اطبع هذه الصفحة


الجامعة الحلم ... والمفسدون ما أشبه الليلة بالبارحة

عبد الرحمن بن صالح السديس

 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وسلم .

أما بعد:

فكتب في صحيفة الرياض يوم الأربعاء 18/10/1430هـ د. عبدالله المطوع مقالا عنوانه :

"الجامعة الحلم... والمعارضون ما أشبه الليلة بالبارحة" واحتوى هذا المقال على أنواع من التخبيط في الاستدلال، وأبان فيه عن ضعف تصوره للمسالة المطروحة، وكتب بطريقة سطحية، وتابع فساق الليبرالية والمفسدين من كتاب الصحف، وكان قبل ذلك رجلا صالحا.

والمحزن أنه في مقاله لم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر، بل سلط سهامه على من أمر بذلك، وليته إذ تكلم؛ تكلم بعلم وعدل، وعرف قدر نفسه ومكانه في العلم، واستشعر حين يكتب أنه يتكلم في حكم شرعي، ويعارض علماء كبار ويُعرض بهم وبآرائهم .

وكان في مجمل سياق كلامه واحتجابه غير خارج عن طريقتهم في تلبيسهم وكذبهم، واستدلالهم بما ليس فيه دلالة، ورميهم مخالفيهم بما هم منه براء.

وأبدأ في تعليقي على مقاله من عنوانه :

فقد قال: "الجامعة الحلم... والمعارضون ما أشبه الليلة بالبارحة" .

ويقال: أين المعارضون للجامعة؟! 

ولم الكذب والافتراء على مخالفيك أم أن ضعف حجتك ومنطقك لا بد أن يدعم بمثل هذه الفِراء ؟!

فالعلماء الذين طالبوا القائمين عليها بضبطها بضوابط الشريعة، كما ضبط غيرها من مرافق الوطن؛ ليسوا معارضين لها؛ بل هم مؤيدون لها ولكل صرح علمي يخدم البلاد، لكن يعارضون ما يخالف أوامر الله تعالى، وقاموا بما أوجب الله عليهم من النصح لله ولأئمة المسلمين، فالمؤمنون نصحة والمنافقون غششة.

ولم البغي والكذب في تصوير أهل العلم ومطالبتهم بالفضيلة وكأنهم يحاربون العلم والتقدم ؟!

وأتعجب من سرده بعد ذلك لما سيكون في الجامعة من تخصصات ودراسات مهمة ... وكأنه بذلك يزيد الشناعة على هؤلاء المتخلفين ـ والذين لا وجود لهم في الواقع ـ الذين يريدون أن يحرموا العباد والبلاد من هذا المرفق ؟!

وجهل أو نسي: أن مطالبة أهل الخير للضبط  الأخلاقي في الجامعة وغيرها كما أنه مطلب شرعي، فهو كذلك مطلب وطني، إذ هناك العشرات من طلاب وطالبات هذا البلد الطيب الذين لديهم علوم ومواهب سيحرمون من الإفادة من هذا الصرح لوجود هذه المنكرات.

وليست مطالبتهم هذه بمعجزة ولا مستحيلة ولا متعذرة التحقيق لو أراد القائمون عليها ذلك.

وهذه جامعات العالم تسير حسب أنظمتها وقوانينها، فلم يراد لنا التخلف عن ديننا مسايرة لمن لا يسايرنا ؟!

فأي خسارة ستكون هذه؟ وبأي حق يحرم الصالحون والصالحات من الإفادة من هذه الجامعة التي بنيت من بيت مال المسلمين في حين يستقدم لها أشكالا من الطلبة من كل بلاد العالم باختلاف أديانهم ؟!

لكن المرجو من ولاة الأمر وفقهم الله أن يأخذوا على أيدي القائمين على الجامعة، ويصلحوا ما أحدثوه فيها مما هو مخالف للشرع وأنظمة البلد وأكبر أهل العلم.

