اطبع هذه الصفحة


الرد على حمزة المزيني في تعليقه على بيان المشايخ حول المرأة

عبد الرحمن بن صالح السديس

 
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ؛ ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون ‏، وصلى الله وسلم على من بعثه الله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه ‏وسراجا منيرا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. ‏
أما بعد: ‏
فقد اطلعت على المقال الذي كتبه الدكتور حمزة بن قبلان المزيني في جريدة الوطن في عددها ‏‏(1763) الصادر في يوم الخميس الموافق 22/6/1426هـ ‏
تعليقا على البيان الذي ‏أصدره عدد من العلماء ، وطلبة العلم في بلدنا العزيز ، ورأيتُ ‏الدكتور ـ هداه الله ـ متعاليا في رده ، جريئا على الكلام فيما لا يحسن ، معجبا برأيه ، قد تجاوز ‏الحدود في رد أمور الشرع ، ولـمز حملته ، واتهامهم بما هم منه براء ، واقعا في أقبح مما عاب ‏ عليهم ؛ فرأيت أنه من المفيد كشف بعض ما احتوى عليه مقاله ، وإلقاء الضوء ‏على شيء من حاله ، ومحله من العلم = ليرى مَن اغتر به شيئا من أمره ، وليهلك من هلك عن ‏بينة . ‏

* صدّر الدكتور حمزة مقاله بمحاولة الطعن ، واللمز على أصحاب البيان بأنهم يبجلون ‏أنفسهم بكتابة فضيلة الشيخ ، و فضيلة الشيخ الدكتور ..الخ

قلت: لا يخفى على الدكتور ، ولا القارئ أن تلك العبارة لم يكتبها الموقعون أنفسهم ، وإنما ‏‏يحصل الاتفاق الإجمالي على البيان ، ويقوم من قام بتنسيق البيان بوضع أسمائهم ، ووظائفهم ‏، ‏وما يستحقونه من ألقاب .. وليس في هذا تزكية للنفس . ‏
وبما أن العلم دين ، والناس لا تقبله من غير أهله جرى ذكر هذه الأوصاف المستحقة لهم ‏‏ليعرف الناس ممن صدر هذا البيان و"قد علم كل أناس مشربهم" . ‏
وحاول الدكتور أن يظهر شيئا من التقدير لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الله الجبرين ، وأنه يشك أنه يرضى بمثل تلك التزكية .. إلا أن هذا التقدير الغريب اختفى لما بدأ الموضوع ، وبدأ اللمز والهمز لكتاب البيان ، وتجهيلهم ، ورميهم بالتقليد .. وغيره !

* لابد من التفريق بين رأي فقهي (لعالم فقيه) ـ وليس لغيره ـ اجتهد فرأى جواز قيادة المرأة ‏‏للسيارة ، وبين رأي عامي يهذي بما لايدري ، أو شهواني يتباكى على أيام كادت أن تجمعه ‏‏بالمرأة القاعة الواحدة ! قد سخر قلمه ، وجهده ليرى المرأة متبرجة سافرة .‏
ولا يخفى أن الكلام في البيان منصبا على النوع الأخير ، وهذا التفريق الواضح تجاهله ‏الدكتور حمزة ، وجعل الكلام منصبا على قسم واحد = ليستدر ‏عطف القارئ ، ويتهم هؤلاء ‏المشايخ بتلك التهم.. ولا يخفى أن هذا تلاعب ‏بالكلام ، وخروج عن حد الإنصاف . ‏

