اطبع هذه الصفحة


من إشراقات ابن القيم حول اسمه الله تعالى «الودود»

عبد الرحمن بن صالح السديس
@assdais

 
 بسم الرحمن الرحيم


الحمد لله، الرحيم الودود، وصلى الله على عبده ورسوله وسلم تسليما، أما بعد
فقد جمعت لك كلام العلامة ابن القيم على اسم الله تعالى «الودود»، ومعناه، وسر اقترانه ببعض الأسماء، وهو من غرر كلامه رحمه الله.

قال ابن القيم في «جلاء الأفهام» ص365:
«الودود فيه قولان:
أحدهما: أنه بمعنى فاعل، وهو الذي يحب أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين.
والثاني: أنه بمعنى مودود وهو المحبوب، الذي يستحق أن يُحَب الحب كله، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه وبصره وجميع محبوباته».

وقال في «مدارج السالكين» 3/397: «الودود من أسماء الرب تعالى، وفيه قولان:
أحدهما: أنه المودود. قال البخاري رحمه الله في «صحيحه»: الودود: الحبيب.
والثاني: أنه الوادّ لعباده. أي المحب لهم. وقرنه باسمه الغفور إعلاما بأنه يغفر الذنب، ويحب التائب منه، ويوده. فحظ التائب: نيل المغفرة منه والود.
وعلى القول الأول يكون سر الاقتران: استدعاء مودة العباد له، ومحبتهم إياه باسمه الغفور».

وقال أيضا في «مدارج السالكين» 3/576: «فمن ظهر له اسم «الودود» -مثلا-، وكشف له عن معنى هذا الاسم ولطفه وتعلقه بظاهر العبد وباطنه= كان الحال الحاصل من حضرة هذا الاسم مناسبا له. فكان حال اشتغال حب وشوق ولذة مناجاة، لا أحلى منها ولا أطيب، بحسب استغراقه في شهود معنى هذا الاسم وحظه من أثره.
كأن الودود إن كان بمعنى المودود -كما قال البخاري في صحيحه: الودود: الحبيب- واستغرق العبد في مطالعة صفات الكمال التي تدعو العبد إلى حب الموصوف بها= أثمر له صفاء علمه بها وصفاء حاله في تعبده بمقتضاها ما ذكره الشيخ من هذه الأمور الثلاثة وغيرها.
وكذلك إن كان بمعنى الواد -وهو المحب-= أثمر له مطالعة ذلك حالا تناسبه.
فإنه إذا شاهد بقلبه غنيا كريما جوادا، عزيزا قادرا، كل أحد محتاج إليه بالذات، وهو غني بالذات عن كل ما سواه، وهو مع ذلك يود عباده ويحبهم= كان له من هذا الشهود حال صافية خالصة من الشوائب».
وقال في «طريق الهجرتين» 2/509: «فإن الود يعود بعد التوبة النصوح أعظم مما كان، فإنه سبحانه يحب التوابين، ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته، وأيضا فإنه يفرح بتوبة التائب، ومحال أن يفرح بها أعظم فرح وأكمله وهو لا يحبه.
وتأمل سر اقتران هذين الاسمين في قوله تعالى: {إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود} تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: «لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدا»، ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه، وفي ذلك ما يهيج القلب السليم، ويأخذ بمجامعه، ويجعله عاكفا على ربه -الذي لا إله إلا هو، ولا رب له سواه- عكوف المحب الصادق على محبوبه، الذي لا غنى له عنه، ولا بد له منه، ولا تندفع ضرورته بغيره أبدًا».

وقال في «روضة المحبين» ص75:
«الودود من صفات الله سبحانه وتعالى أصله من المودة، واختلف فيه على قولين:
فقيل هو ودود بمعنى واد، كضروب بمعنى ضارب، وقتول بمعنى قاتل، ونؤوم بمعنى نائم، ويشهد لهذا القول أن فعولا في صفات الله سبحانه بمعنى فاعل، كغفور بمعنى غافر، وشكور بمعنى شاكر، وصبور بمعنى صابر.
وقيل: بل هو بمعنى مودود، وهو الحبيب، وبذلك فسره البخاري في «صحيحه» فقال: الودود: الحبيب.
والأول أظهر؛ لاقترانه بالغفور في قوله: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ}، وبالرحيم في قوله: {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}، وفيه سر لطيف، وهو: أنه يحب عبده بعد المغفرة، فيغفر له ويحبه، كما قال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} فالتائب حبيب الله، فالود: أصفى الحب وألطفه».

وقال في «التبيان في أيمان القرآن» ص145: «فلا ييأس العبد من مغفرته وعفوه، ولو كان منه ما كان، فلا عداوة لله أعظم من هذه العداوة، ولا أكفر ممن حرق بالنار من آمن به وعبده وحده، ومع هذا فلو تابوا لم يعذبهم وألحقهم بأوليائه.
ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين، ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء، فإنه هو المبدىء المعيد، ومن كان كذلك؛ فلا أشد من بطشه، وهو مع ذلك الغفور الودود، يغفر لمن تاب إليه، ويوده ويحبه، فهو سبحانه الموصوف بشدة البطش، وهو مع ذلك هو الغفور الودود.
و«الودود» المتودد إلى عباده بنعمه، الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه، وهو «الودود» أيضاً أي: المحبوب، قال البخاري في «صحيحه»: الودود: الحبيب.
والتحقيق أن اللفظ يدل على الأمرين، على كونه وادا لأوليائه، مودودًا لهم، فأحدهما بالوضع، والآخر باللزوم؛ فهو الحبيب المحِب لأوليائه، يحبهم ويحبونه، وقال شعيب عليه السلام: {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}.
وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحبه، والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبه، مع ذلك فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه عبده أحبه، ولو كان منه ما كان».


قلت: أجاد رحمه الله كعادته، وقد أجاد قبله وأطال شيخه الإمام ابن تيمية رحمه الله في «كتاب النبوات« 1/352-369.

 

عبد الرحمن السديس
  • مقالات متنوعة
  • فوائد حديثية
  • مسائل فقهية
  • فوائد تاريخية
  • مسائل عقدية
  • الصفحة الرئيسية