وأما قوله وهو يعدد الأمثلة على المكتسبات الحضارية القديمة لني العباس:

"وبيت الحكمة وهو أول مجمع علمي يحتوي على مكتبة علمية جامعة وهيئة للترجمة"

فربما جهل أن هذه من مساوئ المأمون؛ لأن هذه الترجمة لكتب الفلاسفة وغيرهم بسببها دخلت البدع على المسلمين وكان سبب إنشاء هذه الدار جلساؤه من المعتزلة، الذين كان سبب ضلالهم هو أخذهم من تلك المذاهب، فالمأمون أنشأ هذه الدار وعرب الطالح والصالح والحسن والقبيح من كتب الفرس واليونان ودياناتهم وفلسفاتهم، حتى استشرى الأمر بالمعتزلة إلى فرض البدع على الناس في عقيدتهم، وامتحن الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن بأمر المأمون، ودخلت بدع كبيرة في دين المسلمين لا زالت إلى اليوم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:  "ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها". نقله الصفدي في الغيث المسجم1/79.

 

ثم قال عن الجامعة : "ويجري فيها ما يجري في "أرامكو" منذ عشرات السنين في مناطق مختلفة من بلادنا من وجود جاليات متنوعة يعملون فيها من الجنسين، فما الذي تغير حول ذلك مما جعل البعض يشوشون عليها؟. "

يقال له: الذي يجري من المنكرات في أرامكو وغيرهالم يكن حلالا، وقد أنكره العلماء ولا زالوا ينكرون كل مظهر من هذه المظاهر، والذي حصل هو تجدد هذا المنكر في هذا المرفق، ومن الطبيعي أنه سينكر.

وإن كان هذا المنكر له طابع آخر، وإن لم تفهمه فقد فهمه من أنكره من أهل العلم والفقه والنظر، وهو: زيادة على أنه منكر جديد، ففيه أيضا: توسع ودخول إلى مرفق التعليم، في جامعة لها مثيلات في الدولة، وهي بوابة إن تركت بلا نصح وإنكار وبيان للمفاسد؛ قد يسير البقية نحوها.

و"البعض" يا هذا لم يشوش عليها، بل أمر بمعروف ونهى عن منكر، وما الذي يضيرك وأمثالك من ذلك، أيزعجكم أن يحتسب عالم وينكر منكرا، ويأمر بمعروف، وينصح لأئمة المسلمين ؟!

ولم تشوش أنت وأمثالك على أهل العلم حين يقومون بما أوجب الله عليهم، وتتكلمون فيما لا تفهمون، وتسكتون على المفسدين بل وتكونون عونا لهم ؟!

البعض يا دكتور يرى بنظر العالم الواعي الذي يبصر عواقب الأمور ويستشرفها، ويدرك ما يدور حوله مما حدث في بلاد المسلمين قبلنا، وذاقوا بسببه الويلات، وكأنك لا تسمع ما يحدث بسبب ذلك، وفي وقت بدأ بعض عقلاء الغرب يطالب بمنع الاختلاط في التعليم، ويتكلمون عن مفاسد الأخلاقية والتربوية والتحصيلية (1)، ونحن يراد لنا أن نرجع على أعقابنا ونتبع هديهم ؟!

والجاهل هو من لا يبصر إلا موضع قدميه، ولا يعتبر بما حدث ويحدث حوله .

وقوله: "
و"ما أشبه الليلة بالبارحة" فقد عارض أقوام افتتاح مدارس للبنات في الثمانينات الهجرية الماضية..، واليوم بحمد الله لا نجد أحداً لا يدّرس بناته في تلك المدارس، بل ويبحث عن الشفاعات حينما لا تقبل بناته في المدارس أو الجامعات، فهل نحن بذلك نطبق مقولة: "إن الإنسان عدو ما يجهل"؟، ونعترض لمجرد الوهم والخوف من كل جديد. "

قال "أقوام" ولم يقل علماء ومعلوم أن العلماء لم يعارضوا تعليم المرأة، وإنما كانوا يطالبون بضبط ذلك، واستجاب الحكام رحمهم الله لهم، وجعل العلماء هم المشرفون على تعليمهن، نعم ربما عارض أناس تعليمهن لما خافوه من مسايرة لما يحدث في عامة دول العالم وقتها من الاختلاط والتبرج والسفور، وكان لمطالبتهم أعظم الأثر على ضبط تعليم المرأة في بلادنا إلى اليوم، فهم سبب من أسباب هذا الضبط الذي استمر أكثر من 40 عاما صامدا ، ونرجو أن لا يتغير.

