أم هازلاً ، وعقوبة من سب النبي عليه الصلاة والسلام في الدنيا أن الله يذيقه العذاب المهين ، إن كان مسلماً لا تمنعه التوبة من قتله وإقامة الحد عليه على القول الراجح ، وإن كان من الكفار فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد جرد الكتائب لقتلهم ، كما فعل ببعض اليهود الذين وقعوا فيه وسبوه وشتموه في شعرهم ، فأرسل إليهم من اغتالهم على فرشهم وفي عقر دارهم ، ولما فتح مكة أهدر دم عبد الله بن أخطل المشرك فقبض عليه وهو متعلق بأستار الكعبة ، فجعل يتوسل يقول : يا محمد من للصبية ؟ فقال : النار ، وقتله عند الكعبة ، تلك حرمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وصدق الله " والله يعصمك من الناس " وقال " إن كفيناك المستهزءين " وقال " فسيكفيكهم الله " وقال " أليس الله بكاف عبده " قال الشيخ السعدي رحمه الله " وقد فعل سبحانه وتعالى فما تظاهر أحد يعني بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتله " ولقد جاءت الروايات مبينة لهذا فأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو النعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله إن كفيناك المستهزئين ، قال " المستهزئون الوليد بن المغيرة ، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب ، والحارث بن عبطة السهمي ، والعاصم بن وائل ، فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أريني إياهم فأراه كل واحد منهم ، وجبريل يشير إلى كل واحد منهم في موضع من جسده ويقول : كفيتك هو ، فأما الوليد فمر برجل بن خزاعة وهو يريش نبلاً فأصاب أكحله فقطعها ، وأما الأسود ابن المطلب فنزل تحت سمرة فجعل يقول : يا بَني ألا تدفعون عني ؟ قد هلكت وطعنت بالشوك في عيني ، فجعلوا يقولون : ما نرى شيئاً ، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه ، وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها ، وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منه ، وأما العاص فركب إلى الطائف فرُبط على شبرقة فدخل من أخمص قدميه شوكة فقتلته ، وكان بعض أعدائه صلى الله عليه وسلم مع أبيه في سفر ، فنزلوا منزلاً وهم على الشرك ، فقال أبوه للقوم : إني أخاف من أصحاب محمد على ولدي ، إني أخاف من السباع ، أجعلوا حوله الأمتعة وناموا حوله ، فجاء أسد وهم نيام فشمهم حتى وصل إلى ابنه فافترسه ، وروى أنس رضي الله عنه أن رجلاً نصرانياً أسلم ، وقرأ البقرة وآل عمران فكان يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام يعني الوحي ، فعاد نصرانياً فأرتد ، وكان يقول : ما يدري محمد إلا ما كتبت له ، فأدعى أن هذا القرآن منه ، فآماته الله فدفنوه ، أي " دفنه النصارى " فأصبح وقد لفظته الأرض ، فقالوا : هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه ، فحفروا له فأعمقوا ، فأصبحوا وقد لفظته الأرض لليوم الثاني ، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه ، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا ، فأصبح وقد لفظته الأرض ، فعلموا أنه ليس من الناس " [ رواه البخاري ومسلم ] وذكر الشيخ أحمد شاكر رحمه الله عن والده محمد شاكر ، وكيل الأزهر سابقاً ، أن خطيباً مفوها فصيحا كان يمدح أحد الأمراء في مصر عندما أكرم طاه حسين الذي كان يطعن في القرآن وفي العربية ، فلما جاء طاه حسين إلى ذلك الأمير قام هذا الخطيب المفوه يمدح ذلك الأمير قائلا له :