* طغى على مقال الدكتور التهويل ، والاتهام .. ، وانظر هذا المقطع من كلامه :‏
‏ كيف يجرؤ الموقعون على البيان على وصف بعض مواطنيهم السعوديين، وغيرهم من ‏المسلمين الذين لا ‏يرون رأيهم، بـ"الإفساد" و"الإلحاد"؟ و"النفاق"؟ أيستحق الأمر هذا ‏الشطط كله؟ وتشهد هذه ‏الجرأة على أن البيان قد تجاوز حدود التعبير "السلمي" عن الرأي ‏إلى الوقوع في أشد المحذورات وهو ‏التكفير أو ما يؤول إلى التكفير.اهـ ‏
قلت: على هذا الكلام عدة مآخذ :‏
أولها: انتزاع هذه العبارات عن السياق التي ذكرت فيه مشوش على فهم معناها الذي سيقت ‏لأجله ، فإنزالها ‏على المخالف للرأي الفقهي كذب على البيان ، وكاتبيه . ‏
ثانيها: استغرب في رد الدكتور استخدام وصف (مواطنيهم السعوديين) فهل يرى الدكتور ‏أن المواطنة ‏السعودية تزكية لحامليها ، وأنه لا يوجد مواطن سعودي مفسد ، ولا مجرم ؟! ‏
ثالثها: وصف الدكتور حمزة التكفير أو ما يؤول إليه بأنه (أشد المحذورات) لا يخلو من ‏أمرين : ‏
‏1- إما أن يكون الدكتور يعلم أن التكفير أو ما يؤول إليه = ليس بأشد المحذورات ، ومع ‏ذلك يستخدم هذا اللفظ ! فيكون في التعبير: كذب ، وتهويل. ‏
‏2- وإما أن يكون لا يعلم ! فيكون هذا الدكتور جاهلا بمراتب الذنوب ، ‏وعدم معرفته ‏بأبسط أمور التوحيد .‏

* قال الدكتور : وإذا كان هذا هو خطاب "العلماء وطلبة العلم" فكيف نلوم الشباب ‏الأغرار الذين ‏يتتلمذون عليه فيصل بهم الأمر إلى أنواع ودرجات أخرى من التطرف الذي ‏يمكن أن يَنتج عنه ما نشهده ‏الآن من انتهاك لأمن الوطن وسفك الدماء المعصومة؟ اهـ ‏

قلت: لما عجز الدكتور عن الرد العلمي جاءت محاولة الاستعداء الساذجة على ‏الموقعين ‏بمثل هذا الكلام . ‏
وجهود هؤلاء الفضلاء الموقعين على البيان في نشر الخير ، ‏والوسطية ، والعلم النافع ، لا ‏تخفى ، وهؤلاء الفضلاء ، وغيرهم من أهل العلم هم أول من قام ضد الأفكار المنحرفة من ‏طرفي ‏التطرف في هذا البلد . ‏ ‏

* قال الدكتور : ويقوم البيان في حقيقته على مفهوم "الفرقة الناجية" التي يوحي هؤلاء ‏‏بأنهم يمثلونها. فمع أن الرأي المخالف لما يرونه في مسألة قيادة المرأة للسيارة يراه عدد كبير لا ‏‏يستهان به من علماء المسلمين في الوقت الحاضر خارج المملكة، وفي المملكة كذلك، إلا أن ‏‏الموقعين على البيان يرون أنهم هم الوحيدون الذين على الحق أما الآخرون فضالون ‏‏مضلون.اهـ
قلت: هذا المقطع من المقال هدفه التهويل والتشنيع .. ، ويدل على أن الدكتور (قد) لا يفهم ‏معنى الكلام الذي يستخدمه ! ‏
"الفرقة الناجية" يا دكتور = "أهل السنة والجماعة" ؛ فكل من كان من أهل السنة والجماعة ‏على ‏اعتقادهم = فهو من الفرقة الناجية ، وليست المسألة في فرعيات فقهية ! وسبق أن بينت ‏الفرق بين خلاف فقهي من عالم فقيه ، وبين شهواني متطفل على العلم.‏

ثم زعم الدكتور: أن قيادة المرأة يجوزها عدد كبير من علماء المسلمين .. الخ ‏
قلت: هذا إدعاء بلا برهان ، ولم تستطع أن تسمي واحدا من هؤلاء الكثير ! لا في الداخل ‏‏ولا في الخارج !‏
ولمعارضك أن يدعي: عكس قولك !‏
ثم لا بد أن تعلم يا دكتور أن العامي في (الشرعية) واجِبُهُ أن يسأل علماء بلده ، ‏ولا يخرج عن ‏أقوالهم بالتشهي ، كما قد تقرر في علم الأصول .‏
ثم قول الدكتور : وغيرهم ضالون مضلون .. الخ ‏
قلت: تنزيل هذا على المخالف في الرأي الفقهي كذب عليهم ، وتنزيله على الشهواني الداعي ‏للرذيلة = حق مبين. ‏
وإن كان الدكتور استفاد جواز قيادة المرأة للسيارة من وجود قيادتها في غير بلدنا المحروس. ‏‏فلا يبعد أن يأتينا ـ غدا ـ الدكتور ، أو غيره بجواز الخمر ، أو الرقص ، أو الأضرحة التي ‏يتبرك ‏بها ، وتدعى من دون الله .. فلا يخفى أنه لا يكاد يخلو منها بلد من بلاد المسلمين ، ويوجد عدد ليس ‏بالهين من ‏علماء المسلمين يجوزونها !‏