ثم قياسه هذا من أعظم القياس فسادا، فهل عارض الجامعة هذه أحد من العلماء؟ لا، وإنما طالبوا بضبطها، وهل إذا استجاب القائمون عليها ـ وهذا المرجوـ وضبطوها بالضوابط الشرعية ثم دخلها من كان يطالب بضبطها يكون معيبا ؟!

ومن طالب بضبط التعليم ليس جاهلا حتى تردد بسذاجة مقالة " إن الإنسان عدو ما يجهل" فالعلماء تكلموا بعلم وبينوا ما في الاختلاط في التعليم من مفاسد لا ينكرها إلا من له غرض خبيث من وراء ذلك، أو من هو مفرط في الجهل. 

وليس الاعتراض لوهم كما تزعم، فحوادث الفساد والابتزاز والاختلاء والفواحش كثيرة جدا مع أن الاختلاط محاصر ومضيق عليه، فكيف لو فتح ومع غير المسلمات أيضا، مع أنك لو كنت تعي ما تقول لم تقل: "والخوف من كل جديد" فهل الاختلاط منتج جديد لم يفهمه من تكلم فيه ؟!

أما قولك: "ما أشبه الليلة بالبارحة" فليتك تعي ما فيه من معنى، وترى أن شبه الليلة بالبارحة هو فيما يراد لبلادنا من التبرج والتفسخ والفجور الذي كان البارحة في البلاد المجاورة حذو القذة بالقذة، لكن الحكيم يبصر ويفهم ويعرف النظائر، والجاهل يتبع ما يقال حوله ويردده بلا فهم ولا اعتبار.

وقوله: "إن الاختلاط الذي توصم به الجامعة من القضايا الاجتهادية التي اختلف أهل العلم في النظرة إليها "

لا يا عزيزي، ليس الأمر كما تتوهم؛ لأن الاختلاط في الجامعة مع طالبات غير مسلمات قد كشفن عن الرؤوس وأخرجن الأيدي إلى المرافق وربما أكثر وكشفن عن السوق، ولبسن الضيق وو... إلخ

وهذا مما لا اختلاف فيه، لكن من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.

ولذا فإن قولك بعدها: " أو لم تلتزم النساء فيه بالحجاب الشرعي"

يدل على أنك لا تعي ما تقول، ولا تدري ما تكتب .

وعلى تقريرك هذا ومنطقك، فأنت هنا أيضا من المشوشين على الجامعة؛ لأن كثيرا من النساء فيها لن يلتزمن بالحجاب الشرعي فيها، فالاختلاط بهن محرم عندك، وتكون قد نقضت مقالك كله !

وقوله: "وقد جاءت نصوص شرعية صحيحة تدل على إباحة الاختلاط بين الرجل والنساء ما دام أنه لم يقع فيه ما يُنهى عنه شرعاً"

قبل أن أبدأ بالجواب على تفصيل ما ذكره مما يدعي أن يجيز الاختلاط في التعليم لا بد أن يستحضر الفرق بين كل مثال يقوله مع واقع التعليم، وقبل هذا لا بد أن ينظر في النصوص المحكمة قبل التقاط نصوص متشابهة من هنا وهناك، من غير وعي لمعناها، مع أن بعضها حوداث أعيان لا عموم لها، كما هو معلوم في علم الأصول.

وأبدأ بذكر نصوص قولية عامة تبين خطر فتنة النساء على الرجال، ومعلوم أن الاقتراب من الفتن سبيل في الوقوع فيها.

ففي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". رواه البخاري (5096) ومسلم (2740).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". رواه مسلم (2742).

وفي البخاري (5232) ومسلم (2172) عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والدخول على النساء".

فهذه نصوص صريحة واضحة تبين خطورة فتنة النساء، وأنها من أضر الفتن، وكل عاقل يعرف أن هناك ميلا فطريا بين الرجل والمرأة، وأن الاحتكاك بها والقرب منها سبب للرذيلة والفتنة بينهما.  

وقوله: "
إن تناول هذه المسألة وفق هذا المفهوم وتسميتها بهذا الاسم "الاختلاط" بحسب اطلاعي والاستفادة مما ذكره أهل العلم حول ذلك لم يجر تناوله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولم يذكره علماء السلف الصالح في القرون المتقدمة"

الحمد لله أنك كشفت بهذا عن قلة اطلاعك ومعرفتك بكلام العلماء، وجهلك بنصوص الشريعة، وإلا فالنصوص كثيرة أتت بهذا المفهوم، ولو راجعت كلام العلماء على الأحاديث التي أذكرها هنا دع غيرها = لرأيت شيئا كثيرا.

