اطبع هذه الصفحة


مجالسُ المُتنبي
المجلسُ السابع
22/10/1429 - 21/10/2008

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق


قال أبو الطيِّب المُتنبي :
وَمَنْ يَبتَغِيْ ما أبغي مِن المَجْدِ و العُلا تَسَاوَى عِندَه المحايي و المقاتِلُ
وَحْيُ البيتِ :
كلُّ إنسانٍ في هَمِّهِ مجدٌ يطمحُ بلوغَهُ و إدراكه ، و مقاماً عالياً يرمي ببصرِ قلبِهِ ليُدركَه ، و لِذَيْنِ سُلَّمُ الهمِّ الباعثِ على رَسْمِ العَزمِ الحاثِّ ، و بدونِ هذينِ رُكونٌ لِوَتدِ الأُمنياتِ المميتاتِ و لجوءٌ إلى رُكنِ الجُبْنِ عن المغامراتِ ، و ما تلكَ لبشرٍ بمَرْضِيَّةٍ صِفةً و لا حالاً .
الطلبُ يقتضي الخطْبَ و العطَبَ ، و لا يكادُ يَسلمُ طلبٌ منهما ، و هما متنوِّعانِ متغيِّرانِ ، طُلاَّبُ المعالي كُثُرٌ ، و فيهم مَن يُريدُ بلوغ المعالي صِدقاً فسعى إليها حَقَّا ، و منهم مَن يُريدها دعوى فتصنَّعَ السَّعيَ .
و بقدْرِ الصِّدْقِ في الطلبِ للمرادِ يَكون الاحتمالُ للناتجِ عن السعي و الطلبِ ، و مَن لم يَصْدُق في طلبِهِ سيكون هاويَ العزْمِ في أولِ الخُطى ، فالغاياتُ بالنهاياتِ لا بالبداياتِ ، و النهاياتُ لأُوْلي الثباتِ لا الوَثباتِ ، و مخادعةُ النفسِ في الاحتمالِ يَبينُ عند الخوضِ في أول خُطى الطريقِ .
يُدرُك الصادقُ في طلبِ المُرادِ أنَّ بقاءَه لن يُؤْتِيْهِ بما يُريدُه ، فلا يَستبقي نَفَسَاً في نَفْسٍ ، فيبذُلُ قُصارى الجُهْدِ لبلوغِ المَجْدِ ، و يُغادِرُ الملا لمُواكبةِ العُلا ، فلا كمالَ إلا بضريبةٍ ، و ضرائبُ الكمالِ اكتمالٌ ، و حينَ يَغيبُ عن الطالبِ للمجدِ قانونُ البذلِ فإنه سيكون متراخياً في المسيرِ ، و ناكصاً عند أولِ شِدَّةٍ تعتَوِرُه ، و إذْ يُدركُ ذلك فإنَّه يُقَوِّمُ العزْمَ بالحزْمِ ، و الهِمَّةَ بالحَدْوِ ، فيجدُ لذةً يَستصحيُها في كلِّ أحوالِ مسيرِه ، لذةٌ الهمِّ الأولِ البائسِ الدافعِ له في البحثِ عن قيمةِ الوجودِ ، و لذةُ الهمةِّ الموجودةِ مِن بؤس الهمِّ و المُوْجِدَةِ للمجدِ المَرُومِ ، و لذةِ الشَّوقِ المُلتهِبِ في النفْسِ لبلوغِ العُلا المُمَجَّدِ و المجدِ المُعَلَّى ، و لذةُ السيرِ للغاياتِ ، و لذةُ الاستلذاذِ بالتَّعَبِ و النَّصَبِ ، و ما مِنْ لذَّةٍ إلا و تُفضي إلى لذةٍ ، و لذَّاتُ المعالي غاياتُ المطالبِ ، و لا أجملَ من حالِ استلذاذِ التَّعَبِ في الطلَبِ ، إذ يقولُ أبو الطيِّبِ ذاتُه :