جاءه الأعمى فمــا عبس بوجه وما تولى

وهو يقصد من شعره هذا إساءة النبي عليه الصلاة والسلام ، لأن الله قال عن قصته عليه الصلاة والسلام مع أبن أم مكتوم " عبس وتولى أن جاءه الأعمى " فلما صلى الخطيب بالناس قام الشيخ محمد شاكر والد الشيخ أحمد شاكر رحمهما الله ، وقال للناس : أعيدوا صلاتكم فإن إمامكم قد كفر ، لأنه تكلم بكلمة الكفر ، قال الشيخ أحمد شاكر : ولم يدع الله لهذا المجرم جرمه في الدنيا قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى ، فأقسم بالله أنه رآه بعينه بعد بعض سنين ، بعد أن كان عالياً منتفخاً مستعزاً ، مهيناً ذليلاً خادماً على باب مسجد من مساجد القاهرة ، يتلقى نعال المصلين ليحفظها في ذلة وصغار ، وهذا أحدهم ذهب لنيل شهادة الدكتوراه خارج بلده ، فلما أتم دراسته وكانت تتعلق بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، طلب منه أستاذه من النصارى أن يسجل في رسالته ما فيه انتقاص للنبي عليه الصلاة والسلام وتعريض له ، فتردد الرجل بين القبول والرفض ، فأختار دنياه على آخرته ، وأجابه إلى ما أراد طمعاً في تلك الشهادة ، فما أن عاد إلى بلده حتى فوجئ بهلاك جميع أولاده وأهله في حادث مروع ، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى .

اللهم شل أيد وأخرس ألسنة تطاولت على نبيك صلى الله عليه وسلم ، اللهم أرنا في أعدائك وأعداء رسولك الذلة والصغار ، والعار والشنار يارب العالمين ، اللهم أرنا فيمن سبه مصيراً أسودا ، اللهم أنتقم لنبيك ، اللهم أنتقم لنبيك ، اللهم أنتقم لنبيك ، إنك عزيز ذو انتقام .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فأستغفره،، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله ليس له صاحبة ولم يتخذ ولداً وخلق كل شيء فقدره تقديرا ، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله ، البشير النذير والسراج المنير ، حامل لواء الحمد ، والشافع المشفع يوم الدين ، أول الناس قياماً من القبور ، وأول الناس سيرا إلى ساحة البعث والعرض والنشور ، وأول الناس وروداً على الحوض ، وأول الناس عبوراً للصراط ، وأول الناس دخولاً الجنة ، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه ، نشهد أنه رسول الله حقاً ، والداعي إلى سبيله صدقاً ، تركنا على البيضاء ، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، علمنا فأحسن تعليمنا ، وأدبنا فأحسن تأديبنا عليه الصلاة والسلام ، اللهم أرضي عن أصحابه وعن آله وذريته الطيبين الطاهرين ، وعن خلفائه الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، عباد الله : إن الهجوم الإعلامي على الإسلام ذو جذور قديمة قدم الإسلام ، وهو أحد الأساليب التي اتخذها الكفار للصد عن سبيل الله تعالى ، بدأ من كفار قريش وحتى عصرنا الحاضر ، وهذا الهجوم له ألوان كثيرة ولكنها في أغلبها كانت محصورة في نطاق الشبهات والمغالطات والطعون ، لكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، انتقل الهجوم إلى لون جديد قذر لم يُعهد من قبل وهو التعرض لشخص الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والنيل من عرضه وذاته الكريمة ، وقد اتسم هذا الهجوم بالبذاءة والسخرية والاستهزاء ، مما يدل دلالة واضحة أن هذا التهجم له منظمات وله استراتيجيات خاصة ، تتركز على استخدام وسائل الإعلام بل ويقومون به أناس متخصصون مدعومون من بعض قساوسة النصارى لا كلهم ، وليست هذه الإساءات هي الأول من نوعها ، ومن المؤسف أن يمضي عام 2004 بتأريخهم وقد أعلنوها حملة ظالمة جائرة قائلين " مليون ضد محمد " أي مليون قسيس ضد محمد صلى الله عليه وسلم ، وهاهو عام 2005 يمضي كالعام الذي قبله ، ولا عجب فهذا القسيس الأمريكي جري فالويل يقول : أنا أعتقد أن محمداً كان إرهابياً ، وفي اعتقادي أن المسيح وضع مثالا للحب كما فعل موسى ، وأنا أعتقد أن محمداً وضع مثالاً عكسياً ، لأنه لص وقاطع طريق ، ويقول بات روبت سون: كان محمد مجرد متطرف ذو عيون متوحشة تتحرك عبثاً من الجنون ، وأحدهم يقول : محمد شاذ جنسيا يميل للأطفال ويتملكه الشيطان ، نعم .. لقد أغاظهم محمد عليه الصلاة والسلام ، لقد أغاظهم انتشار دينه ، لقد أغاظتهم شريعة الجهاد التي جاء بها عليه الصلاة والسلام ، أغاظتهم قوة الإسلام وسرعة انتشاره ، أغاظهم أن الإسلام أول دين في العالم ينتشر سريعا ، أغاظهم هذا التوقير والاحترام الذي يحظى به نبينا عليه الصلاة والسلام مع تقصير كثير من المسلمين تجاهه ، إن هذه القضية التي تثير غيرة كل مسلم ، تدفعه إلى التساؤل عن أسباب هذه الهجمة الشرسة ضد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، والأغراض الكامنة وراءها، ومدى تأثيرها ، إن من أهم العوامل الداعية لظهور مثل هذه الهجمات الشرسة على النبي صلى الله عليه وسلم هو سرعة انتشار الإسلام ، والتي أثار غيرة هؤلاء الأعداء ، مما جعلهم يخافون من انتشاره السريع ليس في الغرب فقط ، بل والخوف أيضا من عودة المسلمين في العالم الإسلامي إلى تمسكهم بدينهم ، ثانيا : استغلال ضعف المسلمين في كثير من الجوانب الاقتصادية والإعلامية والسياسية ، ثالثا : حسد القيادات وخصوصا الدينية ، وقد وجد أن كثيرا من هذه القيادات تغيظهم شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ، لما يرون توقير المسلمين لهذا النبي الكريم وحبهم الشديد له ، رابعا : أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، وهي أحد الأسباب الرئيسة التي جعلتهم يزيدون من تهجمهم ضد الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ، وإلا فالهجوم على الإسلام موجود من قديم ، لكنها تظهر في وقت دون وقت ، وتصدر من شخص لآخر ، وكان المسلمون يقومون بمواجهتها مباشرة ، أما الآن فقد أصبح الهجوم على النبي صلى الله عليه وسلم بشكل عام وعلى مرى ومسمع من العالم ، خامسا : قضية التغريب ، حيث يسعى الغرب إلى جعل العالم كله تحت هيمنته سواء كان في الثقافة أو الفكر أو الاقتصاد ، كما أنهم يريدون تغيير أفكار المسلمين لكي يوافقوا على خططهم في مجال العولمة ، إذ أصبح الإسلام هو العدو الأساسي لهم وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ، سادسا : خطر الإسلام وقوته وقدرته ووقوفه ضد الشيوعية ، ومن خلال تجربتهم مع المسلمين رأوا أن المسلمين كما وقفوا ضد التيار الشيوعي أنهم سيقفون في يوم من الأيام ضد حضارتهم الغربية .