وهذا أبدأ في التعليق على الأدلة التي سردها لتبرير جواز الاختلاط في التعليم،وننظر مدى صلاحيتها لما يحتج به، وسينكشف مدى فهمه للنصوص وأوجه الدلالة منها، ونرى من هو أسعد بالحق هو أو العلماء الذي حرموا ذلك.

فقوله "منها: حديث المرأة السوداء التي كانت تتولى تنظيف مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد صلى النبي عليه الصلاة والسلام على قبرها بعد وفاتها تكريماً لها"

فيقال: أين في الحديث ما يدل على دعواك ؟ فهل وجدت فيه أنها تقم المسجد بحضرة الرجال ؟!

وكما أنك ذكرت أنها سوداء يعني ليست محلا للفتنة ولا تشتهى، كما أنك لم تذكر أكانت عجوزا أم شابة؟، فكيف تستدل به على اختلاط الشباب في قاعات الدراسة مع الفاتنات الجميلات المتبرجات ؟!

هذا من أفسد الاستدلال .

وقوله: "ومن النصوص كذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشهود النساء صلاة العيد

ويقال هنا أيضا قد أبعدت النجعة، وليس في الحديث ما يدل على ما تدعي، لأن في الحديث ما يبطل دعواك ففي البخاري (978) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن..." 

وفي البخاري (4895) عن ابن عباس رضي الله عنهما:" فكأني أنظر إليه حين يُجْلِس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء...".

فهذان الحديثان فيهما أن النساء منعزلات عن الرجال، وأنهن من بُعدِهن عنهم لم يسمعن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا أتى النساء فذكرهن ووعظهن، وفي حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس الرجال حتى لا يكون انصرافهم إلا بعد النساء، لئلا يختلطوا بهن، مع أنهم خير الناس وأشرفهم وأبعدهن عن الشر.

فهذا الحديث حجة عليك لا لك.

ومع ذلك فانظر ما قاله طائفة من أئمة فقهاء السلف في القرون المفضلة:

وقال الثوري: أكره اليوم للنساء الخروج إلى العيدين.

 وقال ابن المبارك: أكره اليوم الخروج للنساء في العيدين؛ فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطهارها ولا تتزين، فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك.

 وذكر محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: كان النساء يرخص لهن في الخروج إلى العيد فأما اليوم فإني أكرهه قال وأكره لهن شهود الجمعة والصلاة المكتوبة في الجماعة وأرخص للعجوز الكبيرة أن تشهد العشاء والفجر فأما غير ذلك = فلا. التمهيد لابن عبدالبر المالكي 23/402.

وكذا قرره كثيرا من الفقهاء غيرهم، وهذا مثال فقط .

وقوله:"ونهيه عليه الصلاة والسلام من منع الأولياء لنسائهم من الصلاة في المساجد‏:‏‏(‏إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها‏)‏ متفق عليه.

وهذا مثل الذي قبله لا دلالة فيه على دعواك، فالنساء في المسجد لم يكن يختلطن بالرجال بل كن في آخره والرجال في أوله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" رواه مسلم (440).

وفي البخاري (866) عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال".

وفي رواية في البخاري (850) قالت: "كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم".

فهذا دليل على نقيض ما ذكرت.

وعن أبي أسيد الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: « استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق ». فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. رواه أبو داود (5274) وحسنه الألباني.

وفي سنن أبي داود (462) عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لو تركنا هذا الباب للنساء » صححه الألباني.

وفي البخاري (7190) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رابكم أمر فليسبح الرجال وليصفح النساء"

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن ". رواه أبو داود (567) وصححه الألباني.

فهذه النصوص تدل بجلاء على أن الشريعة راعت بعد الرجال عن النساء، في المسجد، وفي المدخل له، وفي الطريق؛ بل وفيها قطع كل سبب للتعلق بينهم حتى صوت النساء في مثل هذه الحال.

هذا مع أنهم أشرف الخلق وأطهرهم وأبعدهم عن الريب.

ومع ذلك ففي البخاري (869) ومسلم (445) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل".

