اطبع هذه الصفحة


(] جواهر الخواطر [)

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق


تَوطِيءٌ :

في أحايينَ تمرُّ على الإنسانِ تدفعه إلى أن يُمسِك بالقلَمِ ليرْقُمَ شيئاً جالَ في خاطرِه ، و باحَتْ بِهِ نفسُه إلى عقلِهِ سِراً ليكون منه إبلاغاً .
تتفاوتُ تلك التي تجولُ في الخاطر ، و تتنوَّع ، فليسَ يشملُها فَنٌّ ، و لا تندرجُ تحتَ تصنيفٍ ، لأنَّ الخواطرَ طيَّارةٌ سيَّارةٌ ، تضربُ فيافيَ العقلِ و تجوبُ جوَّ سمائه ، فلا يجري عليها زمانٌ و لا مكانٌ ، و إنما حَسْبَ بَوْحِها حينها .
الخواطرُ منها ما جوهرٌ و منها ما هو زيفٌ ، فالعبرة بجوهرية الخاطرةِ ، و جوهريتها بمعناها لا بمبناها .
تطلبُ الخواطرُ من الشخصِ أن يكون مُقيِّداً إياها حين ورودها ، و إلا فلا تستقر ، لأنها تطيرُ أو تسير ، و لا إلى مُستقرٍّ تصير إلا بكتابتها في طرْسٍ بيراعٍ يُبقي و لا يُفني .
كانت لي مع تلك الخواطرُ ما رَقَمْتُ منها جواهراً باقيةً في محلِّ الصِيانة و الرعاية ، و تتنوعُ و تتشكَّلُ في فنون و مجالاتٍ ، ارتأيتُ أن أضعَ شيئاً منها في سلسلةِ (] جواهر الخواطر [) ، أُتحفُ بها قارئاً يلتقطُ خاطرةً ترتقبُ محلاً لتستقر فيه .


(1)

178) قانون الصداقة بصورة عامة هو التركيز على الايجابية ، لأن الصداقة صِلةٌ إبقائية و ليست إفنائية ، علاقة لتدوم لا لتزول ، و عندما نراها بعين الإيجابية في الإيجابية نكون قد أبقيناها ، و لكننا حين نراها بعين الإيجابية في السلبية نكون قد هدمناها في مهدها ، كما لو أننا رأيناها بعين السلبية في السلبية أو بعين السلبية في الإيجابية .
قانونٌ ثانٍ : الصداقة إما أن تكون صداقة أرواح أو صداقة أشباح ، فصداقة الأشباح ترابُطٌ رُوحيٌ باطنيٌ قلبيٌ ، فيكون التواصل بين الصديقين من خلال بواطنهم و تخاطر أرواحهم حتى لو كانا بعيدين جسداً أو خبراً ، و هذه أساسُ الصادقات و جوهرة العلاقات .
و صداقة الأشباح ( الأجساد ) لا تبقى ، و لا يُضمنُ دوامها لأنها تكمُن في التواصل الجسدي من خلالِ حواسِّه ، و الحواسُ لا يُضمن صِدق تعبيرها عن الباطن ، و ربما تكون صداقة الأشباح ردماً لصداقة الأرواح .
قانون ثالث : الصداقة الروحية تفتقرُ لأصولٍ ستةٍ حتى تتوطَّد و ترسخ : الثقة ، الاحترام ، التسامح ، التشجيع ، المشاركة في الأحاسيس ، المحبة .
و بدون هذه الأصول الستة يكون فيها نوعٌ من الخلل ، و متى طرأ الخللُ في طرفٍ من الصداقة تأثر الطرف الآخر تلقائيا ، لأن العلاقة روحية ، و الأرواح لها لغتها الخاصة في التخاطُبِ .
 