عباد الله :
كيف نستطيع أن نواجه هذه الحملة ، وما هو دور المسلم تجاه هذه الشائعات والتجاوزات على نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وما هي الخطوات العملية التي ينبغي أن تقوم بها الدول الإسلامية وشعوبها .. ؟

إن هناك كثيرا من الوسائل يستطيع المسلم بل والدول والشعوب عموما تطبيقها وفعلها على أرض الواقع ، وخاصة إذا ما رتبت الأوليات ، كيف لا ؟ وقضية نصرة النبي صلى الله عليه وسلم من أهم الأوليات على تُناط بها الدول الإسلامية ، وليست مشروعا شخصيا تحاك من ورائها مكاسب وأموال ، وإنما هي قضية أمة وقضية عقيدة ، ينبغي أن تتواطأ جميع المؤسسات الإسلامية في العالم على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والذب عن دينه وعرضه الشريف ، وتعريف العالم بأن هذا الرسول رسول الإنسانية وهو رسول العدالة والصيانة والديانة ، كما ينبغي نصرة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوسنا بتطبيقنا شرعه واتباعنا سنته وهديه ، فإن هذا من أعظم النصر له ، والمقاطعة المقاطعة التامة لهذه الدولتين الباغيتين وكل من ينهج نهجها سياسياً واقتصادياً جزاء اعتدائهم على حبيبنا صلى الله عليه وسلم ، وقد عرض ذلك مجلس الشورى برئاسة سماحة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد حفظه الله وكان من نتائج تلك المقاطعة السياسية من بلاد الحرمين وفق الله ولاتها لكل خير وحرسهم من كل شر أن تم استدعاء سفير المملكة بالدانمارك ونتج عن ذلك مقاطعة مجموعة من كبار التجار للمنتجات الدولتين حتى أن بعض البضائع ردت من ميناء جدة ، ومنهم من أعلن المقاطعة علانية مما نتج عن هذه المقاطعة خسائر لا تحصى تجاوزت المليار دولار ، وقد نشرت الصحيفة المشؤومة في موقعها على الانترنت تقريرا عن المقاطعة الشعبية في المملكة ، واهتمت شركة آرلا الدنمريكة وحدها بموضوع المقاطعة في السعودية وقالت : إن السياسيين والقادة الدينيين شجعوا الناس على المقاطعة ، وشاركت محطات التلفزة في هذه الحملة بتعريف الناس بمنتجات شركة ارلا ، ومن المتوقع أن تخسر الشركة في الأيام القادمة البلايين ، وبينت أن المقاطعة حملة شعبية واسعة يقوم بها السعوديين تعبيرا عن غضبهم عن الرسومات التي نشرت عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أشارت إلى أن السفير الدنمركي في السعودية خاطب الزعماء الدنمركيين قائلا : أن الوضع في تطور خطير ، وهذا وربي أقل القليل تجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أنه ينبغي عرض سيرته صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال الوسائل المتاحة بالمقالة والمطوية والكتاب والبرامج المرئية والمسموعة ومن خلال المدارس والمساجد والبيوت والمحافل ، حتى يقف الصغير والكبير على تفاصيل سيرته وسنته صلى الله عليه وسلم ، كيف لا ..؟ وهو منا ، ونحن منه ، وقد فزنا به وشرفنا بالنسبة إليه ، كما ينبغي تبادل العناوين والتعريف بكيفية الكتابة والاستنكار أقل ما نقوم به وتعريف الكفار الذين يعيشون بيننا بنبينا عليه الصلاة والسلام ، اللهم أعز دينه ، وأعلي شأنه ، وأعلي ذكره ، اللهم أجعلنا من أتباعه حقاً ، ومن أهل سنته صدقاً ، اللهم أرزقنا شفاعته يوم الدين ، اللهم أجعلنا القائمين بحق نبينا يا عظيم ، اللهم إنا نسألك وأنت العظيم القوي الجبار أن تهلك هؤلاء الذين وقعوا في نبينا ، أرينا فيهم آية ، اللهم إنا نسألك أن تسلط عليهم جنداً من عندك ، اللهم أرنا فيهم هلاكاً وبيلا وخذهم أخذاً شديداً ، وأجعلهم عبرة للمعتبرين يارب العالمين .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

سلمان المالكي
  • مـقـالات
  • رفقا بالقوارير
  • المرأة والوقت
  • الخطب المنبرية
  • إلى أرباب الفكر
  • وللحقيقة فقط
  • الهجرة النبوية
  • فتنة الدجال
  • الصفحة الرئيسية