تقول هذا أم المؤمنين فقيهة الصحابة، في ذاك العصر الزاكي وفي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، تقوله لنساء المسلمين اللاتي حضرن للصلاة، فكيف يقاس بحالنا اليوم ، لا وفي مكان يجلس فيه بالساعات ومع طالبات متبرجات وبعضهن غير مسلمات ؟!

أيقول هذا من يعي من الشريعة ومقاصدها شيئا ؟!

وقوله:"كما قررت الشريعة الإسلامية أن على المرأة أن تقوم بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنها في ذلك شأن الرجل"

وهذا حق لكن من أين لك أنها تقوم به على الرجال ؟! وهل وجدت من نساء الصحابة والتابعين من كانت تغشى مجالس الرجال، وتعظهم وتأمرهم وتنهاهم، أومن كانت لها دروس في المسجد ؟!

فالنصوص التي تقدمت في التحذير من فتنة النساء، وغيرها ـ مما تقدم ـ تدل على أن استدلالك في واد والنصوص ومقاصد الشرع في واد آخر، وأن ما تفعله بمقالك هذا هو عبث بالنصوص لتبرير ما تهوى ؟!

وقوله: "وقد عيَّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته الشِّفاء بنت عبدالله محتسبة رسمية على السوق".

وهنا لم تذكر من أين أتيت بهذا الكلام، ولا ذكرت هل هو ثابت أو لا، بل جزمت بذلك من عندك، وأخشى أن تكون "قرضته" من مقال لغيرك من غير تمحيص ولا بحث؟!

ويكفي لمخالفك أن يقول: هذا ليس بصحيح بل هو مردود حتى تثبت صحته.

لكني لا بأس سأتبرع وأبين أنه غير صحيح:

ففي طبقات ابن سعد 1/250:

ويقال: إن عمر بن الخطاب استعملها على السوق ، وولدها ينكرون ذلك، ويغضبون منه .

فهنا ذكره بصيغة "يقال" وهي صيغة تمريض كما هو معروف في علم المصطلح، كما أنه لم يذكر له سندا، بل أردفه بقوله جازما : " وولدها ينكرون ذلك ويغضبون منه "، وهم أعلم الناس بذلك.

ومما يدل على وهم هذه الرواية أيضا أنه جاء في "جمهرة أنساب العرب" لابن الكلبي ص33: سليمان بن أبي حثمة بن حذيفة بن غانم وأمه الشفاء بنت عبد الله، وكان سليمان بن أبي حثمة شريفا، ومن صالحي المسلمين، واستعمله عمر بن الخطاب على سوق المدينة.

وكذا ذكره مصعب الزبيري في "نسب قريش" 10/374، وابن أبي خيثمة في تاريخه 2/786، وأبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" 4/61، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 22/215، وابن الأثير في "أسد الغابة في معرفة الصحابة" 1/476، وغيرهم.

فهؤلاء العلماء تواردوا على أن الذي استعمل على السوق هو ابنها وجزموا بذلك.

وقال ابن العربي المالكي (ت 543) في أحكام القرآن 3/482: "وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح، فلا تلتفتوا إليه؛ فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث".

وعلى كل حال يكفي أن نقول: الذي يدعي توليها عليه أن يأتي بنقل صحيح في ذلك، وأنى له ذلك؟!

وقوله:
"ومن أحكام الشريعة أيضاً: جواز شهادة المرأة في قضايا الأموال وحقوقها، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه..، إلى قوله تعالى:(واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء)، فإذا شهدت المرأة لا بد أنها ستحضر مجالس الرجال وتسمع ما يدور فيها".

يقال: إنه تعالى قال "ممن ترضون من الشهداء" يعني أن هذا المرأة تكون معروفة عندهم مرضي دينها، يعني أنها ستشهد عند من يعرفها من أهلها وقرابتها، ولا يلزم من الشهادة على الدين والبيع الجلوس في مجالس الرجال، والشاهد يشهد بخلاصة الأمر أي: أن فلانا باع لفلان أو استدان من فلان.

وهل مثل هذا الاستدلال يعارض به الأحاديث المتقدمة؟! ويراد منه تجويز دراسة الشاب مع الشابة في قاعة واحدة وعملها معها ساعات طوال ؟!

ورحم الله ابن العربي المالكي (ت 543) حين قال : "فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير ؛ لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها ، وإن كانت متجالة بَرْزَة لم يجمعها والرجال مجلس واحد تزدحم فيه معهم ، وتكون مناظرة لهم ؛ ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده". أحكام القرآن 3/483.