* وصف الدكتور: لفكر علمائنا بأنه مغرق في محليته .. الخ ‏
قلت: يجهل الدكتور أو يتجاهل أن مسائل الخلاف تدرس للطلبة في المساجد ، وفي ‏الجامعات ، ‏ولا تكاد تخلوا حلقة علم من ذكر الخلاف بين العلماء قديما وحديثا ، وهذه كتب ‏علمائنا المعاصرين ، ومواقعهم ، ومواقع طلبة العلم ناطقة بعكس زعم الدكتور.‏

* قال الدكتور: أما السند الفقهي الوحيد الذي يقوم عليه البيان فهو "قاعدة سد الذرائع".‏
والملاحظ أن الموقعين على البيان لم يستندوا في تأصيل هذه القاعدة إلا على ابن القيم. ‏
ويبعث هذا على التساؤل عن السبب الذي صرفهم عن النظر فيما يقوله علماء آخرون. ‏
ويؤكد هذا الاقتصارُ ما يتصف به المشتغلون بالعلوم الشرعية في بلادنا عموما من الاكتفاء ‏‏بما يقوله عالم واحد وعدم النظر إلى آراء غيره. ‏وهو دليل على غلبة التقليد على هؤلاء مما ‏يوقعهم دائما ضحية لقصر النظر للأمور. ‏أما لو نظر الموقعون على البيان إلى ما يقوله علماء ‏آخرون لوجدوا آراء أخرى. ‏ اهـ

