اطبع هذه الصفحة


بيان غلط محمد الدحيم على ابن تيمية وجهله بكتبه

عبد الرحمن بن صالح السديس

 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم أما بعد:
فقد استمعت إلى ما دار في برنامج إضاءات في قناة العربية بين المقدم تركي الدخيل وبين الأخ محمد الدحيم، وقد تحدث عن عدة أمور بكلام أكثره مكرر ممن سبقه من الكتاب الصحفيين أو ممن هو منتسب إلى شيء من العلم، ككلامه عن سد الذرائع واتهامه لفقهائنا بأنه ضيقوا على الناس المباح، وكذا كلامه عن المرأة وأنه قد ضيق عليها ... إلى آخر ما تهتم به هذا القنوات، ولعلهم لم يُحضروه إلا ليتحدث عنها.
ولأن كثيرا من الأمور التي تحدث عنها قد كُتب عنها كثيرا ، وليس فيما ذكره ما يستحق أن يجدد الكلام فيه؛ إذ لا يعدو كونه صدى لأولئك الكتاب لكن بصورة ملتحٍ ، حرصت تلك القناة وأشباهها من وسائل الإعلام على إبراز هؤلاء الشباب للتشغيب على ما قرره الفحول مما دلت عليه النصوص الكثيرة، بكلام إنشائي وأحكام مرتجلة ، وترى الواحد منهم يتكلم بكل جرأة يقيم العلماء؛ بل فحولهم ويُغلط ويُصوب، ويستنكر ويستهجن، ويسخر من جهود المؤسسات الكبرى في التعليم، وهو بعد طري العود، حديث السن، قليل العلم، سطحي النظرة، يساق إلى هذه الأماكن وربما لا يدري ما يراد منه!
والأخ محمد الدحيم من خلال هذا الحلقة تبين لي بوضوح أنه ليس مؤهلا للحكم على الفقهاء الكبار ولا على انتاجهم، فانتصاب طالب علم بحجمه للكلام في قضية النظر المآلات والمقاصد التي هي من شأن المجتهدين، أو الحكم على تراث فقهي هائل يمثله جملة من كبار الفقهاء في هذا الزمن بمثل ذاك الطرح السطحي= جدير بأن يكون مضحكا، لا أن يكون ممتعا، دع وصفه بكونه ضيفا له ثقل! كما تصورته إحدى الجاهلات ممن طار فرحا بكلامه لأنه يؤيد ما عند القوم من شبهات وشهوات، وطاروا به في مواقع العري والشهوات.
لن أتحدث عن لغته المتندرة بالعلماء في الوقوف في وجه التغريبيين في شأن الحجاب والاختلاط، ولا عند اتهامه لهم بأنهم ضيقوا على المرأة، ولا من تندره بكتاب «حراسة الفضيلة» الذي ألفه من هو أسد منه نظرا، وأغزر علما، وأفقه نفسا، ولو استخدم محرك البحث في الشبكة لرأى بعينه نشوة محبي العري والفسوق والعصيان بكلامه في هذه القناة، وهو الذي ينعى على الفقهاء قصر النظر في المآلات والمقاصد!

المهم في تعليقي هنا كلامه عن الإمام ابن تيمية،
وادعاؤه أنه قرأ تراثه قراءة ناقدة، وأنه قد قُرئ تراثة قراءة إسقاطية!، ودعواه على الشيخ ابن تيمية أنه ساهم في الإرهاب!، وزعمه أن ابن تيمية تغير منهجه، وأن «منهاج السنة» كتبه في مرحلة من مراحل عمره، وأنه في «منهاج السنة» وصل إلى مرحلة التكفير للرافضة وفي «النبوات» وهو من آخر كتبه اعتبرهم مسلمين، وذكر كلام الإمام الذهبي أن ابن تيمية كان يقول: «لا أكفر أحد من أهل القبلة»، وبني عليه: أنه في آخر حياته تغير تغيرا جذريا، وأنه تراجع عن تكفير حتى ابن سينا وزعم أن نصه صريح في ذلك!

