اطبع هذه الصفحة


الصفاءُ الشريعة الغائبة

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق


” و أنتَ لا تقبلُ إلا بشريعة واحدة: كنْ صافياً” .. نيتشه

حين نعاشر أمور الحياة بكل تفاصيلها يصيبنا منها الكثير من الإعياء و التعب، و يَسقط كاهلُ جُهدنا و نشاطنا أرضا، و تتأزم النفس تَبَعا لذلك، و تتغير الأحوال الداخلية لنفوسنا و ذواتنا بسبب تلك الإعياءات. قد لا نحتمل ذلك كثيرا، فننفرُ من تلك المتاعبِ إلى شيء من البثِّ للهمِّ و الغمِّ في كل وجه نقابله، فنصطدم بذلك، و نتجادل بقوة مع الآخر، و ربما وصل الأمر إلى التطاول باليد، بسبب ما نعيشه من تأزم داخلي.

الحياة حكمٌ جبريٌ علينا، و لا يُمكننا في حالٍ أن نَجعلها كما نريد واقعا، و لكننا بمقدورنا أن نجعلها كما نشاء ذهنيا، و من ثَمَّ تتكوَّن أفعالنا تبعا لتلك المكنونة الذهنية. فقانون الحياة: إن لم تَخْدَع فستُخْدَع. و إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب.

حتى نتأقلم و نعيش في حياتنا بسلام و هدوء يجب علينا أن نضع أنفسنا في مَصَفٍّ من الأساليب في التعامل مع مُجريات الأقدار، فنُسايرُ القَدرَ و لا نُكاسره، فنجعله خادما لنا، معينا لنا، حتى و إن كان في الصورة ضدنا، فليس كل شيءٍ في الوجود إلا هو خادم للإنسان، و لكن لمن يُدرك و يعرف أن الوجود خادما له، و أما من لم يعرف، وليس مستعدا أن يعرف، فإنه لو جاء الكون بين يديه كمارد الإبريق ما استفاد من خدمته له.

حينما ننتقل في التعامل مع الحياة من المواجهةِ الواقعية الأرضية إلى المواجهة الذهنية فإننا نكون قد انتقلنا خطوة كبيرة نحو الأمام البعيد في أفق السماء في التأقلم مع أسرار الحياة، حينها فقط نُدرك أن الحياة كم هي جميلة على قُبحٍ كبير فيها، و كم هي حسنة على كثرة جوانب السوء، و كم هي خضراء على ما فيها من يُبْسٍ في أشجار ربيعها، و كم هي مفرحة على ما فيها من حزن، و كم هي واسعة على حالات الضيق، و السبب أننا نظرنا إليها بعين الصفاء و النقاء، فكانت لنا كما نظرنا إليها، فليست ضيقة تلك التي وَسِعت مليارات البشر التي لا تُحصى من أول إنسان إلى آخر إنسان هذه اللحظة.

 

عبدالله العُتَيِّق
  • مقالات
  • كـتـب
  • خواطر
  • أدبيات
  • كَلِمَات طـَائِرَة
  • الصناعة البشرية
  • منتقيات
  • للتواصل مع الكاتب
  • الصفحة الرئيسية