قلت: هذا المقطع من أعجب ما عنده ! وقد كشف لنا مشكورا عن مدى اطلاعه ، وخبرته ‏في العلم الشرعي .‏
قد لا أبالغ إن قلت: إن كثيرا من المبتدئين في العلم يعرفون أن مسألة "سد الذرائع" مسألة ‏أصولية كبيرة دل عليها : الكتاب ، والسنة ، والعقل ، وقد تكلم فيها العلماء ، وأصلوها أن ‏يُخلق ابن القيم بقرون .‏
وهذا المسالة الكبيرة مدونة في كتب : (أصول الفقه) ، وكتب (القواعد الفقهية) وما ‏يتبعها من كتب (الفروق) ، وكتب (مقاصد الشرعية) ، وجاءت ‏عرضا في كتب (التفسير) ، و(شروح الحديث) ، و(الفقه) وقد أفردت بعدد من ‏المؤلفات(1).‏
قال العلامة الشاطبي في الموافقات 3 /219: .. وهو أصل متفق عليه في الجملة ، وإن اختلف العلماء ‏في تفاصيله ، فليس الخلاف في بعض الفروع مما يبطل دعوى الإجماع في الجملة. ‏
وذكر العلامة القرافي في الفروق 3/406: أن اعتبار سد الذرائع في الجملة مجمع عليه .‏
وقد ذكر الشاطبي في الموافقات 2/360-364 قرابة العشرين دليلا لهذه القاعدة .‏
وقبله سرد شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان الدليل على بطلان التحليل ص285 -297 : ثلاثين دليلا لهذه ‏القاعدة ، ثم قال:
والكلام في سد الذرائع واسع لا يكاد ينضبط ، ولم نذكر من شواهد هذا الأصل إلا ما ‏هو متفق عليه ، أو منصوص عليه ، أو مأثور عن الصدر الأول شائع عندهم . ‏
و سرد تلميذه العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين 3 / 137 -159: ما ذكر شيخه ، وزاد عليه حتى ‏أوصلها إلى تسعة وتسعين دليلا .‏
وليس المقصود هنا تفصيل القاعدة ، وبيان أحوالها ، والاستدلال لها ، وإنما بيان أن الدكتور قد خل الذهن منها عندما ظن أن الاعتماد على ابن القيم فيها .
وهذا قرار من مجمع الفقه الإسلامي برقم‎ ‎‏:‏‎ ‎‏92 ( 9/9) بشأن (سد الذرائع) :‏
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات ‏العربية المتحدة من ‏‏1- 6 ذي القعدة 1415هـ الموافق 1- 6 نيسان (أبريل) 1995م ،‎ ‎بعد ‏اطلاعه على البحوث الواردة إلى ‏المجمع بخصوص موضوع سد الذرائع ،‎ ‎وبعد استماعه إلى ‏المناقشات التي دارت حوله ،‎ ‎قرر ما يلي‎ : ‎‏ ‏
‏1- سدّ الذرائع أصل من أصول الشريعة الإسلامية،‏‎ ‎وحقيقته‎ : ‎منع المباحات التي يتوصل ‏بها إلى مفاسد ‏أو محظورات‎ . ‎‏ ‏
‏2- سدّ الذرائع لا يقتصر على مواضع الاشتباه والاحتياط ،‎ ‎وإنما يشمل كل ما من شأنه ‏التوصل به إلى ‏الحرام‎ . ‎‏ ‏
‏3- سدّ الذرائع يقتضي منع الحيل إلى اتيان المحظورات ، أو إبطال شيء من المطلوبات ‏الشرعية،‎ ‎غير أن ‏الحيلة تفترق عن الذريعة باشتراط وجود القصد في الأولى دون الثانية. ‏
‏4- والذرائع أنواع‏‎ : ‎‏ ‏
الأولى مجمع على منعها‎ : ‎وهي المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، أو ‏المؤدية إلى ‏المفسدة قطعاً ، أو كثيراً غالباً،‎ ‎سواء أكانت الوسيلة مباحة أم مندوبة أم واجبة‎ . ‎ومن هذا النوع العقود ‏التي يظهر منها القصد إلى الوقوع في الحرام بالنص عليه في العقد‏‎ . ‎‏ ‏
والثانية مجمع على فتحها‎ : ‎وهي التي ترجح فيها المصلحة على المفسدة‎ . ‎‏ ‏
والثالثة مخلتف فيها‎ : ‎وهي التصرفات التي ظاهرها الصحة ،‎ ‎لكن تكتنفها تهمة التوصل بها ‏إلى باطن ‏محظور،‎ ‎لكثرة قصد ذلك منها‎ . ‎‏ ‏
‏5- وضابط إباحة الذريعة‏‎ : ‎أن يكون إفضاؤها إلى المفسدة نادراً،‎ ‎أو أن تكون مصلحة ‏الفعل أرجح من ‏مفسدته‎ . ‎‏ ‏
وضابط منع الذريعة : أن تكون من شأنها الإفضاء إلى المفسدة لا محالة – قطعاً – أو كثيراً ، ‏أو أن تكون ‏مفسدة الفعل أرجح مما قد يترتب على الوسيلة من المصلحة.‏اهـ
مجلة المجمع (العدد التاسع ،‎ ‎مجلد 3 ، ص 5) ‏وينظر: قرارات وتوصيات المجمع ص209
وبهذا العرض السريع المختصر يتبين أن الدكتور يتكلم فيما لا يعرف ، و يَتَّهِم وينازع أهل العلم ‏ بغاية من الجهل {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}

