اطبع هذه الصفحة


أطفالُ القلم

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق


كنتُ في حديثٍ في صباح هذا اليوم مُشَوِّقٍ ، كان التطرُّقُ فيهِ لكثيرٍ من الأمورِ المفيدة ، ما بينَ حديثٍ عن الحالِ ، و انتقالٍ لمواضيع التنمية و التطوير الذاتي ، إلى أحاديثَ يجرُّ بعضها بعضاً ، و كما قالت العربُ : الحديثُ ذو شجونٍ ، فكان شجنُ العبارةِ يُطربُ قلبَ الباحثِ عن المعرفةِ ، و كذلك كانت العربُ تقولُ : الجنون فنون ، أي أنواعٌ ، فالحديثُ يشوِّقُ فيُنسي المتحدِّثَ .. و الشوقُ في الحديثِ أنواعٌ و أغراضٌ ...

فكان أن تطرَّقنا لمن كان يكتبُ ليُجاملَ ، و هي ظاهرةٌ مَرَضِيَّةٌ ، علاجها صعبٌ و عسير ، و لقد كان صاحبي متحاملاً بجدٍ على أمثالِ هؤلاء ، و لا لوم عليه ، لأنه يرى أنهم قتلةُ الإبداعِ الفكري ، و قتلةُ الصناعةِ الكِتابية ، إلا أنه ألمحَ إلى ظاهرةٍ ضعيفة ، له نورٌ يبدو فيخبو ، و عيبُ الضوءِ ذا .
فبادلته الكلام ، و كان كلانا يبادل صاحبَه الهمَّ و الغمَّ ، و الحزنُ سلطان قائمٌ علينا ، فلا نعزبُ عنه لحظةً .
فقلتُ لصاحبي : هؤلاءِ هم
" أطفالُ القلم " ...
فعجبَ منها ، و أخذت منه مأخذاً أحدثتْ في عقله تحليلاً ، كما أحدثت في قلبه بَهجةً ...
و راقَ لي كلامه عنها ...
فاستأذنتُ منه لحظاتٍ بقياسِ الدقائق ، ليس إلا ، فلن أزيد ، لأخطَّ كلمةً على عجلةٍ من الأمرِ ، فلتكن القراءةُ على مُهلةٍ ...

أطفالُ القلم

الكتابةُ وظيفةٌ كان يتقلَّدها كبار الشأنِ ، و يمتدحها أهل المعرفة ، و لا يخوضُ في الكَتْبِ للحروفِ لتتضمَّنَ المعاني الراقية إلا من له الشهادةُ من أقوامٍ كبارٍ بأنه أهلٌ ، و بأنه ذو استحقاقٍ ..

عمود الكتابةِ شيئان :

العمود الأول : تأسيسٌ وبناءٌ .
يعمدُ كثيرٌ من الكتبةِ إلى أقلامِ المعرفةِ العقلية ، بأيدٍ ممسكةٍ بأقلامٍ قد بُرِيَتْ ، أو عُبئَت حبراً ، ليكتبوا بها ما تكليه عليهم أذهانُهم ، فيصطبغُ المنثورِ معنًى على الورقِ بالسائلِ حسَّاً ، ليخرج للناسِ : بيانٌ لحقٍّ ، و تسطيرٌ لعلمٍ ، و إظهاراً لمعرفةٍ .
عندها تتطلَّعُ أفئدةُ كثيرين إلى المكتوباتِ تلك ، فيهتبلون الفُرْصَةَ لئلا يسبقهم غيرهم ، و لئلاً تكون الأولوية لمن دونهم ، تعظيم عظيم .
فيتذاكر الناسُ المكتوبَ : مدحاً ، و ثناءً ، و إشادةً .
فيأتي قومٌ بالنُّسَّاخِ ليستنسخوا الكتبَ ، و يسطروها في أوراقٍ أو جلودٍ ، فيبذلون دراهم معدودةٍ و كانوا فيها من الراغبين ...
تلك الأكتوبات خطتها أيدٍ عظيمة ، فلم تتناوشها أيدي " أطفال القلم " ...

هنا ، كان الأمرُ سائراً حسناً ...
إلا أنَّ الشمسَ لا بُدَّ أنْ تغيبَ ...
و النجمَ حلَّ أفوله ...
و القمرَ ليس إلا بازغاً ...
لأنَّ سوداءَ قاتمة أقبلتْ ...
فحجبتْ عن القلوبِ إبصار المعارف ...
و عن العيون رؤية الصحائف ...
بسوادٍ فوق سوادٍ ...
{ ظلماتٌ بعضها فوق بعضٍ } ...