سُبحانَ خالقُ نفسي كيفَ لذَّتُها فِيما النفوسُ تراهُ غايةَ الألمِ
و كما كان الاحتمالُ بقدْرِ الصِّدقِ ، فهناك الاحتمالُ بقدرِ الغايةِ ، فالغايةُ السامية الحميدة ، و المطالبُ النامية المجيدة ، يُحتملُ في سبيلِ بلوغها كلُّ عارضٍ ممطرٍ بإعاقةٍ ، و مُعترِضٍ صارفٍ بِصَفَاقَة (1) ، حيثُ الغايةُ أعظمُ ، و العظِيمُ للعظيمِ طلباً و حجباً ، هُنا سيُدرِكُ أنَّ مُرادَه سينالُه لأنَّه يستعذِبُ ألمَ السعي إليه كما يستعذِبُ البقاءَ عنه حينَ لم يَعرفه ، و كما يَستعذِبُ الراكنُ رُكونه ، حيثُ غدا المكروهُ محبوباً ، لأنَّ المطلوبَ محبوبٌ ، و المحبوبُ له عَيْنُ الرِّضا و عَنه إغضاءٌ ، فَتسَاوى عِندَه الحالُ في الاستلذاذِ لا في اللياذِ.
و الاحتمالُ لا يَقْوى إلا بِعُرى التوثيقِ بِثِقَةِ الهمةِ و العزيمة ، فهما مُبتدَاٌ و الاحتمالُ خبرُ ، و المُبتدَأُ و الخبَرُ اسمانِ لِمُسمًّى قائمٍ في حالِ الرَّفْعِ عن الدُّوْنِ بِضَمِّ الحالِ و القلبِ على الغايةِ العاليةِ ، و بواويَّةِ الجمْعِ للفكرِ و العقلِ لبلوغِ مقاصِد الذِّكْرِ الحَسَنِ ، و بهما تمامُ الفائدةِ العائدةِ ، و الإفادةِ الراشدة .
كذلكَ ؛ الاحتمالُ لا يَكونُ إلا في خَوْضٍ لِمنافَسَةِ المُزاحمينَ ، بصوتٍ عَلٍ ، و ثَباتٍ جَلِيٍّ ، ففي الخوضِ تبينُ حقائقُ الدعاوى ، و الطالبُ العاقلُ مَن يُدرِكُ بيقينٍ صِحةَ غايتِه ليخوضَ حالةَ الطلبِ بالخَطَرِ ، و الخَطَرُ لا يُنالُ إلا بالخَطَرِ (2) ، و إدراكُ الغايةِ يَكون بإجالةِ البصرِ نظراً و البصيرةِ فِكْراً في استعبارِ شأنِ الغايةِ و ملائمةِ البذلِ و السَّعي لها ، فالخوضُ شَجاعةٌ و الشجاعةُ ذكاءٌ لا قُوةٌ ، فـ " ليس الشجاعةُ أن يحمِلَ الرجلُ نفسَه على الهلَكَةِ إنما ذلك هَوَجٌ ، و الشجاعةُ أن يتقدَّم و غالبُ ظنِّهِ أن يظفر "(3) .
فالمجدُ المطلوبُ قاضٍ بالسعيِ المحبوبِ ، و باعثٌ على احتمالِ الخُطوبِ ، و كاشفٌ الصَّدوقَ من الكذوبِ ، و { قَدْ علِم كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهمْ } .

------------------------
(1) وَقاحة .
(2) الأولى : القَدْرُ و المنزلةُ ، و الثانيةُ : الحركةُ و الاضطرابُ .
(3) " ديوان المعاني " (1/112)

 

عبدالله العُتَيِّق
  • مقالات
  • كـتـب
  • خواطر
  • أدبيات
  • كَلِمَات طـَائِرَة
  • الصناعة البشرية
  • منتقيات
  • للتواصل مع الكاتب
  • الصفحة الرئيسية