* قال الدكتور في إثبات من خالف في سد الذرائع : ومن ذلك ما أورده السهيلي عن هذه ‏القاعدة (الروض الأُنُف، ص175 : "... ولم يجعل الشافعي الذريعة إلى الحرام أصلاً ، ولا ‏كره شيئاً من البيوع التي تتقى فيها الذريعة إلى ‏الربا ..الخ ‏
قلت: وهذا من إبداعات الأستاذ الجامعي الرائعة التي يحسد على ابتكارها ، واكتشافها ! ‏
ما هو الروض الأنف ؟ ومن هو السهيلي مؤلفه ؟ وكيف توصل الدكتور لهذا النقل ‏المهم الذي خفي على العلماء ؟! ‏
كتاب الروض الأنف: شرح لكتاب السيرة النبوية لابن هشام .‏
يعني: الكتاب في السيرة النبوية ، وليس من كتب الأصول التي هي محل بحث هذه المسألة. ‏
ومؤلف الكتاب هو: أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي المالكي النحوي . ‏
والكتاب مطبوع في سبعة مجلدات بتحقيق عبد الرحمن الوكيل . ‏
وهنا وقع للدكتور أمور عجيبة : ‏
أولها: أنه ينقل الرد في مسألة أصولية كبيرة من كتاب في السيرة النبوية.‏
ثانيها : أن أبا القاسم السهيلي ـ رحمه الله ـ مؤلف الكتاب أشتهر باللغة ، والأخبار ، كما وصفه ‏من ترجم له (2)، ومعلوم أنه يرجع في كل فن إلى أهله. ‏
ثالثها: أن أبا القاسم مالكي المذهب ، والدكتور ينقل عنه كلام الإمام الشافعي ، وكتب ‏الشافعي ، وأتباعه في الأصول قد ملأت السهل ، والجبل !‏
‏ رابعها : أن الدكتور يعزو إلى الروض الأنف هكذا : ص175 . ‏
في أي المجلدات أيها الأستاذ الجامعي ؟! ثم ظهر لي أن الدكتور اعتمد في إخراج هذه المعلومة على ‏برنامج إلكتروني وجد بها هذا الخلل ، فهو يظهر الكتاب في مجلد واحد ! ، ولذا كان ‏عزوه إلى ص175 ! والموضع الصحيح للكلام المنقول في الروض الأنف 3/313 ، وبهذا يتبين أن الأستاذ لا يعرف كتاب الروض الأنف ولا رأته عيناه ! أهكذا يحسن الاعتراض أيها الأستاذ الجامعي؟!‏

* قال الدكتور: كما تقوم "قاعدة سد الذرائع" على ادعاء علم الغيب ذلك أن من يقول بها ‏يجزم بأن نتيجة أمر ما ستكون على شكل معين ، مع أنه لا يعلم الغيب إلا الله. أما نتائج أي ‏أمر فلن تتضح حتى يحدث ذلك الأمر. اهـ ‏
قلت: كان الأولى بالدكتور أن تستحي من هذا الإيراد الغث ! المخالف للعقل ، والشرع يا ‏دكتور أخفي عليك أن كل عاقل يستدل بمقدمات الأمور على نتائجها ؛ أخفي عليك أن ‏دول الغرب والشرق التي يريد (البعض) جاهدا إلحاقنا بها أنشأت ألوف المراكز للدرسات ‏والأبحاث = لتحقيق ما تقدر عليه من هذه القاعدة !
ولك أن تعلم أن هذا الإيراد المفحم من ابتكارات الدكتور التي لم يسبقه إليها أحد من علماء المسلمين ، ولا عقلاء العالمين قديما ولا حديثا .

* قال الدكتور: ويتمثل سوء الظن بالناس في فقرات البيان الأخرى. فيخوِّف البيانُ من أن ‏قيادة ‏المرأة للسيارة ستؤدي حتما إلى التبرج والسفور وخلع الحجاب الخ .‏
قلت: هذا واقع من حال الناس اليوم مع عدم القيادة ، ولعلك تسمع ، أو تطلع على ‏التقارير الكثيرة التي أشارات للأعداد الكبيرة لحالات الخلوة المحرمة ، وحالات الفجور .. ‏وغيرها ، و هذا المقبوض عليه فكيف ما خفي؟! ، وهذه أمور ظاهرة لا ينكرها إلا مكابر . ‏
و لنا عبرة بحال المرأة في دول العالم. ‏

* قال الدكتور: فقد خوِّف الناس من المفاسد التي ستترتب على البرقيات وتعليم الأولاد ‏والبنات والتلفاز والهاتف والصحون اللاقطة للإرسال الفضائي ودمج تعليم البنات بتعليم ‏الأولاد، وأمور أخرى كثيرة. ‏
قلت: بعض هذه الأمثلة كلام القصد منه التشنيع ، ولم يمنعه أحد يعتد به من أهل العلم ، فهذا نوع من الكذب . ‏
ومنها ما لا توافق على نتيجته ، فالذي يرى أن القنوات الفضائية لم يكن لها أثر سيئ علينا = ‏فهو مطموس على قلبه لا يعرف المعروف من المنكر .‏

