اطبع هذه الصفحة


فائدةٌ نفيسةٌ حولَ ابنِ خَلِّكان ومنهجِهِ في كتابِهِ " وَفَيَات الأعَيان"

عبد الرحمن بن صالح السديس

 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام، على نبينا محمد وآله ومن تبعه إلى يوم الدين أما بعد:
فهذه فائدة حول منهج القاضي ابن خَلِّكان في كتابه " وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان "

وهو كتاب مشهور جدا موضوعه في التراجم العامة ، ولا تخلوا منه مكتبة طالب علم فضلا عن عالم ، وقد استفاد من هذا الكتاب معظم من جاء بعده ، وألَّف في التأريخ ، أو السير ، والتراجم..

لكن على الكتاب مأخذ عظيم ! رغم كثرة فوائدة ، ومكانة مؤلفه بين العلماء في زمانه وبعده .

وهذا المأخذ يتضح لكلِ مَنْ مارس الكتاب ، وقرأه ، وقارنه بغيره..
ولما كان الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ يكثر النقل عنه جدا ، ويفيد منه كثيرا طفح الكيل عنده في ترجمة ابن الراوندي قبحه الله ..
قال ابن كثير في البداية والنهاية 14/764 ط: دار هجر ، في[وفيات سنة 298هـ]
الزنديق أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين المعروف بابن الراوندي
أحد مشاهير الزنادقة الملحدين عليه اللعنة من رب العالمين ، كان أبوه يهوديا فأظهر الإسلام ، فيقال: إنه حرف التوراة كما عادى ابنُه القرآن بالقرآن وألحد فيه ، وصنف كتابا في الرد على القرآن سماه " الدامغ". وكتابا في الرد على الشريعة والاعتراض عليها سماه " الزمردة". وكتابا يقال له "التاج" في معنى ذلك ، وله كتاب "الفريد" وكتاب " إمامة المفضول الفاضل".
وقد انتصب للرد على كتبه هذه جماعة منهم الشيخ أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي شيخ المعتزلة في زمانه ، وقد أجاد في ذلك ، وكذلك ولده أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي ، قال الشيخ أبو علي: قرأت كتاب هذا الملحد الجاهل السفيه ابن الراوندي ، فلم أجد فيه إلا السفه ، والكذب ، والافتراء .
قال وقد وضع كتابا في قدم العالم ونفي الصانع ، وتصحيح مذهب الدهرية والرد على أهل التوحيد ، ووضع كتابا في الرد على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعة عشر موضعا من كتابه ، ونسبه إلى الكذب ـ يعنى النبي صلى الله عليه وسلم ـ وطعن على القرآن ، ووضع كتابا لليهود والنصارى ، وفضل دينهم على المسلمين ؛ يحتج لهم فيها على إبطال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن الإسلام.
نقله ابن الجوزي عنه.
وقد أورد ابن الجوزي في منتظمه طرفا من كلامه ، وزندقته ، وطعنه على الآيات والشريعة.
ورد عليه في ذلك .
وهو أقل وأخس وأذل من أن يلتفت إليه وإلى جهله وكلامه وهذيانه وسفهه وخذلانه وتمويهه وترويجه وطغيانه .
وقد أسند إليه حكايات من المسخرة والاستهتار والكفر والكبائر منها ما هو صحيح عنه ، ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثلُه ، وعلى طريقه ومسلكه في الكفر والتستر بالمسخرة [في نسخة : يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة وهذا كثير موجود فيمن يدعى الإسلام وهو منافق يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه وهؤلاء ممن] قال الله تعالى فيهم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم )
وقد كان أبو عيسى الوارق مصاحبا لابن الراوندي قبحهما الله فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات ، وأما ابن الراوندي فهرب فلجأ إلى ابن لاوي اليهودي وصنف له ـ في مدة مقامه عنه ـ كتابه الذي سماه " الدامغ للقرآن " فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله .ويقال: إنه أخذ وصلب .
قال أبو الوفاء بن عقيل: ورأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي [في نسخة: في هذا العمر القصير] لعنه الله وقبحه ، ولا رحم عظامه.
وقد ذكره القاضي ابن خلكان في الوفيات ودلَّس[في نسخة: قلس] عليه ، ولم يجرحه بشيء ، ولا كأن الكلب أكل له عجينا ، على عادته في العلماء والشعراء ؛ فالشعراء يطيل تراجمهم ، والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة ، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم ، وأرخ ـ ابن خلكان ـ تاريخ وفاته في سنة خمس وأربعين ومائتين ، وقد وهم وهما فاحشا ، والصحيح أنه توفى في هذه السنة ـ 298 هـ ـ كما أرخه ابن الجوزي وغيره.اهـ.