هذه الدعوى التي ذكرها الأخ محمد إن أُحسن به الظن = فهي دليل بيِّن على ضعف قراءته واطلاعه على تراث الشيخ، وقلة علمه به وبمنهجه، ورحم الله الإمام الذهبي إذ يقول عن ابن تيمية: «وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي»، وهذا الشاب الطري العود يقومه!
ومن اطلع على سيرة ابن تيمية سيرى تواتر شهادات كبار أئمة العلماء له بالتقدم والنبوغ، وإتقان التأليف، والعبقرية منذ حداثة سنة دع مرحلة الشباب ثم الكهولة وما بعدها، كما أقر له بذلك عامة المخالفين قبل الموافقين والمحبين.
والكلام في هذا من الشهرة بمكان لا أرى معه أني بحاجة للتطويل بسرد ما ذكره أهل العلم من أهل المذاهب الأربعة من فقهاء ومفسيرين ومحدثين ومؤرخين وغيرهم في الثناء عليه سواء من: شيوخه أو أقرانه أو تلاميذه، فهو مدون في كتب كثيرة جدا، وكان جملة من الثناء العاطر والشهادة له بالإمامة في الدين والتقدم في العلم والرسوخ فيه وعمره دون الثلاثين.

وهذا نموذج من ذلك:

في «مختصر طبقات علماء الحديث» للإمام المحدث ابن عبد الهادي قال: وحج سنة 91 وله ثلاثون سنة، ورجع وقد انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل ..
وفيه أيضا: قرأت بخط الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني على كتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»: تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة الأوحد الحافظ المجتهد، والزاهد العابد، القدوة، إمام الأئمة، وقدوة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين... وهذا الثناء عليه وكان عمره نحو الثلاثين سنة.اهـ وابن الزملكاني هذا كان قاضي قضاة الشافعية.
بواسطة «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» ص248-253.
وقال العلامة الإمام ابن دقيق العيد: لما اجتمع به سنة 700هـ: «رأيت رجلا العلوم كلها بين عينيه، وقال: ما كنت أظن أن الله بقي يخلق مثلك». نقله ابن ناصر الدين في «الرد الوافر» ص111.
وغيرهم كثير، وكما عجز العلماء في عصره وبعده عن إحصاء مؤلفاته، يعجز اليوم من يريد إحصاء الكتب التي تناولته بالدراسة، أو تناولت شيئا من آرائه وأفكاره بالبحث والتحليل، ولا يزال تراثه العظيم منهلا للوراد، وعلمه محلا للبحث والدرس، وليس كما زعم.
والناظر في عامة كتبه المتقدم منها والمتأخر = لا يكاد يجد فرقا في نفَسه العلمي، واطراد منهجه وثباته، خاصة في ما يتعلق بأصول الدين، ولذا اعتمد أكثر محققي كتبه في تحديد تواريخ مؤلفاته على ما يذكره من إحالات فيها إن لم يوجد نص في ذلك.
فهذا التراث الشيخ العظيم العميق الذي انبهر منه أكابر العلماء على مر العصور من عامة المذاهب يشكك فيه، وأنها مراحل مر به الشيخ، ثم زعم أنه تراجع عن فكره وأنه تغير تغيرا جذريا لمجرد كلمة نقلها عن الإمام الذهبي التي لم يفهما وزعم أنها نص في تغيره!
وزعم أن علماءنا مقلدون له، وأن من ينقل عنه إنما يروج لكلامه، وأنه قرأ تراثه قراءة ناقدة!
نعم شيخ الإسلام له مكانة عند علمائنا لكن نراهم كثيرا يختلفون معه في الفروع، أما في أصول الدين فمنهج أهل السنة واحد، وشيخ الإسلام بالغ في تقريره والرد على المخالفين وإلا فلا اختصاص فيه بشيء جديد فيه، فهل يريد أن نختلف معه في مسائل الصفات، أو القدر، أو الإيمان، أو الصحابة ونحوها؟!
فإن لم يرد ذلك = فمخالفة علمائنا له في الفقه كثيرة جدا، ولا يجحده إلا مكابر.
وطلبة العلم الصغار بحسبهم أن ينتفعوا بكلام ابن تيمية، وأن يفهموه على وجهه، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، ولم يغره نفخ الجهلة بوصفه: المفكر الإسلامي، والكاتب الفقهي!
أعود لكلام الذهبي، الذي بناء عليه توبة شيخ الإسلام من التكفير بزعمه!
وهو في سير أعلام النبلاء 15/88:
قال: «كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم». قال الذهبي: «وبنحو هذا أدين». اهـ.
ومعلوم أن آخر سنتين من عمر الشيخ كان في السجن في القلعة ومات وهو هناك، وكان معه تلميذه ابن القيم.
وهذا منهج الشيخ ومنهج أهل السنة، ولم يحد عنه من أول أمره إلى أن مات، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 3/229: هذا مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني : أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة، وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى، وإني أقرر: أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية.اهـ
وكلامه هذا كتبه في سنة 706 هـ وهو في السجن. كما في بداية الرسالة في مجموع الفتاوى 3/211.
أي أن هذا الكلام قاله الشيخ قبل وفاته بـ 22 عاما، وفي كلامه تقرير أن هذا هو منهجه ومذهبه يعرف ذلك كل من جالسه يعني: أنه لم يحدث له شيء قبل ذلك يخالفه.
فأي تغير يزعم محمد الدحيم أنه حدث للشيخ ؟!
فهذا نص قديم من كتاب للشيخ يبين زيف دعواه وسطحية استنتاجه: أن الشيخ تراجع أو تغير منهجه، ويزعم أنه نص في جعل الملاحدة الزنادقة مسلمين كابن سينا وأمثاله.
فشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل السنة مذهبهم في هذا الباب: أنهم لا يكفرون أحدا بعينه إلا إذا علموا أنها قد تحققت الشروط وانتفت الموانع، ومذهبهم في هذا مستقر وظاهر وبين لا إشكال فيه، وقد قرر الشيخ هذا المعنى في مواضع كثيرة.