* قال الدكتور: أما احتجاج البيان بضعف المرأة وقلة حزمها وقصر نظرها فينبع من النظرة ‏‏الدونية للمرأة في الثقافة المحلية التقليدية. ‏
قلت: هل يفهم من هذا أن الدكتور حامل لثقافة (غربية) غير تقليدة ؟ ربما !‏
وفي كلامه مغالطة ظاهرة ؛ فالمرأة بلا شك أضعف من الرجل ، و شرع الله سبحانه ‏القوامة عليها ، وعدم سفرها بلا محرم .. ، لضعفها ، والمحافظة عليها ، وليست ‏المسالة نظرة دونية ، و هذا الكلام المرمي على عواهنه من الدكتور فيه لمز مبطن للشرع المطهر.‏
{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى } {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}
والحق أنها نظرة فطرية مصلحية شرعية ، والنظرةُ الدونيةُ نظرةُ مَن يريدها لعبة لنزواته ، ‏وشهواته ، وليست نظرة من يريد صونها من افتراس السباع.‏
‏ ‏
* ثم ختم المقال بكذبة لطيفة ! فقال: ليس هدفي من هذا المقال الانحياز إلى أحد الطرفين ، بل ‏لتبيين أن حجج معارضي ‏قيادة المرأة للسيارة التي تلبَّس بغطاء شرعي لا تعدو أن تكون ‏دليلا آخر على ‏إغراق بعض المنتسبين إلى العلوم الشرعية في بلادنا في التقليد وعدم المعرفة ‏‏بالواقع وتأسيس الآراء على سوء الظن بالمسلمين وكيل الاتهامات لهم والنظرة ‏الدونية ‏للمرأة.‏
قلت: قد بينت أن لم تفهم ولم تعرف مسألة سد الذرائع ، ولا تدري أين تكلم عنها العلماء ، ‏وأنت لا تعدو أن تكون عاميا في مسائل العلوم الشرعية ، قد تحليت بما لم تعط كلابس ثوبي ‏زور ، وفرض العامي في علوم الشرع أن يسأل أهل العلم كما أرشده ربه { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ ‏الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} لا أن يتعالم ، ويتطاول على حملة العلم ، ويتهجم عليهم بلا وازع ‏ولا حياء . ‏
وأختم كلامي بنقول عن بعض أهل العلم تبين مكان هذا الدكتور ، وأمثاله فيما يتكلمون به ‏، ومدى جنايتهم على العلوم وأهلها : ‏
قال العلامة ابن حزم الظاهري في مداواة النفوس ص67: لا آفة على العلوم ، وأهلها أضر ‏من الدخلاء فيها ، وهم من غير أهلها ، فإنهم يجهلون ، ويظنون أنهم يعلمون ، ويفسدون ، ‏ويُقَدِّرون أنهم يصلحون.‏