عندما تقلَّدَ الرايةَ " أطفالُ القلم " ...
فكتبواً ما تمليه الأهواء ...
و كان الأسبقون يكتبون إملاءات العقلِ و القلبِ ...
و كتبوا سفاسفَ الأمور ...
و الأولون يكتبون معالم السرور ...
و كتبوا أحاديث شيوخ القمراءِ ...
و الأقدمون كتبوا تواريخ الأرضِ ...
و لشتان ما بينهما ...
فنأى الناسُ و انحرفوا ...
و ابتعدوا و انصرفوا ...
و قالوا بلسان الحالِ ، و إلى الله المشتكى مما إليه الأمر آل :

فَدَعِ الكتابةَ لَسْتَ منها *** وَ لو سوَّدْتَ وَجْهَكِ بالمِدادِ

و ليت الأمر كان واقفاً على هذا الحدِّ ....
و لكنَّ البليةَ سيأتي خبرها ...

العمود الثاني : تصحيحٌ و تعديلٌ .

عمودٌ شريف ، و عمل منيف ، جُرِّدَتْ أقلامُ من محابرها ، و أراءٌ من محالِّها ...
نَقْداً لطرْحٍ بقصد النصح ...
و تعديلاً للفظٍ لأجل الحفظ ...
و بياناً للغلطِ دفعاً للغطِ ...

فاهتبلَ الناسُ أخرى طرحاً خلاَّباً ...
إذ ليس الأمرُ متروكاً على عواهنه ...
و لا الحبلُ مُرْسلاً على غاربه ...
فإنَّ أعيناً تبيتُ لتبني ...
"عينٌ ساهرةٌ " ...
و الكلمةُ جهاد ...

فنمتْ المكتبةُ بـ :
بناءٍ راقٍ ...
رفيعٍ ...
شريفٍ ..
عريقٍ ...
وَ بـ :
تصحيح صحيح ...
و تعديلٍ نبيلٍ ...
و بيانٍ بُرهانٍ ...
فوثِقَ الناسُ ...
و أمنوا على المعارفِ ...

و تباً لفرحةٍ لم تَتِمّْ ...
و أُنْسٍ لم يدُمْ ...

فعادتْ القُتْمَةُ السوداءُ ....
فأظلمت الأرضُ ....
و هربَ القمرُ ...
و قُتلَ النجمُ ...
و أقيم مجلسُ العزاءِ على شمسِ العلوم ...

إذْ أقبلَ " أطفالُ القلم " بالعُجَرِ و البُجرِ ...
فتركوا الناسَ " حيصَ بيْصَ " ...
فكانت سوداؤهم لباسَ الإحدادِ ...
تطاولوا على المرقوماتِ القديمة ...
و نبَّشوا منازل الأحرف الكريمة ...
ويلَ قومٍ لم يفقهوا ما قالته أهل المعارف ...
و يح جمعٍ تصدرَ جمعهم كلُّ خارفٍ ..
فطمسوا معاني السموُّ بقبحِ الزُّهوِّ ...
و كشطوا أسرارَ العلوم بأداة اللوْمِ ...
رداً على معنى صحيحٍ بلفظٍ قبيحٍ ...
مدحاً لخطئٍ واضحٍ بمديحٍ فاضحٍ ...
هدماً لبناءٍ شامخٍ باذخٍ بكلامٍ يأباه الراسخ ...
ردماً لتلك الطرائقِ بالفهوم البوائق ...

عندها ....
بقيَ القلمُ في يَدِ " الأطفال " ....
و كُسِرَت أيدي " الرجال " ...

و صدق البغداديُ إذْ قال :

وَ إنَّ تَرَفُّعَ الوُضعاءِ يوماً *** على الرُّفَعاءِ مِن إحدى الرزايا
إذا استَوَت الأسافلُ و الأعالي *** فَقَدْ طابتْ منادمةُ المنايا

فسلامٌ عليك أيها القلمُ الأشم ...
كنتَ عزيزاً عظيماً ...

تتلقَّفُك أيدي الأكابر ...
و تتشرفُ بك الأعالي ...

و اليومَ هم في مندوحةٍ عنكَ ...
و أنتَ في مندوحةٍ عنهم ...
و طابتْ منادمةُ المنايا ...
و لـ " أطفال القلم " يومٌ سيكونون أثراً بعد عينٍ ...
كتبتُ آهاتِ نفسٍ ...
أحسَسْتها خرجتْ من أحرفِ صاحبي ...
 

عبدُ الله بن سُليمان العُتَيِّق
11/8/2007
28/7/1428

 

عبدالله العُتَيِّق
  • مقالات
  • كـتـب
  • خواطر
  • أدبيات
  • كَلِمَات طـَائِرَة
  • الصناعة البشرية
  • منتقيات
  • للتواصل مع الكاتب
  • الصفحة الرئيسية