ولنقارن ترجمة ابن كثير لهذا المجرم ، وترجمة ابن خلكان التي أشار ابن كثير إليها .
قال ابن خلكان في وفيات الأعيان 1/94 :
الراوندي
أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرواندي العالم المشهور له مقالة في علم الكلام ، وكان من الفضلاء في عصره ، وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشر كتابا منها كتاب "فضيحة المعتزلة" وكتاب "التاج" وكتاب "الزمرد" وكتاب "القصب" وغير ذلك وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام ، وقد انفرد بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم توفي سنة خمس وأربعين ومائتين برحبة مالك بن طوق التغلبي ، وقيل ببغداد ، وتقدير عمره أربعون سنة ، وذكر في البستان أنه توفي سنة خمسين والله أعلم رحمه الله تعالى !
ونسبته إلى راوند بفتح الراء والواو وبينهما ألف وسكون النون وبعدها دال مهملة وهي قرية من قري قاسان بنواحي أصبهان.. اهـ .

قلت: أرأيت الفرق بين الترجمتين ! مع أنه رحمه الله قال في مقدمة كتابه 1/21: ..
ولم أتساهل في نقله ممن لا يوثق به ، بل تحريت فيه حسبما وصلت القدرة إليه !
وقال الدكتور إحسان عباس محقق الكتاب: وقد أبدى بعض المعلقين على هوامش نسخ "الوفيات" قلقا شديدا ؛ لأن ابن خلكان لم يتناوله بالذم .. [ثم نقل شيئا من كلامهم ، وأما هو فلم يقل شيئا !].
والمقصود من هذا النقل والعرض معرفة ذلك لئلا يغتر أحد بمثل هذه التراجم لأعيان الزنادقة ، و رؤوس أهل الضلال ..
والمؤلف له فضائل جمة ، وفي كتابه علم نافع ، ولعلي أنقل لك شيئا ترجمته من كتاب ابن كثير ـ رحمه الله ـ لنرى الإنصاف الذي قل في الناس ..

قال ابن كثير في البداية 17/588:
ابن خلكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس احمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان الإربلي الشافعي أحد الأئمة الفضلاء والسادة العلماء والصدور الرؤساء وهو أول من جدد في أيامه قضاء القضاة من سائر المذاهب فاشتغلوا بالأحكام بعد ما كانوا نوابا له ، وقد كان المنصب بينه وبين أبن الصائغ دولا يعزل هذا تارة ويولى هذا ، ويعزل هذا ويولى هذا ، وقد درس ابن خلكان في عدة مدارس لم تجتمع لغيره ولم يبق معه في آخر وقت سوى الأمينية وبيد ابنه كمال الدين موسى النجيبية .
توفي ابن خلكان بالمدرسة النجيبية المذكورة بإيوانها يوم السبت آخر النهار في السادس والعشرين من رجب ودفن من الغد بسفح قاسيون عن ثلاث وسبعين سنة وقد كان ينظم نظما حسنا رائقا وقد كانت محاضرته في غاية الحسن وله التاريخ المفيد الذي رسم بوفيات الأعيان من أبدع المصنفات والله سبحانه أعلم.
وقال الإمام الذهبي : كان إماما ، فاضلا ، متقنا ، عارفا بالمذهب ، حسن الفتاوى ، جيد القريحة ، بصيرا بالعربية ، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس ، كثير الاطلاع ، حلو المذاكرة ، وافر الحرمة ، من سروات الناس ، كريما ، جوادا ، مُمَدّحا ، وقد جمع كتابا نفيسا في وفيات الأعيان .

وقال ابن العماد الحنبلي ومن محاسنه أنه كان لا يجسر أحد أن يذكر أحدا عنده بغيبة.
انتهى من شذرات الذهب 7/648 .
 

عبد الرحمن السديس
  • مقالات متنوعة
  • فوائد حديثية
  • مسائل فقهية
  • فوائد تاريخية
  • مسائل عقدية
  • الصفحة الرئيسية