وقبله قال الإمام الشافعي في الرسالة ص 41 : فالواجب على العالِـمِين أن لا يقولوا إلا من ‏حيث علموا ، وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك ‏أولى به ، وأقرب من السلامة له إن شاء الله .‏
وقال العلامة ابن رجب في الحكم الجديرة بالإذاعة ـ المجموع 1/248ـ :‏
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ‏رد ‏‏" .‏ فأمَر اللهُ ورسولُه بالرد على من خالف أمر الله ، ورسوله ، والرد على من خالف أمر الله ‏‏ورسوله لا يتلقى إلا عمّن عرف ما جاء به الرسول ، وخَبَره خبرة تامة . ‏
قال بعض الأئمة : لا يؤخذ ‏العلم إلا عمّن ‏عرف بالطلب . ‏
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم نوعان :‏
أمر ظاهر بعمل الجوارح ، كالصلاة ، والصيام ‏، والحج ، والجهاد ‏، ونحو ذلك . ‏
وأمر باطن تقوم به القلوب ، كالإيمان بالله ومعرفته ومحبته وخشيته وإجلاله وتعظيمه ‏‏والرضا بقضائه ‏، والصبر على بلائه .‏
‏ فهذا كله لا يؤخذ إلا ممن عَرَفَ الكتاب ، والسنة ، ومن لم يقرأ القرآن ، ويكتب الحديث لا ‏‏نقتدي به في ‏علمنا ، فمن تكلم على شيء من هذا مع جهله بما جاء عن الرسول = فهو داخل ‏فيمن ‏يفتري على الله ‏الكذب ، وفيمن يقول على الله ما لا يعلم ، فإن كان مع ذلك لا يقبل ‏الحق ممن ينكر عليه ‏باطله لمعرفته ‏ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بل ينتقص به ، وقال ‏‏: أنا وارث حال الرسول ‏والعلماء وارثون ‏علمه ، فقد جمع هذا بين افتراء الكذب على الله ، ‏والتكذيب بالحق لما جاء به { فمن أظلم ‏ممن كذب ‏على الله وكذّب بالحق لما جاءه أليس في ‏جهنم مثوى للكافرين } فإن هذا متكبر على الحق ‏والانقياد له ، ‏منقاد لهواه وجهله ، ضال ‏مضل ، وإنما يرث حال الرسول من علم حاله ، ثم اتبعه ، فإن ‏من لا علم له ‏بحاله فمن أين ‏يكون وارثه ؟ ‏
ومثل هذا لم يكن ظهر في زمن السلف الصالح حتى يجاهدوا فيه حق الجهاد ، وإنما ظهر في ‏‏زمن قل فيه ‏العلم وكثر فيه الجهل ، ومع هذا فلا بد أن يقيم الله من يبين للأمة ضلاله ، وله ‏نصيب ‏من الذل ‏، والصغار بحسب مخالفته لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم . ‏
يا لله العجب ، لو ادعى معرفة صناعة من صنائع الدنيا ، ولم يعرفه الناس بها ، ولا ‏شاهدوا ‏عنده آلاتها ‏= لكذبوه في دعواه ، ولم يأمنوه على أموالهم ، ولم يمكنوه أن يعمل فيها ما يدعيه ‏من تلك ‏الصناعة ، ‏فكيف بمن يدعي معرفة أمر الرسول ، وما شوهد قط يكتب علم ‏الرسول ولا يجالس ‏أهله ولا يدارسه ؟ ‏
فلله العجب كيف يقبل أهل العقل دعواه ، ويحكمونه في أديانهم ، يفسدها بدعواه ‏الكاذبة ؟ ‏اهـ ‏
قلت: سبحان الله كأنهم إنما قالوها عنه !‏
وأختم تعليقي هذا بكلمة أعجبتني للأمين العام للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي الشيخ ‏‏الأستاذ الدكتور صالح المرزوقي في اللقاء الذي أجري معه في جريدة المدينة في عددها (15416) ‏‏‏2/6/1426هـ ، عندما قيل له : ‏
ينادي البعض بإلغاء قاعدة ''سد الذرائع'' لأن لا وجود ‏لها في هذا العصر المتطور، فهي قاعدة قد انتهى ‏زمنها والعمل بها الآن نوع من التخلف ‏والرجعية. ما رأي فضيلتكم؟ ‏
ما أظن يا أخي الكريم أحدا من علماء الشريعة يقول بهذا القول ، وإذا كان يقول به أحد من ‏عامة أفراد ‏المجتمع الذين ليسوا من أهل العلم الشرعي = فهؤلاء لا يؤبه بقولهم في الأمور ‏الشرعية ؛ لأن لكل ‏تخصص أهله ..‏

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم . ‏

كتبه: عبد الرحمن السديس ‏
الرياض24/6/1426هـ


‏------------------‏
(1) مثل :"سد الذرائع وتطبيقاته في مجال المعاملات"‏‎ ‎للشيخ الدكتور عبدالله بن بيه .
" سد الذرائع ‏عند الأصوليين والفقهاء " الدكتور خليفة با بكر .
"سد الذرائع " لمحمد البرهامي .
"قاعدة سد ‏الذرائع وأثرها في تطبيق الأحكام" لسعد السلمي .
"سد الذرائع في مسائل العقيدة على ضوء الكتاب ‏و السنة" لعبدالله الجنيدي .
"سد الذرائع و أثره في الفروع الفقهية" للهادي بن الحسين شبيلي .
"سد ‏ذرائع الزنا للمحافظة على النسل" لمحمود صالح جابر .
"سد ذرائع الابتداع في مسائل الاعتقاد" ‏لعبداللطيف الحفظي .
وعشرات المقالات في المواقع ‏الإسلامية ، و الصحف. ‏
(2) وفيات الأعيان‏ 3/143، و‏‏ نكت الهميان 187‏، والديباج المذهب 150، وشذرات ‏الذهب ‏6/445.‏
 

عبد الرحمن السديس
  • مقالات متنوعة
  • فوائد حديثية
  • مسائل فقهية
  • فوائد تاريخية
  • مسائل عقدية
  • الصفحة الرئيسية