وابن سينا الذي زعم الأخ محمد الدحيم وأكد زعمه: أن الشيخ تراجع عن تكفيره، يقرر الشيخ أنه من ملاحدة الإسماعيلية، وأنهم أكفر من اليهود والنصارى، وبين ضلاله وكفرياته في كتبه في مواضع كثيرة ومن ذلك:
قال في «الرد على المنطقيين» ص278:«وأما الإلهيات فكلام أرسطو وأصحابه فيها قليل جدا ومع قلته فكثير منه بل أكثره خطأ، ولكن ابن سينا أخذ ما ذكروه وضم إليه أمورا أخر من أصول المتكلمين وأخذ يقول ما ذكره على بعض ألفاظ الشرع، وكان هو وأهل بيته من الملاحدة الباطنية أتباع الحاكم وغيره من العبيديين الإسماعيلية، وأولئك كانوا يستعملون التأويل الباطن في جميع أمور الشريعة علميها وعمليها حتى تأولوا الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، لكن كانوا يأمرون بالشريعة لعوامهم فإنهم كانوا يتظاهرون بالتشيع». وينظر: مجموع الفتاوى 4/162، ودء التعارض 5/10.
فهل ينطبق الكلام الذي نقله الذهبي أيها القارئ الناقد لتراث ابن تيمية على ابن سينا؟!
قطعا لا، ولذا كان أخص تلاميذه من بعده ابن القيم يقول في «إغاثة اللهفان» 2/266: «فرسل الله تعالى وكتبه وأتباع الرسل في طرف وهؤلاء القوم في طرف، وكان ابن سينا كما أخبر عن نفسه قال : أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم، فكان من القرامطة الباطنية الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد ولا رب خالق ولا رسول مبعوث جاء من عند الله تعالى، وكان هؤلاء زنادقة يتسترون بالرفض ويبطنون الإلحاد المحض وينتسبون إلى أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وهو وأهل بيته برآء منهم نسبا ودينا».
بل وغيرهم من العلماء يكفرونه؛ قال ابن أبي الدم الحموي الفقيه الشافعي: «قد اتفق العلماء على أن ابن سينا كان يقول بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، ولا ينكر المعاد النفساني، ونقل عنه أنه قال: إن الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي بل بعلم كلي = فقطع علماء زمانه ومن بعدهم من الأئمة ممن يعتبر قولهم أصولا وفروعا: بكفره».
ذكره الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» 2/541.
وكل سني يقرأ كفرياته يقطع بذلك، وهذا كاف في بيان زيف فهمه لكلام الذهبي.
وتكفير من تحققت فيه الشروط وانتفت الموانع = مما لا خلاف فيه، وإنما يكون التكفير لمن كان من الأمة، وإلا فالكافر الأصلي خارج السياق.
وحتى الذهبي الناقل لعبارة الشيخ والقائل: «وبنحو هذا أدين» = تجده يصف أمما بالزندقة والإلحاد من الباطنية والرافضة، بعد نقله لهذا الكلام في سير أعلام النبلاء 14/217و566، و15/166و173و320، و17/119و20/583 وغيرها.
إلا أن يقول إن الذهبي نكل عن توبته!
وفي كلام الأخ محمد الدحيم ثناء على كتاب «درء تعارض العقل والنقل» وأنه من أكبر مشاريع ابن تيمية، وذكر أنه في كتاب «منهاج السنة» مختلف، وكان في مرحلة من مراحل الشيخ التي تراجع عنها، ويذكر أنه في «المنهاج» وصل إلى مرحلة التكفير للرافضة وأنه في «النبوات» وهو متأخر عنه اعتبرهم مسلمين.
وأقول: هذا الكلام امتداد للسطحية السابقة والبعد عن التحقيق والنظر العلمي، فتأليف ابن تيمية لـ«منهاج السنة» كان في حدود سنة 710 هـ، كما في مقدمة المحقق الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله 1/87، ـ وهناك ذكر الإدلة على ذلك ـ وكانت ولادته رحمه الله عام 661 هـ يعني: أنه ألف منهاج السنة وعمره (50) سنة تقريبا.
يعني أن الشيخ ألف الكتاب في مرحلة متقدمة من عمره، بعد بلوغه مرتبة الاجتهاد، والإمامة في الدين، وبلوغ شهرته الأفاق، بسنين عددا، وقد أحال شيخ الإسلام في «منهاج السنة» على كتابه «درء تعارض العقل والنقل» كما في 2/309، و3/365، و5/275و423و441، أي أنه ألفه بعد «درء التعارض» الذي يعتبره محمد الدحيم من أعظم مشاريعه العلمية والتي جاءت بعد نضجه!
وهذا يدل على أن الكلام مرتجل، وأن القراءة الناقدة التي يدعيها = كلام لا حقيقة له، بل الظاهر أنه لرأي أو هوى مع الشيعة الذي دعوه ووقع معهم وثيقة التسامح.