وقوله: وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تشارك في ذلك أيضاً وهي شابة وعمرها في العشرين كما في الحديث المتفق على صحته عن أنس رضي الله عنه: (أن عائشة وأم سليم، كانتا في يوم أُحد مشمِّرتين، تنقلان القِرب على متونهما وظهورهما ثم تفرغانها في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها)

ويقال: هذا امتداد للتخبيط السابق، فقوله: "عائشة عمرها في العشرين" باطل مخالف لما هو معلوم لكل من له أدنى علم بالسيرة والتاريخ .

لأن عائشة دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر في شوال ولها تسع سنين، وعزوة أحد كانت بعدها بسنة في شوال سنة ثلاث، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم أول سنة أحد عشر من الهجرة، وعمرها 18 سنة، فيكون عمرها حينها: دون 11 سنة، وليست في العشرين كما يزعم.

 مع أن عزوة أحد كانت قبل فرض الحجاب بإجماع العلماء، ومساعدة الصحابيات للجرحى وقتها من باب الضرورة، قال ابن حجر في فتح الباري 6/80: "وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة".

ولذا ثبت في البخاري (2661) ومسلم (2770) في حادثة الإفك ـ وهي بعد الحجاب ـ " فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه" 

فلم كانت في هودج يستر كامل بدنها ـ فوق تسترها بثيابها ـ عن أعين الرجال، ولِم لم تختلط بهم ؟!

وقوله: "أن الاختلاط (والذي يراد منه وجود جماعة من الرجال والنساء في مكان واحد) ليس محرماً في حد ذاته، ما دام أنه منضبط بضوابط الشريعة وآدابها، وإنما يُنهى عنه إذا توافرت فيه أفعال محرمة كالاجتماع على منكر أو لم تلتزم النساء فيه بالحجاب الشرعي"

فيقال: هذا الكلام لا يناسب هنا لأنه ينقض مقالك؛ لأنه عن اختلاط لم ولن تلتزم به النساء بالحجاب الشرعي؛ لأن جملة منهن غير مسلمات، وقد نشر في جريدتك التي كتبت فيها صورا لهن وهن متبرجات سافرات.

وحكمك هذا وقولك: " ليس محرماً " لا قيمة له؛ لأنك لست أهلا للفتيا، وما ذكرته من أدلة ظهر أنها على نقيض ما تريد، أو لا حجة لك فيه.

أما قوله: "فنحن في مجتمعنا اليوم نختلط معشر الرجال بالنساء في الأسواق والطرقات والمستشفيات والمطارات، بل وأعظم من ذلك في الحرم المكي الشريف في الطواف والسعي والصلاة وفي مشاعر الحج ورمي الجمار، فلما ننظر إلى ذلك بمنظارين مختلفين؟".

لو فهمت ما تتكلم فيه لعلمت أن خلطك لهذه الأمور سبب لعدم فهمك، وأن ما ذكرته ليس كله مباحا على إطلاقه، وأنها ليست مثل الذي يحدث في التعليم والوظائف التي يجلس فيها الجنسين في مكان واحد، وأن هذا الاختلاط العابر لا يمكن أن يكون ضرره كالبقاء بالساعات في مكان واحد، وأن هناك أمورا هي كالضرورة كالطواف ورمي الجمار، وليس كذلك التعليم، والضرورة تقدر بقدرها، ومع ذلك فقد جاءت الشريعة بضبط ذلك قدر الإمكان،

ففي البخاري (1618) قال ابن جريج أخبرني عطاء (من كبار التابعين) إذ منع ابن هشام (أمير مكة) النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال؟

قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟

قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب.

قلت: كيف يخالطن الرجال؟!

قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم.

فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن حين يدخلن وأخرج الرجال".

فهذا الحديث فيه أن النساء كن يطفن منعزلات عن الرجال وأن أمير مكة وقتها منع من طوافهن حال وجود الرجال.

وقد ذكر الفاكهي في أخبار مكة 1/499، فصلا فيه : "ذكر أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف" وذكر فيه أخبارا، فليراجعها من شاء.