 
(2)


186) " البقاءُ للأقوى " أؤمنُ بها إيماناً كاملاً ، لأنَّ القويَّ هو فَوقَ الضعيف ، و القوةُ متنوعةٌ و ليست شيئاً واحداً ، كما أنها ليست محصورة في شيءٍ لا تتجاوزه إلى غيره ، فهناك قوةُ : الفكر ، و الذات ، و التواصل ، و العطاء ، و الذكاء ، فهي تشملُ كلَّ مناحي حياة الإنسان ، فبقدرِ قوته في جزءٍ من حياته يكون بقاؤه به ، و يكون فانياً بسبب الجزء الذي بقيَ ضعيفاً فيه ، و هكذا في كل بني الإنسان البقاءُ للقويِّ في الجزءِ الذي بانتْ فيه قوته ، و الفناءُ له في الجزءِ الذي بان فيه ضَعفه .
 


 (3)


188) لا تخلو المسائل المطروقة في الساحة الشرعية من كون كثيرٍ منها داخلٌ في دائرة الأدب و المروءة ، و ليست في دائرة الأحكام الشرعية ، و كل فعلٍ يكتنفه طرفان : شرْعيٌ ، و أدبيٌ ، و يميلُ إلى أحدهما فيأخذ أحكامه أصالة ، و يُلْحَق بأحكام الطرفِ الآخرِ بمقتضى الحال و الزمان و المكان .
و ما كان من الأخلاقِ و المروءات يُتسامَح فيه ما لا يُتسامَحُ في جوانب الأحكام الشرعية ، و الأحكام الشرعية لم تأتِ على نسقٍ واحد في الحكمِ مُوحَّداً مُجمَعاً عليه ، بل كلُّ أمرٍ يتجاذبه حكمان على الأقلِّ ، و إن كانَ مُجمَعاً على أصله ففي فروعه خلافٌ ، و من ألحقَ الكتبَ نظرَه أدرك ذلك .

عبد الله العُتَيِّق
 


(4)

200) يعتري المرءَ حالةٌ يكون فيها بين مدٍّ و جَذرٍ ، بين قلبٍ و عاطفة ، بين عقلٍ و هوى ، أمرانِ كلاهما مهمٌّ من ناحيةِ العين الداخلية له ، غيرَ الملابسات التي تُلازم الحالة فلها دورها ، يكون المرءُ في هذه الحالة في دائرة من الحيرة يفقد فيها حلَّ الأمور لعدم قبضه زمامها ، فيبقى حيراناً معَ حلمه و عقله ، هذه الحالة جوهرُ قيمة العقلِ ، لأن المرءَ كائنٌ في مفرقِ طرقٍ ، و ما غلبَ من الطرفين الجاذِبَيْن على الآخر يكون بعد ترددٍ طويل صعبٍ ، وهذه أصعب حالات المرءِ عند اتخاذ القرارات .
 


(5)

204) هتك عِرْضِ خَصم المناظرات آفةٌ يقَعُ فيها مَن ضعُفَتْ حُجَّته ، و هزُلَتْ براهينه ، فيرومُ بِقَعْقَعَةٍ يَظنها مُقْنِعَة ، و ينْحو لمذمةٍ يَخالُها مُتِمَّة ، و ّذو الصِدْقِ في الجدلِ ، و الرغبةِ في دراية الحقِّ يقف على البراهين و لا يَعْدوها للذاتِ ، لذا فهو يبوءُ بغلَبَةٍ و لو كان مُخطئاً ، لأن الحوارات قائمة على الحجج العقلية و البراهين المنطقية و القواعد العلمية ، و يسقطُ في ميدان المناظرات من ليس قائماً بواجب الحالِ ، و صِدق المقال ، و وجيه الاستدلال .


يتبع ..

Abdullah.s.a


 

عبدالله العُتَيِّق
  • مقالات
  • كـتـب
  • خواطر
  • أدبيات
  • كَلِمَات طـَائِرَة
  • الصناعة البشرية
  • منتقيات
  • للتواصل مع الكاتب
  • الصفحة الرئيسية