ثم من المعلوم لدى طلبة العلم أن تقرير العالم لمسألة في كتاب والاستدلال عليها، لا يحسن أن يعارض بكلمة مجملة له في موضع آخر تأتي عرضا وينقض بها كل جهده السابق، كيف وكتابه «منهاج السنة» من أكبر كتبه وأكثرها تحريرا وتقريرا، وهو مقصود في هذا الباب ؟!
ودعنا ننظر كلام ابن تيمية في كتاب «النبوات» التي زعم محمد الدحيم أنه تراجع من ابن تيمية عما في «منهاج السنة»، وهو لم يذكر نص كلامه لكن في «النبوات» موضعين أذكرهما:
الأول: 1/423 قال: « فالبدع نوعان: نوعٌ كان قصد أهلها متابعة النص والرسول، لكن غلطوا في فهم النصوص، وكذَّبوا بما يُخالف ظنهم من الحديث ومعاني الآيات؛ كالخوارج، وكذلك الشيعة المسلمين، بخلاف من كان منافقاً زنديقاً يُظهر التشيع، وهو في الباطن لا يعتقد الإسلام، وكذلك المرجئة قصدوا اتباع الأمر والنهي، وتصديق الوعيد مع الوعد، ولهذا قال عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وغيرهما: إن الثنتين وسبعين فرقة أصولها أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدريّة» اهـ.
فهذا النص المجمل يتكلم فيه الشيخ عن الشيعة المسلمين، يعني أن هناك شيعة غير مسلمين، وسياق الكلام يبين أنه يريد الشيعة القدماء الذين لم تبلغ بدعتهم الكفر، لا عن الرافضة الذين أحدثوا عبادة الأئمة، وادعاء عصمتهم وعلمهم الغيب، وتكفير الصحابة، وغيرها الضلالات، بدليل ذكرهم مع الخوارج والمرجئة، ونقله كلام ابن المبارك فيهم، وابن المبارك توفي قبل كثير منها.
الموضع الثاني: 1/574: « وقيل إنه [ابن سبأ] هو الذي ابتدع بدعة الرافضة، وأنه كان قصده إفساد دين الاسلام وهذا يستحق القتل باتفاق المسلمين، والذين يسبون أبا بكر وعمر = فيهم تزندق؛ كالاسماعيلية والنصيرية؛ فهؤلاء =يستحقون القتل بالاتفاق، وفيهم من يعتقد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كالإمامية؛ فهؤلاء في قتلهم نزاع وتفصيل مذكور في غير هذا الموضع.
وتواتر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر».
وهذا متفقٌ عليه بين قدماء الشيعة، وكلّهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وإنّما كان النزاع في علي وعثمان رضي الله عنهما حين صار لهذا شيعة، ولهذا شيعة. وأمّا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: فلم يكن أحدٌ يتشيّع لهما، بل جميع الأمة كانت متفقة عليهما؛ حتى الخوارج فإنّهم يتولونهما، وإنما يتبرءون من علي و عثمان رضي الله عنهما».اهـ
وهذا النص يحيل فيه الشيخ على ما قرره قبل ذلك، وليس فيه ذكر تكفير ولا عدمه.
وليس في هذين النصين ما يفرح بهما له، ولو كان كما زعم = لذكر أنه تراجع عن غلطه السابق؛ إذ لا يحل له السكوت عن الباطل الذي قرره في كتاب هو مظنة رجوع الناس له، واعتمادهم عليه، فيدع ذلك لكلمة عابرة يقولها في كتاب دونه في الأهمية والشهرة وفي موطن لا يفطن له، هذا محال.
ولمن لا يعرف كتاب «منهاج السنة» لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهو: رد على كتاب «منهاج الكرامة» لابن المطهر الرافضي، وكتاب ابن المطهر محوره الأهم هو تقرير أصل الرافضة في الإمامة، ورد شيخُ الإسلام ابن تيمية على شبهات ابن المطهر، وكان لكثرة علمه وغزارته يستطرد في تحقيق مسائل كثيرة في أصول العلم والعقيدة ويتكلم عن مذاهب الناس، ويبين الحق في ذلك.
فالكتاب رد على شبهات الرافضة في الطعن في مذهب أهل السنة، وعلى شبهاتهم في تقرير مذهبهم، وهو أكبر وأحسن كتاب كشف زيف مذهب الرافضة وبين ضلالهم، ورد شبهاتهم.
وقول محمد الدحيم: «إن ابن تيمية ساهم في الإرهاب» لا يختلف عن قول كفرة اليهود والنصارى: «إن القرآن يدعوا للإرهاب»، فتراث الشيخ نقي بيِّن واضح، وكلام الله واضح بيِّن، وإن ضل أحد وفهم من الكلام الحق: باطلا = فلا يجوز أن ينسب الفعل الناتج عن الفهم الباطلِ لصاحب الكلام الحق، ومن فعل فهو : باغ متعد أثيم.
والحمد لله رب العالمين.

الرياض 6/3/1431هـ.
 

عبد الرحمن السديس
  • مقالات متنوعة
  • فوائد حديثية
  • مسائل فقهية
  • فوائد تاريخية
  • مسائل عقدية
  • الصفحة الرئيسية