وقوله: "لا أظن أن هناك من يحرّم اللقاءات العلمية أو المشاركات الخيرية أو نحو ذلك مما يتطلب لقاء أو اتصالاً مباشراً بين الجنسين بحجة وجود اختلاط".

نعم لا تظن بل اجزم بمنع ذلك، وهذا الذي عليه عامة علماؤنا اليوم، ولم يتطلب اتصالا مباشرا ؟!

وقوله: "ولا أريد بعد هذه الشواهد الكريمة أن استشهد بكلام أهلنا وبعض أقاربنا من كبار السن الذين كانوا إلى عهد قريب يتشارك الرجال والنساء جماعات في أعمال الحرث والسقي والحصاد في المزارع، وكانوا كذلك يشتركون في تجميع الحشائش لحيواناتهم، وكان فيهم علماء أجلاء كبار لم نسمع من أحد أو نرى في فتاويهم من يحرم ذلك ويمنعه بحجة أنه "اختلاط".

الحمد لله هذه الشواهد الكريمة التي تقدمت ظهر أنه لا حظك لك فيها، فهي إما دليل عليك أو ليس لك، ومن المعلوم أن فعل آبائك وأقاربك ليس بحجة ولا قيمة له، مع أن الواقع بعيد عن إلحاقه بما تريد تقريره الآن من اختلاط التعليم، إلا إن كانوا يلتقطون الحشاش أو يزرعون داخل غرفة أو خيمة يجتمعون فيها فشيء آخر! لكن ربما لم يعلم به العلماء وقتها .

على كل، فأكبر العلماء في ذلك الوقت هو مفتي الديار السعودية العلامة محمد بن إبراهيم له رسالة في الاختلاط وتفصيل أحكامه راجعها في فتاواه 10/25 قرره فيها تحريم هذا النوع الذي تقرره .

قوله: "فنحمد الله تعالى أننا في بلد أسسه الملك عبدالعزيز رحمه الله على المنهج الإسلامي المعتدل وتولاه بالرعاية أبناؤه من بعده رحمهم الله ، ولا تزال بلادنا بقيادة الملك عبدالله حفظه الله تسير على ذلك المنهج "

نعم نحمد الله، ورحمه الله، ومن هذا المنهج المعتدل أنه رحمه الله منع الاختلاط في التعليم وغيره،

واقرأ كلمته رحمه الله وهي "الدرر السنية" 14/397 فلعلك تستفيد من غيرته ونصيحته لمن يدعو لما تبرر له . 

ثم سار على ذلك بعده أبناؤه، وأصدروا بذلك عددا من المراسيم والتعاميم، منها : " الأمر السامي رقم (11651) وتاريخ 16/5/1403هـ والمأكد عليه بالأمرين الكريمين رقم (2966) وتاريخ 19/9/1404هـ و (759/8) وتاريخ 5/10/1421هـ والمتضمن: (أن السماح للمرأة بالعمل الذي يؤدي إلى اختلاطها بالرجال ونحوها في الإدارات الحكومية أو غيرها من المؤسسات العامة أو الخاصة أو الشركات أو المهن ونحوها؛ أمر غير ممكن سواء كانت سعودية أو غير سعودية لأن ذلك محرم شرعاً ويتنافى مع عادات وتقاليد هذه البلاد, وإذا كان يوجد دائرة تقوم بتشغيل المرأة بغير الأعمال التي تناسب طبيعتها أو في أعمال قد تؤدي إلى اختلاطها بالرجال فهذا خطأ يجب تلافيه وعلى الجهات الرقابية ملاحظة ذلك والرفع عنه".

ولا زال التعليم ولله الحمد كذلك، وهذه حالة شاذة، نسأل الله أن يوفق خادم الحرمين إلى الأخذ بيد القائم عليها وضبطها بضوابط الشريعة الغراء، كغيرها من مرافق بلادنا الطيبة، كما قررته النصوص الكثيرة وكما عليه أهل العلم الكبار الناصحون.

 هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.



---------
(1) ينظر كتاب: "الاختلاط في التعليم النشأة والآثار" دراسة تربوية علمية لبعض آثار الفروق الجنسية على العملية التعليمية. للشيخ إبراهيم الأزرق.

 

عبد الرحمن السديس
  • مقالات متنوعة
  • فوائد حديثية
  • مسائل فقهية
  • فوائد تاريخية
  • مسائل عقدية
  • الصفحة الرئيسية